آخر الأخبار

معركة الدروز الحاسمة.. المختارة تتحدى إسرائيل

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في مارس/آذار 2017، في الذكرى الأربعين لاغتيال الزعيم الدرزي كمال جنبلاط، سلم وليد جنبلاط المشاعل التي تسلَّمها بعد اغتيال والده وأهمها "كوفية فلسطين العربية المحتلة" إلى نجله تيمور داعيا إياه لحمل تراث العائلة التاريخي. وبعدها بعام انتخب تيمور نائبا عن الشوف، وبحلول يونيو/ حزيران عام 2023 تولى تيمور جنبلاط زعامة الحزب التقدمي الاشتراكي رسميا بعد تنحي والده. وهكذا تسلم جنبلاط الحفيد كل مراكز والده الرسمية، ليعتقد معها الأب بأنه سيخرج من واجهة الحياة السياسية أخيرا.

قرأ وليد جنبلاط قبل غيره الرياح الإقليمية والدولية، والتغير الاجتماعي الداخلي. وكان النزوع الخارجي نحو تغيير الطبقة السياسية اللبنانية في بدايته، فكانت خطوة جنبلاط استباقية. أما داخليا، فلم يكن التوجه الشبابي بعيدا، وهو الذي انفجر في احتجاجات عام 2019. كان استشعار جنبلاط لرياح الداخل والخارج، إضافة إلى تجربته الشخصية في تسلُّم الزعامة، قد جعله يُفضِّل تسليم نجله دفة القيادة في حياته وبحضوره، لينتقل إلى مقاعد الاستشارة والدعم والتوجيه.

قصص مقترحة

list of 3 items
* list 1 of 3 نتنياهو يعلق على مظاهرة للدروز بالسويداء رفعت فيها صورته.. ماذا قال؟
* list 2 of 3 وقفة السويداء تضامن مع الساحل أم انفصال؟
* list 3 of 3 كاتس يستبعد السلام مع دمشق ويتحدث عن "خطة جاهزة" لدعم الدروز end of list

عند هذه المرحلة، تتوجَّه الزعامات عموما إلى كتابة مذكراتها، وهو ما كان، فانكبَّ جنبلاط على كتابة مذكراته، التي صدرت عام 2026 بعنوان "قدر في هذا المشرق: من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل"، كما شارك في 18 حلقة من برنامج "شاهد على العصر" على قناة الجزيرة، مُلخِّصا تاريخا سياسيا امتدَّ لأكثر من أربعة عقود. ولكن طموحات الخروج الهادئ من الحياة السياسية سرعان ما اصطدمت بسنوات عاصفة، فما تمخَّض بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول أجبر جنبلاط على العودة إلى المشهد، حيث دخلت المنطقة والدروز والمختارة تحديدا في تحدٍّ قد يكون الأصعب في تاريخها.

مصدر الصورة الزعيم الدرزي الراحل كمال جنبلاط (الجزيرة)

الدروز: الجغرافيا ومبادئ تحكم التفكير

رغم انطلاق دعوة المُوحِّدين الدروز من مصر الفاطمية مطلع القرن الحادي عشر، على يد حمزة بن علي وعدد من دعاة المذهب في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، أسهمت تقلُّبات التاريخ والصراعات السياسية في انحسار وجودهم في مصر وتمركزهم بدلا من ذلك في رقعة جغرافية متقاربة من بلاد الشام. وقد تمركزت هذه الدعوة بشكل مبكر في وادي التيم ومناطق من جبل لبنان وفلسطين، قبل أن يتعزز وجودها في مراحل لاحقة في جبل العرب وجنوب سوريا.

