تداولت حسابات عبر منصات التواصل الاجتماعي ادعاء يزعم أن تركيا شنت في 5 سبتمبر/أيلول الجاري عملية عسكرية مفاجئة داخل الأراضي السورية، أسفرت عن إلقاء القبض على عدد من "العملاء الإسرائيليين".
ورافق هذا الادعاء مقطع فيديو تبلغ مدته (15 ثانية) وقدمته تلك الحسابات على أنه يوثق لحظة تنفيذ العملية، دون تحديد الموقع الدقيق للحدث أو تقديم تفاصيل إضافية.
واكتسب هذا الادعاء زخما كبيرا بالنظر إلى توقيت تداوله، إذ يأتي في ظل مخاوف إسرائيلية متصاعدة من التحولات الجارية بالمنطقة وفي مقدمتها تنامي الدور التركي داخل سوريا واتساع شبكة علاقات أنقرة الإقليمية، بالتزامن مع تحذيرات إسرائيلية لتركيا من إنشاء أي قاعدة عسكرية هناك.
ويظهر المقطع المصور تحليقا منخفضا لمروحية نقل عسكري ثقيل فوق منطقة سكنية، وعلى بعد أمتار من طريق عام.
ويوثق المقطع المروحية تفتح بابها الخلفي لتتدلى منه حبال إنزال تكتيكي سريع، وينزل منها أفراد يرتدون زيا عسكريا بشكل متتابع، بينما تحلق في الخلفية مروحية عسكرية ثانية أصغر حجما، دون أن يحمل الفيديو أي إشارة مرئية تؤكد جنسية القوات أو طبيعة عملها.
تتبعت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة مسار انتشار المقطع، وتوصلت إلى أن أول حساب نشره ( مؤرشف) على منصة "إكس" يحمل اسم "Asif Ali"، بتاريخ 5 سبتمبر/أيلول 2026، وحصد المنشور أكثر من مليون مشاهدة.
ويُعرف هذا الحساب بأنه من أنشط الحسابات التي تروج للسردية الإيرانية على المنصة، إذ دأب منذ اندلاع الحرب على نشر مقاطع مضللة ومقتطعة من سياقها الأصلي بما يخدم هذه الرواية.
انتقل المقطع بالسردية ذاتها إلى عشرات الحسابات على "فيسبوك" و"إكس" واعتبره البعض "رسالة قوية من أنقرة إلى إسرئيل" في ظل تصاعد التوتر بين الجانبين.
وذهبت حسابات أخرى إلى الزعم بأن العملية تزامنت مع احتجاز تركيا 33 شخصا يشتبه في انتمائهم لجهاز الموساد داخل حدودها، فيما ادعت منشورات أن أنقرة بدأت تطهر عدة مناطق في سوريا من العملاء وأن ما جرى ليس سوى "مرحلة أولى من عمليات واسعة النطاق".
وتبيّن لوحدة المصادر المفتوحة أن المقطع مضلل، وأن الرواية المرافقة له مفبركة بالكامل، استنادا إلى تحليل بصري دقيق لعناصر المشهد قادها إلى تحديد موقع التصوير الحقيقي وتوقيت الواقعة الفعلي.
وعند تدقيق شكل المروحية الظاهرة في المقطع، تبين أنها تشبه إلى حد كبير مروحيات النقل الثقيل من طراز "شينوك" (Chinook) التي تستخدم عادة في نقل الأفراد والعتاد وعمليات البحث والإنقاذ وإخلاء الجرحى والعمليات الخاصة والإغاثة في حالات الكوارث.
وبمطابقة هيكلها الخارجي مع صور أرشيفية للمروحية تأكد أنها من طراز (CH-47 Chinook) الذي تصنعه شركة "بوينغ" الأمريكية.
وبتفقد الموقع الرسمي للشركة، تبيّن أن المروحية يملكها الجيش الأمريكي و20 مشغلا دوليا حول العالم، من بينها تركيا. وهو ما فتح المجال أمام احتمال أن يكون المقطع يعود بالفعل لجنود أتراك.
ودفع هذا الاحتمال إلى تدقيق تفاصيل إضافية في المشهد: علامات الشارع، وتخطيط الطريق، شكل الأشجار والمعالم المحيطة.
وقد رصد في مقدمة المقطع عمود يحمل لوحة إرشادية مرورية كبيرة، وتحتها لوحة لموقف حافلات بالأزرق والأصفر، إلى جانب مسار مخصص للدراجات الهوائية بمحاذاة الرصيف، وأشجار كثيفة في الشريط الفاصل، في إضاءة توحي بأن المقطع التقط في وقت الفجر أو الغروب.
وبناء على هذه المعطيات، استبعدت دول مشغلة للمروحية، مثل تركيا ومصر والسعودية والإمارات وقطر، لعدم توافق تخطيط شوارعها وطبيعة طقسها مع المشهد.
