يواجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس أسبوعا سياسيا بالغ الحساسية بعد الهزيمة القاسية التي مني بها الحزب الديمقراطي المسيحي (CDU) في ساكسونيا-أنهالت، ومع اقتراب انتخابات ولايتي مكلنبورغ-فوربومرن وبرلين التي قد تحمل مزيدا من التحديات للحزب.
وبينما كان ميرتس يشارك في قمة القطب الشمالي في فنلندا، حاول التأكيد على أن السياسة الخارجية والأمنية لا يمكن فصلها عن النقاشات الداخلية في ألمانيا، مشددا على ارتباط مستقبل البلاد بمستقبل أوروبا.
وحسب تقرير لموقع تاغس شاو الألماني التابع للقناة الألمانية الأولى (15 سبتمبر 2026)، فإن مستقبل الحكومة الفيدرالية بات موضع اهتمام ومتابعة من شركاء ألمانيا الأوروبيين الذين ما زالوا ينظرون إلى ميرتس باعتباره شريكا موثوقا.
ورغم تراجع شعبية الحزب، ما زال المستشار يحظى بدعم علني من قيادات بارزة في الحزب الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي . فقد أكد نائب رئيس الكتلة البرلمانية للتكتل المسيحي ماتياس ميدلبرغ أن النقاش حول استبدال ميرتس ليس مطروحا، معتبرا أن القضية الحقيقية تتمثل في إنجاح الحكومة وتنفيذ الإصلاحات.
كما شددت وزيرة الأسرة الاتحادية كارين برين على أن تغيير المستشار لن يحل المشكلات التي تواجه الائتلاف الحاكم، داعية إلى التركيز على العمل الحكومي بدلا من الجدل حول الأشخاص. وحسب تقرير تاغس شاو، فإن جزءا كبيرا من الجدل داخل الحزب يدور حول وتيرة الإصلاحات أكثر مما يدور حول شخص المستشار نفسه.
ورغم استمرار الدعم الرسمي، تكشف الأجواء داخل المعسكر المحافظ عن قلق متزايد بشأن قدرة ميرتس على استعادة زمام المبادرة. فقد أعلن رئيس الوزراء البافاري ورئيس الاتحاد الاجتماعي المسيحي ماركوس زودر أنه ما زال يرى في ميرتس "المستشار المناسب"، مؤكداً دعمه لمسار الإصلاحات.
لكنه حرص في الوقت نفسه على الإشارة إلى أنه ليس مسؤولا عن شؤون الاتحاد الديمقراطي المسيحي الداخلية، وهو ما فُسر داخل الأوساط الحزبية على أنه دعم حذر أكثر منه دفاعا حماسيا.
وبحسب فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ، فإن مجرد اضطرار زودر إلى إعلان دعمه بهذا الشكل يعكس حجم الشائعات والاضطرابات السائدة داخل التحالف المحافظ. كما تشير الصحيفة إلى أن نفوذ ميرتس داخل الحزب تعرض لتراجع واضح بعد الانتكاسات الانتخابية الأخيرة، وأن قدرته على احتواء التوترات الداخلية لم تعد كما كانت في السابق، خصوصًا مع اقتراب انتخابات مكلنبورغ-فوربومرن التي قد تجلب ضغوطًا إضافية على القيادة.
إلى جانب الضغوط الانتخابية، تواجه قيادة الحزب الديمقراطي المسيحي مشكلات داخلية متزايدة. فقد أثارت طريقة التعامل مع استقالة نائبة الأمين العام كريستينا ستومب نقاشات واسعة داخل الحزب، بعدما استغرق الإعلان الرسمي عن رحيلها وقتا أطول مما كان متوقعا، وسط محاولات لإيجاد موقع سياسي بديل لها داخل الهياكل الحزبية.
وأفادت صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ" بأن هذه القضية تحولت إلى نموذج يُستشهد به داخل الحزب للدلالة على صعوبة إدارة الخلافات التنظيمية في المرحلة الحالية.
في الوقت نفسه، تصاعد التوتر داخل الائتلاف الحاكم بعد الهجوم الذي شنه كريستيان فون شتيتن، رئيس كتلة الشركات الصغيرة والمتوسطة في المجموعة البرلمانية للاتحاد، على الحزب الاشتراكي الديمقراطي ووزيرة العمل باربل باس. واتهم فون شتيتن قيادة الحزب الشريك بعرقلة الإصلاحات الضرورية، ما زاد من الضغوط على المستشار لتنفيذ وعوده الإصلاحية بصورة أسرع.
وتتزامن هذه الخلافات مع مطالب متزايدة داخل صفوف الاتحاد بإجراء تعديلات على حزمة الإصلاحات الاقتصادية، خاصة في ملفات الضرائب والطاقة، في حين يتمسك الحزب الاشتراكي الديمقراطي بأولويات تتعلق بالتقاعد والرعاية الصحية، الأمر الذي يزيد من صعوبة إدارة الائتلاف. ووفقا لما أورده موقع تاغس شاو، فإن العديد من قيادات الاتحاد باتوا يطالبون بتسريع الإصلاحات حتى تصبح نتائجها ملموسة لدى المواطنين وتنعكس على شعبية الحكومة.
وتكشف الكواليس الحزبية عن حالة استياء متنامية داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي. فبحسب فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ، تشهد مجموعات التواصل الخاصة بالحزب والنواب نقاشات متزايدة حول مستقبل القيادة، مع تداول سيناريوهات متعددة تتراوح بين تغيير المستشار وإعادة تشكيل الحكومة، وصولا إلى التكهنات بإمكانية قيام حكومة أقلية من دون الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
غير أن هذه الطروحات تصطدم بحقيقة أساسية تتمثل في غياب شخصية تتقدم علنًا لتحدي ميرتس أو طرح نفسها بديلاً له. كما أن العديد من نواب الاتحاد يرون أن حكومة أقلية قد تؤدي عمليًا إلى اعتماد أكبر على أصوات حزب البديل من أجل ألمانيا، وهو سيناريو يرفضه معظم قادة المعسكر المحافظ.
وفي المقابل، يواصل بعض قادة الحزب التشديد على أن الحل لا يكمن في تغيير الأشخاص، بل في تسريع الإصلاحات وإظهار نتائج ملموسة للمواطنين.
ومع اقتراب الانتخابات الإقليمية المقبلة، يبدو أن هذه الاستحقاقات ستكون اختبارا حاسما ليس فقط لشعبية الاتحاد، بل أيضا لمستقبل فريدريش ميرتس السياسي وقدرته على الحفاظ على موقعه داخل الحزب والحكومة، حسب الصحف الألمانية.
تحرير: حسن زنيند
المصدر:
DW