إعلان

هذا التركُّز المتقارب جغرافيا فرَّقته ترتيبات الانتداب التي أقرها مؤتمر سان ريمو عام 1920، وما تلاه من ترسيم للحدود بين مناطق الانتدابين الفرنسي والبريطاني، ومن ثمَّ وجد الدروز أنفسهم موزعين بالأساس على ثلاثة بلدان مختلفة: لبنان وسوريا وفلسطين. وتعقَّدت مسألتهم أكثر حين تفاقم مشروع الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، فتحوَّل الانقسام من جغرافي إلى جغرافي وسياسي.

"وجد الدروز أنفسهم موزعين على ثلاثة بلدان مختلفة: لبنان وسوريا وفلسطين"

على مرِّ التاريخ، ومع توارث الأجيال، تكرَّست لدى الدروز مجموعة من المبادئ الحاكمة في حياتهم الاجتماعية ونظرتهم إلى أنفسهم ومحيطهم، منها ما هو "ديني" ومنها ما هو "اجتماعي". فكان من بين المبادئ الدينية الأساسية "حفظ الإخوان"، بما يعنيه من التضامن والتكافل والتناصر بين أبناء الجماعة، ولا سيَّما في أوقات الشِدَّة والخطر. ولذلك، لم ينعكس انقسام الدروز بين أكثر من دولة على نظرتهم وعلاقتهم ببعضهم وظلوا يتشاركون في الهواجس السياسية كما الاجتماعية.

إلى جانب حفظ الإخوان، كان التمسُّك بالأرض قيمة مُتجذرة في الوعي الجماعي الدرزي، ترتبط بحماية الوجود والاستمرارية وصون الكرامة والعقيدة، وهو ما تجلى تاريخيا في تمسّك الدروز بقراهم ومناطقهم وسعيهم إلى الحفاظ على حضورهم فيها، بالمساومة السياسية حينا، وبالقوة والسلاح حينا آخر، تبعا للظروف وموازين القوى المحيطة بهم.

مصدر الصورة زيارة وقد درزي سوري إلى مقام النبي شعيب عليه السلام الواقع على سفح جبل حطين بالقرب من مدينة طبريا، في 14 مارس/آذار 2025 (رويترز)

الصهيونية ومحاولة تطويع الدروز

بدأ اهتمام الحركة الصهيونية بالدروز منذ أواخر عشرينيات القرن العشرين ومطلع الثلاثينيات، ضمن توجُّه لبناء علاقات مع الأقليات في المنطقة وتحييد بعضها عن الصراع العربي الصهيوني. ومع تأسيس المكتب المشترك للشؤون العربية عام 1930، شرعت شخصيات مثل إسحاق بن تسفي (الرئيس الإسرائيلي لاحقا) وآبا حوشي (سكرتير مجلس عمال حيفا ثم رئيس بلديتها) في بناء قنوات تواصل مع زعامات وعائلات درزية في فلسطين، مستفيدة من الانقسامات الداخلية والروابط التي تجمع دروز فلسطين بنظرائهم في سوريا ولبنان.

لم تكن محاولات الاستمالة ناجحة في نصف القرن الأول، حيث كان جزء كبير من الزعامات والبيئات الدرزية منخرطا في المشروع العربي وفي حركات مقاومة الاستعمار. ففي سوريا، كان سلطان باشا الأطرش أحد رموز الثورة العربية الكبرى، ثم قاد الثورة السورية على الانتداب الفرنسي عام 1925، رافضا مشاريع فصل جبل الدروز عن سوريا ومتمسكا بوحدة البلاد. وفي فلسطين، شاركت شخصيات وجماعات درزية في مقاومة البريطانيين والحركة الصهيونية، من بينها جماعة "الكف الأخضر" بقيادة أحمد طافش بعد أحداث ثورة البراق عام 1929، كما انخرط دروز من فلسطين ولبنان وسوريا في الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939.