كما استبعدت الولايات المتحدة وكندا والأرجنتين لاختلاف تصميم لافتات الطرق وممرات الدراجات فيها عن نظيرتها في المقطع، لتبقى في دائرة الاحتمال كل من المملكة المتحدة وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وهولندا واليونان.
وبالبحث بعبارة "لوحة موقف حافلات" "Bus Stop Sign" عبر محرك "غوغل" مع تقييد النتائج بكل واحدة من هذه الدول على حدة، ظهرت نتائج مطابقة تماما -من حيث الشكل واللون- للوحة موقف الحافلات الظاهرة في المقطع ولكنها في هولندا.
ولتعزيز هذه النتيجة، استعانت الوحدة بموقع " Plonk It" الذي يضم قاعدة بيانات مصنّفة حسب الدولة ويتيح تفكيكا بصريا لبنيتها التحتية، وعلامات طرقها وطراز مركباتها وطابعها المعماري وتضاريسها.
وأظهر البحث باسم "هولندا" داخل الموقع عن نتائج تعزز فرضية موقع التصوير، إذ تُحاط أغلب طرقها بمسارات مخصصة للدراجات معبّدة بلون مائل إلى الأحمر. كما تعتمد أرصفة المشاة في معظم المدن الهولندية نمطا معماريا موحدا من بلاط رمادي مربع الشكل مرصوف بنمط تشبيكي متداخل، وقد تطابقت هذه العناصر مجتمعة مع ما يظهر في المقطع المتداول.
وقادنا البحث العكسي عن المقطع، مدعوما بكلمات مفتاحية ضمن نطاق هولندا جغرافيا، إلى تقارير إعلامية محلية توثق مناورات عسكرية مكثفة بالطائرات المروحية في روتردام بتاريخ 27 أغسطس/آب 2026، أي قبل تاريخ نشر المقطع المتداول.
ونشرت مؤسسة "راينموند" (Rijnmond) الإعلامية الهولندية تقارير مفصلة تكشف خلفية المشاهد المتداولة، مؤكدة أنها تعود إلى إنزال عسكري نفذته مروحية ثقيلة من طراز "شينوك" (CH-47) في قلب منطقة سكنية بمدينة روتردام، ونلاحظ أن صور المؤسسة تتطابق تماما مع عناصر بصرية في المشهد المتداول.
ووفق هذه التقارير، استيقظ سكان حي "إيسلموند" وأحياء جنوب روتردام ساعات الفجر الأولى على أصوات تحليق منخفض جدا واهتزازات قوية، ناجمة عن تدريب عسكري نفذته القوات الجوية الملكية بالتعاون مع وحدات القوات الخاصة.
وشارك في العملية تشكيل مكوّن من 8 مروحيات من طرز "شينوك" و"كوجار" و"أباتشي" وتركزت عمليات الإنزال التكتيكي بالحبال خلالها فوق سطح مبنى دار رعاية سابقة تحمل اسم "أنطونيوس" (Antonius).
كما حددنا الموقع الجغرافي للتدريب بدقة عبر مراجعة "خرائط غوغل" وخدمة "التجول الافتراضي" للمشاهد الأرشيفية، إذ تطابق الموقع مع الشارع الظاهر في المقطع بكل تفاصيله، وتبين أن التصوير كان في شارع "أدريان فولكرلان" (Adriaan Volkerlaan) جنوب مدينة روتردام الهولندية.
وبتعميق البحث، عثرت وحدة المصادر المفتوحة على المصدر الأصلي للقطات، إذ وجدت منشورة بمدة زمنية أطول وجودة أعلى على حساب المصور "شورد دوخد" (Sjoerd Deugd) المتخصص في التصوير الدفاعي.
كما نشر المصور على إنستغرام مقاطع فيديو إضافية لنفس الحدث من زوايا تصوير مختلفة، بما يؤكد بشكل قاطع الرواية الحقيقية للمشهد، كما تبين أن الحساب الإيراني تعمد حذف أجزاء من المقطع بحيث يخفي تفاصيل إضافية قد تقود للموقع الحقيقي.
ويتضح مما سبق أن المقطع المتداول لا علاقة له إطلاقا بأي عملية عسكرية تركية داخل سوريا، بل يوثق تدريبا عسكريا روتينيا نفذته القوات المسلحة الهولندية في مدينة روتردام، وجرى تحريفه عمدا وإلصاقه بسردية مغايرة تماما لسياقه الأصلي زمانيا ومكانيا ومن حيث الأطراف الفاعلة فيه.
وتشير المعطيات المتعلقة بمصدر الادعاء ونمط انتشاره إلى أن حسابات مرتبطة بإيران كانت الجهة الأساسية التي أطلقت هذا الادعاء وروجت له على نطاق واسع، في محاولة لتوظيف أجواء التوتر الإقليمي الراهن بين أنقرة وإسرائيل لترسيخ انطباع بوجود "إنزال تركي" يستهدف عملاء للموساد داخل سوريا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة