في استراحة شعبية مقابل محكمة خان يونس الشرعية جنوبي قطاع غزة، وتحديدا بين طاولات يرتادها شاربو القهوة، تتخذ المحامية زينب عياد من طاولة صغيرة مكانا مؤقتا لاستقبال موكليها، بعد أن سوت الحرب مكتبها السابق بالأرض.
تستذكر زينب بمرارة ما آلت إليه أحوال المهنة قائلة للجزيرة: "كانت لدينا مكاتب محترمة تليق بنا وبجمهورنا قبل الحرب، أما اليوم، وتحت وطأة هذا الواقع المرير، غدونا نبحث عن مقهى نلتقي فيه بالناس".
وتشير المحامية المتخصصة في القضايا الشرعية إلى أن هذا البديل القسري جرّد الموكلين من أبسط حقوق الخصوصية؛ مبيّنة: "حين يقتضي الأمر مناقشة مسائل شخصية وحساسة للغاية، نجد أنفسنا عاجزين عن ذلك في مكان يفتقر تماماً للهدوء والسكينة".
ورغم إقرارها بأن المكان "غير صالح بالمرة ليكون مكتب محاماة"، فإنها تواسي نفسها بضرورة التعايش والاستمرار، دون أن تخفي شعورها بالقهر وفقدان القيمة المهنية جراء ممارسة عملها في مقهى بدلا من مكتبها الخاص.
على رصيف ليس ببعيد، لا تقل معاناة زميلها المحامي الشرعي والنظامي، فضل عطا الله، وطأة؛ فرغم خبرته التي تتجاوز ثلاثة عقود، اضطر إلى اقتطاع حيز ضيق من الشارع لإقامة خيمة متواضعة لا تتعدى مساحتها مترين طولا وعرضا، في محاولة منه لابتكار مساحة خاصة تحفظ أسرار موكليه.
ويبرر عطا الله للجزيرة هذا المآل بالإشارة إلى أن الحرب أتت على بين 90% و95% من مكاتب المحامين في القطاع.
ويصف عطا الله هذا الواقع بأسف قائلا: "ببالغ الخجل والحرج، نستقبل المواطنين في هذه الخيمة لنستمع إلى شكواهم ونتوكل عنهم في قضاياهم".
ومع ذلك، لا تقتصر معركة المحامين في غزة على غياب المقرات؛ إذ يشير المحامي الشرعي إلى أنه يواصل العمل على القضايا النظامية والشرعية مستفيدا من إعادة فتح المحكمة النظامية الوحيدة المتبقية في القطاع أبوابها في مدينة دير البلح (وسط القطاع) مطلع العام الجاري.
لكن هذه الخطوة تصطدم بعقبة أشد تعطل جوهر العمل القضائي، وتتمثل في غياب القوة التنفيذية القادرة على تطبيق الأحكام الصادرة، نتيجة استهداف القصف الإسرائيلي المتواصل لعناصر الشرطة القضائية المتخصصة في التنفيذ.
ويختم عطا الله واصفا هذا الشلل القضائي بالقول: "حتى اللحظة، لم يتمكن أي محام من تسييل حكم قضائي أو تطبيقه على أرض الواقع لغياب السلطة التنفيذية"، لافتا إلى معضلة موازية تتمثل في التدمير الكامل للبنية التحتية المساندة للقضاء، كالمراكز الشرطية ومقار الاحتجاز والتوقيف التي سحقتها الحرب.
المصدر:
الجزيرة