"في فلسطين شاركت شخصيات وجماعات درزية في مقاومة البريطانيين والحركة الصهيونية"

وفي لبنان، كانت الشخصيات الدرزية البارزة رأس حربة للدفاع عن فلسطين، وفي مقدمتها شكيب أرسلان، جد وليد جنبلاط لأمه، والذي انخرط مبكرا في النشاط السياسي المناهض للصهيونية، ثم استمر هذا الاتجاه لدى زعامات درزية متعاقبة من آل جنبلاط. ولم يخرج آل طريف عن هذا الخط حينها، إذ إن الشيخ أمين طريف، الذي تولَّى الزعامة الروحية لدروز فلسطين منذ عام 1928، وهو جدُّ موفق طريف زعيم الدروز في إسرائيل اليوم، امتنع عن تعزيز قنوات التواصل مع بن تسفي وأبا حوشي، ما دفع الحركة الصهيونية إلى محاولة بناء قنوات اتصال مع شخصيات وعائلات درزية أقل أهمية في فلسطين، بهدف اللعب على نعرات الخلافات الداخلية. ولكن هذا المسار بقي في مراحله الأولى محدودا وانتقائيا، في مواجهة تيار عربي ووطني راسخ لدى الدروز.

إعلان

عند نكبة 1948، لم يكن الموقف الدرزي مُوحدا حول الحياد كما صوَّرته بعض الأدبيات، إذ انخرطت جماعات وقيادات درزية من فلسطين وسوريا ولبنان في القتال إلى جانب القوات العربية والفلسطينية، فيما حاولت الحركة الصهيونية في المقابل الدفع نحو تحييد دروز فلسطين ومنع انخراطهم في الحرب. ولكن مع الهزيمة العربية وتثبيت إسرائيل سيطرتها، بدأ المسار يتغير تدريجيا من محاولات استمالة أفراد وعائلات بعينها إلى مشروع أكثر تنظيما لإعادة صياغة موقع الدروز السياسي وهويتهم داخل الدولة الناشئة.

خريطة الساحات الدرزية

مَزَج المشروع الإسرائيلي بين الترغيب والترهيب. فقد خضع الدروز، مثل غيرهم من أصحاب الأرض الفلسطينيين، لسنوات من الحكم العسكري وما رافقه من رقابة على الحركة والعمل والحياة العامة، فيما استُخدمت أدوات الاعتقال والسجن والضغط الاقتصادي والاجتماعي، خصوصا في مواجهة الرافضين للسياسات الجديدة. وانتقلت هذه السياسة إلى مستوى أكثر تنظيما عام 1957 مع فرض التجنيد الإجباري على الشبان الدروز. وقد رفض الدروز بداية الانخراط في التجنيد، وعمليا في مشروع الدولة، إذ لم يمتثل له في بداياته سوى نحو 28% من الشبان، فيما رفضت الغالبية أوامر التجنيد.

من جهة ثانية، ربطت إسرائيل الاندماج في مؤسساتها، ولا سيَّما الجيش والأجهزة الأمنية، بفرص أكبر في الوظائف والمكانة الاجتماعية والنفوذ السياسي، وعملت على بناء شبكة من النخب والوجهاء المحليين المرتبطين بالدولة. ولم تتوقف السياسات عند هذا الحد. ففي عام 1957 اعترفت إسرائيل بالدروز طائفة دينية مستقلة، وأنشأت لاحقا لهم أُطُرا دينية وقضائية منفصلة، ثم انتقلت بعدها إلى التعامل معهم بوصفهم جماعة قومية مستقلة، ووضعت وصف "درزي" محل "عربي" في التصنيفات الرسمية، لتعزيز فصل الدروز عن محيطهم وتاريخهم.

ثم جاء التعليم ليكمل ما بدأه الجيش والقانون. ففي عام 1976 فُصِل جهاز التعليم الدرزي عن جهاز التعليم العربي، وأُدخِلَت مناهج ومضامين ركَّزت على "التراث الدرزي"، وعلى سردية المصير المشترك بين الدروز واليهود، في مقابل تقديم العلاقة مع المحيط العربي والإسلامي على أنها تاريخ من الصدام والاضطهاد. واستُخدم التعليم لإنتاج هوية "درزية إسرائيلية " أكثر التصاقا بالدولة ومؤسساتها، وأبعد عن الهوية العربية الفلسطينية.

"استُخدم التعليم لإنتاج هوية درزية إسرائيلية أكثر التصاقا بالدولة ومؤسساتها، وأبعد عن الهوية العربية الفلسطينية"

مع تراكُم هذه السياسات على مدى عقود، بدأت نتائجها تظهر في موقع الدروز داخل الدولة، وفي مستوى اندماجهم بمؤسساتها. فبعدما لم يمتثل لأوامر التجنيد عند فرضها عام 1956 سوى نحو 28% من الشبان الدروز، ارتفعت النسبة حتى باتت التقديرات الإسرائيلية تتحدث عن نسب التحاق تتجاوز 80%، ووصلت في بعض السنوات إلى نحو 85%، وهي نسبة فاقت أحيانا نسبة التجنيد لدى اليهود، كما توسَّع حضور الدروز داخل الجيش والشرطة وحرس الحدود والأجهزة الأمنية، ووصل ضباط منهم إلى رتب ومواقع قيادية متقدمة، بالتوازي مع ازدياد تمثيلهم داخل مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية.

على الجانب الآخر في لبنان كان الوضع مختلفا تماما. لعب الدروز دورا قياديا في المشروع العروبي، فكان كمال جنبلاط قائد الحركة الوطنية اللبنانية منذ تأسيسها وحتى اغتياله عام 1977، وتحالف مع منظمة التحرير الفلسطينية والقوى القومية واليسارية، وجعل من القضية الفلسطينية جزءا مركزيا من مشروعه السياسي.

وبعد اغتيال كمال جنبلاط عام 1977، ورث وليد الزعامة السياسية للطائفة، وحافظ رغم التحولات الكثيرة في تحالفاته على تأكيد عروبة الدروز وارتباط دروز فلسطين بمحيطهم العربي، وسعى في مراحل مختلفة إلى إعادة فتح قنوات التواصل بينهم وبين دروز لبنان وسوريا. وكرَّر جنبلاط موقفه في مواضع مختلفة، مؤكدا عروبة الدروز في لبنان وسوريا وفلسطين، ومعتبرا أن غياب الاهتمام العربي بدروز فلسطين ترك مساحة لإسرائيل كي تستقطبهم وتدمجهم في مشروعها.

"ترسخت مكانة المختارة بوصفها قائدا لمشروع عروبة الدروز في مواجهة مساعي التهويد السياسي"

أما في سوريا، فقد اتخذ الحضور الدرزي شكلا مختلفا. فرغم الإرث القومي الذي تركه سلطان باشا الأطرش وارتباط الذاكرة السياسية للسويداء بالثورة السورية الكبرى، لم تتشكل في جبل الدروز خلال عهد الأسد قيادة سياسية مستقلة على غرار المختارة في لبنان. وقام الحضور الدرزي في سوريا على علاقة غير ودودة مع الأسد، فكانت مزيجا من التعاون والحذر والحفاظ على هامش محلي من الخصوصية.

إعلان

أمام هذا المشهد، ترسخت مكانة المختارة بوصفها قائدا لمشروع عروبة الدروز في مواجهة مساعي "التهويد السياسي"، بينما عاش دروز سوريا حالة من الخصوصية السياسية بحكم طبيعة نظامها الحاكم. كذلك سار الأمر في الاتجاه المعاكس، فأصبحت العروبة والقضية الفلسطينية حصنا لزعامة المختارة ولحضور الدروز الفاعل في مواجهة مشروع الاستخدام الإسرائيلي.

مصدر الصورة وليد جنبلاط رسخ حضور المختارة بوصفها قائدا لمشروع عروبة الدروز في مواجهة التهويد السياسي (الفرنسية)

سقوط الأسد: التنافس على سوريا

سعت إسرائيل بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول إلى إنشاء أحزمة عازلة حولها، ناهيك عن محاولة إخضاع المنطقة لها أمنيا وسياسيا بالقوة قبل التفاهم. وحمل سقوط الأسد رسالة إيجابية لإسرائيل من ناحية تقطيع أوصال محور المقاومة وعزل حزب الله، لكنه حمل في المقابل رسائل أخرى، مع وصول جماعات معادية إلى قيادة سوريا، وما اعتبرته تل أبيب تمددا للنفوذ التركي حتى حدودها الشمالية.

منذ الأيام الأولى لسقوط النظام، لم تنتظر إسرائيل استقرار المشهد السوري، فتقدَّمت داخل الجولان ومدَّت مناطق سيطرتها باتجاه جبل الشيخ، ثم طرحت تصورا أمنيا جديدا لجنوب سوريا يتجاوز ترتيبات فض الاشتباك السابقة. ففي فبراير/شباط 2025، أعلن نتنياهو رفض إسرائيل دخول قوات الحكومة السورية الجديدة إلى الجنوب، وطالب بنزع السلاح من القنيطرة ودرعا والسويداء، واضعا "حماية الدروز" بصورة علنية ضمن المبررات الإسرائيلية للتدخل في سوريا. ثم انتقلت إسرائيل من الخطاب العام إلى ربط أمنها بأمن التجمعات الدرزية، فأصدر نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس تعليمات للجيش بالاستعداد لحماية دروز جرمانا قرب دمشق، مع التهديد بالتدخُّل العسكري إذا "تعرضوا للخطر".

"وضعت إسرائيل حماية الدروز مبررا علنيا لتدخلها في سوريا"

بالتوازي مع التحرك العسكري، بدأت إسرائيل استخدام أدوات أكثر نعومة لاستمالة الدروز السوريين. أعلنت استعدادها للسماح للدروز من سوريا بالعمل في الجولان المحتل، وأرسلت مساعدات إلى تجمعات درزية، وأعادت فتح قنوات تواصل دينية واجتماعية بين دروز سوريا ودروز الداخل الفلسطيني والجولان. وفي مارس/آذار 2025، عبر نحو ستين من رجال الدين الدروز السوريين إلى الجولان وإسرائيل في أول زيارة من نوعها منذ أكثر من نصف قرن، حيث زاروا مقام النبي شعيب، والتقوا الشيخ موفق طريف. وفي مقابل هذا التحرك، سارعت شخصيات دينية وسياسية في السويداء إلى التأكيد على أن المحافظة ليست جزءا من هذا التحرك، وأنها متمسكة بانتمائها السوري والعربي.

كان وليد جنبلاط من أوائل من قرأ هذا المسار، إذ رأى فيه محاولة جديدة لإعادة إنتاج "حلف الأقليات" واستخدام الدروز مدخلا لتثبيت نفوذ إسرائيلي في الجنوب السوري. وعليه، سارع بالتحرك المقابل عبر البوابة الدرزية. فبعد أقل من أسبوع على سقوط الأسد، اتصل في 15 ديسمبر/كانون الأول 2024 بالرئيس السوري أحمد الشرع، وشدَّد الطرفان على وحدة سوريا ورفض مشاريع التقسيم. وبعد أسبوع فقط من الاتصال، زار جنبلاط دمشق على رأس وفد سياسي وروحي كبير ضمَّ شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في لبنان سامي أبي المنى، والتقى الشرع في خطوة حملت رسالة مفادها أن المرجعية السياسية لدروز سوريا يجب أن تبقى دمشق لا تل أبيب، وأن سقوط النظام لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لفصل السويداء عن الدولة السورية.

"حذر جنبلاط من أن إسرائيل تريد توظيف الدروز أداة في مشروع تقسيمي"

حاول جنبلاط الرد على كل تحرك إسرائيلي بالمستوى الذي يقدر عليه، للحفاظ على الدروز وتموضعهم. ومع تصاعد الخطاب الإسرائيلي في فبراير/شباط ومارس/آذار 2025، رفع جنبلاط مستوى تحركه. فعقب تهديد نتنياهو بالتدخل لحماية دروز جرمانا، عقدت الهيئة العامة للمجلس المذهبي الدرزي في بيروت اجتماعا استثنائيا، وخرج جنبلاط مُحذرا من أن إسرائيل تريد "الانقضاض على جبل العرب" واستخدام الدروز أداة في مشروع تقسيمي، وأعلن عزمه العودة إلى دمشق للتأكيد على "مرجعية الشام بالنسبة للدروز". كذلك، رفض اعتبار الشيخ موفق طريف ممثلا لدروز المنطقة، ودعا دروز سوريا إلى الحذر من الانجرار خلف خطاب الحماية الإسرائيلي.

وبعد زيارة رجال الدين الدروز إلى إسرائيل عام 2025، ذهب جنبلاط أبعد في خطابه، ففي ذكرى اغتيال والده كمال جنبلاط في 16 مارس/آذار، حذر من "الاختراق الفكري الصهيوني"، ومن استخدام بعض الدروز "إسفينا لتقسيم سوريا تحت شعار تحالف الأقليات"، ودعا أبناء الطائفة إلى التمسك بإرث سلطان باشا الأطرش وشكيب أرسلان وكمال جنبلاط، وبالهوية العربية للدروز. وحاول جنبلاط بذلك بناء جدار سياسي وهوياتي مبكر في مواجهة المسار الإسرائيلي.

مصدر الصورة الرئيس السوري أحمد الشرع (على اليمين) يجتمع مع الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط (في الوسط) في دمشق (الفرنسية)

الانفجار.. وما بعده

لم يقرأ الشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز المرجعيات الروحية والسياسية للطائفة الدرزية في سوريا، التغيير في سوريا بعد سقوط الأسد بصورة إيجابية. فرغم أن المواقف الأولى عند السقوط كانت حذرة وفيها تأكيدات من الهجري على أن العلاقة مع الحكومة السورية المؤقتة "تقوم على الشراكة والتواصل"، وأن "الهدف المشترك هو تحقيق الخير العام والتعاون لما فيه مصلحة الوطن"، فإن الواقع كان خلاف ذلك، مع منع الهجري رتلا عسكريا تابعا لحكومة دمشق من دخول السويداء.

إعلان

بالتوازي، ظهرت داخل المحافظة انقسامات بين فصائل أكثر استعدادا للتفاهم مع دمشق، وأخرى أكثر تشددا في رفض دمج سلاحها وأجهزتها المحلية ضمن مؤسسات الدولة. في المقابل، قدمت الدولة السورية الجديدة مشروعها باعتباره مشروعا جامعا للسوريين. لكن سرعان ما سلكت العلاقات مسارا متفجرا منذ أحداث الساحل في مارس/آذار 2025.

تصاعد الاحتقان المتبادل حتى وقع الاحتكاك الكبير الأول في جرمانا وأشرفية صحنايا في أواخر أبريل/نيسان 2025، ومطلع مايو/أيار من العام نفسه، إذ اندلعت مواجهات على خلفية تسجيل صوتي مُسيء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، نُسب إلى شخص درزي، قبل أن تتحول إلى اشتباكات دامية تضمنت تدخلا إسرائيليا تحت عنوان "حماية الدروز". وخرج ما في النفوس على أثرها، فأعلن الهجري في فيديو أنه "لا وفاق أو توافق" مع الحكومة السورية، داعيا لعدم التساهل معها داخليا ودوليا.

توصَّلت دمشق بعدها إلى تفاهمات مع قيادات وفصائل درزية فأبقت جزءا كبيرا من الأمن الداخلي بأيدي أبناء المحافظة، لكن هذه الترتيبات لم تعالج مشاكل تعدد الفصائل والسلاح وحدود سلطة الدولة، ولا حتى العلاقة مع إسرائيل. وعليه، وقع الانفجار الكبير في يوليو/تموز 2025 حين اندلع صدام بين فصائل درزية والقوات الحكومية. وسارعت إسرائيل إلى تعزيز موقفها "حاميا للدروز"، فشنَّت غارات على القوات الحكومية المتجهة إلى السويداء، ثم رفعت مستوى التصعيد بقصف مقر وزارة الدفاع السورية في قلب دمشق، مُقدِّمة نفسها أمام دروز سوريا بوصفها القوة القادرة على التصدي لدمشق.

بعد أحداث السويداء الدامية، تحرَّكت الولايات المتحدة والأردن باتجاه احتواء الأزمة عبر تفاهمات تعيد ربط المحافظة بمؤسسات الدولة، مع الحفاظ على قدر من الإدارة والأمن المحليين. وتمخضت المباحثات الإقليمية والدولية عن خريطة طريق رعتها عمَّان وواشنطن، أكدت أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، وأن الحل فيها يمر عبر إعادة بناء الثقة بين دمشق وأبناء المحافظة، وتفعيل الشرطة المحلية والمؤسسات المدنية، وتأمين الطرق وعودة النازحين، مع رفض فكرة إنشاء كيان منفصل عن دمشق. وفشلت إسرائيل في حسم المعركة في سوريا حينها بفصل الجنوب والسويداء، لكنها حققت هدفها بمغازلة القواعد الدرزية في سوريا، وحتى في لبنان والأراضي المحتلة.

"كان لبنان في عمق أحداث السويداء"

كان لبنان في عمق أحداث السويداء. وقد حاول جنبلاط الحفاظ على الاعتدال، فأكد على رفض تحويل المعركة إلى مبرر للتدخل الإسرائيلي أو الانفصال عن الدولة السورية، ودعا إلى وقف إطلاق النار، والتحقيق في الممارسات التي طالت الدروز والبدو، وإطلاق حوار سياسي برعاية دمشق، مشددا على أن جبل العرب جزء من سوريا. وتحرك جنبلاط داخليا كذلك لاحتواء أي ارتداد طائفي على لبنان، بالتواصل مع المرجعيات المختلفة، فبقيت ردود الأفعال منضبطة ومحدودة.

لكن الخطاب الإسرائيلي لقي بعض الصدى في صفوف الدروز. وقد لعب وئام وهاب، وهو الزعامة الدرزية الثالثة في لبنان خارج التقليد الجنبلاطي- الأرسلاني، على هذه النقطة فرفع سقف خطابه المؤيد للتدخل الإسرائيلي، إلى حد إبداء الفخر بالقصف الإسرائيلي على دمشق، بالتوازي مع هجوم حاد على القيادة السورية الجديدة. وفي سياسة متناقضة، حافظ وهاب أيضا على علاقته مع حزب الله والمكون الشيعي، وطالبهم بالتحرك في سوريا ضد الحكومة، رغم مطالبته سابقا بحصر السلاح في يد الدولة.

عوامل الحسم

حسمت القوى المحلية توجهاتها، ومن الصعب أن تغيرها في المرحلة القريبة المقبلة وضمن ميزان القوى الحالي. فمن جهة، يحمل جنبلاط راية العروبة والاندماج مع الإقليم، وتثبيت الخطوط مع إسرائيل عبر هدن واضحة وصلبة، ومن جهة أخرى يحمل الهجري في سوريا خيار الانفصال والعمل مع إسرائيل، وهو المسار الذي يدعمه وهاب، دافعا باتجاه تحالف أقليات يكون هو فيه رأس المشروع في لبنان.

والساحة الفعلية لهذه المعركة هي سوريا، والعامل الذي سيكون حاسما هو المسار الدولي، وتحديدا موقف الولايات المتحدة التي دعمت حل قضية قسد باتفاق مع الحكومة السورية، كما تستمر في دعم مسار الدولة السورية في السويداء وهو ما شدَّد عليه توم باراك، المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق. وإذا استمرت واشنطن في موقفها الداعم لمركزية الدولة السورية ورفض دعم الجماعات الانفصالية، فإن المشهد الحالي من المتوقع أن يستمر، بحيث تواصل الدولة السورية تطويق القيادات المتمردة في السويداء ودعم قيادات مختلفة فيها، مثل آل البلعوس. بالتوازي مع إجراءات لدمج الدروز واحتواء مخاوفهم.

"يبدو مصير الدروز، من المختارة إلى السويداء إلى الجليل، معلقا بين مشروعين متناقضين"

العامل الثاني الذي قد يُغير المشهد هو تعزيز إسرائيل حضورها في لبنان، ودعمها المحتمل لوهاب إلى درجة يستطيع معها قلب المعادلة الداخلية في وجه جنبلاط. أما العامل الثالث، فيرتبط بالانتخابات الإسرائيلية من زاويتين. الأولى، تمسُّك نتنياهو بالحفاظ على النفوذ الإسرائيلي في الجنوب السوري، وتوظيفه ورقة انتخابية تعزز موقعه داخليا. والثانية، احتمال أن يطرأ تعديل، ولو نسبي، على التوجه الإسرائيلي تجاه الدروز في سوريا في حال أفضت الانتخابات إلى تغيير في القيادة السياسية الإسرائيلية.

وليد جنبلاط: الامتحان الأصعب

قد يكون هذا الامتحان الأهم لوليد جنبلاط في مسيرته التي قاربت خمسة عقود. صحيح أن صراعات الحرب الأهلية كانت قاسية، ولكن جنبلاط كان حينها يناور إسرائيل في ظل دعم داخلي من جهة، ودعم سوري من حافظ الأسد صاحب الحكم الراسخ حينها، ومظلة سوفياتية كبرى من جهة أخرى. أما اليوم، فسوريا الجديدة ما تزال في مراحل إعادة البناء، ودون وجود ردع عربي فعال لإسرائيل، خاصة في ظل أحادية القطبية العالمية.

وهكذا يبدو مصير الدروز، من المختارة إلى السويداء إلى الجليل، معلقا بين مشروعين متناقضين: مشروع يراهن على الانتماء العربي وتماسك الدولة كضمانة وجودية، ومشروع آخر يُقدِّم الحماية الإسرائيلية بديلا عن هذا الانتماء، ولو على حساب وحدة الجغرافيا والنسيج الوطني الذي عاش فيه الدروز لقرون. يجري كل ذلك بين وليد جنبلاط المتمسك بإرث والده وسلطان باشا الأطرش، وحكمت الهجري الذي اختار مسارا مغايرا، ووئام وهاب الذي يقايض بورقة الأقليات.

ما يجعل هذه اللحظة استثنائية أن نتائجها لن تقتصر على تحديد موقع الدروز داخل كل دولة من الدول الثلاث، بل ستكون مؤشرا على قدرة "الدولة" في المشرق العربي على استيعاب تنوُّعها الداخلي دون أن تفتح الباب أمام مشاريع التقسيم القائمة على الهوية الطائفية أو الإثنية. فإذا نجحت الرهانات الرافضة لمنطق "تحالف الأقليات" في الصمود، فقد يكون ذلك درسا يتجاوز الدروز إلى مستقبل الأقليات كافة في منطقة لا تزال تعيد تشكيل تحالفاتها. أما إذا انتصر المسار المقابل، فستكون السويداء وجرمانا والمختارة مجرد محطات أولى في إعادة رسم خرائط النفوذ والولاء في المنطقة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا