آخر الأخبار

هل يتحول التنافس التركي-الإسرائيلي في سوريا إلى مواجهة عسكرية؟

شارك
مصدر الصورة
Published
مدة القراءة: 9 دقائق

هل تشهد سوريا مواجهة عسكرية بين تركيا وإسرائيل؟ هذا التساؤل طرحه بعضهم في أعقاب الغارة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور في محافظة إدلب السورية في 18 أغسطس/آب المنقضي.

الغارة سلطت الضوء على تصاعد حدة التوتر بين البلدين، وبررت إسرائيل تنفيذها باحتمال نشر قوات عسكرية تركية في المطار، وهو ما كان سيشكل اختراقاً للترتيبات الأمنية المتفق عليها مع سوريا، حسب قولها، في حين أكدت دمشق عدم وجود أي نية لإنشاء قاعدة عسكرية تركية في المطار.

الغارة تطرح أيضاً تساؤلات عن خيارات سوريا التي تجد نفسها عالقة بين قوتين تتنافسان على النفوذ الإقليمي، وما إذا كان بإمكان واشنطن أن تتدخل لمنع تحول التوترات إلى صراع قد يؤدي إلى زعزعة استقرار سوريا وربما المنطقة بأسرها.

أهمية سوريا

في مايو/أيار الماضي، وصفت مجموعة الأزمات الدولية سوريا بأنها أصبحت "خط صدع" تتزايد فيه الاحتكاكات بين تركيا وإسرائيل.

دعمت تركيا جماعات سورية مسلحة معارضة لنظام بشار الأسد وتوغلت في مناطق في شمال سوريا بدعوى حماية أمنها الحدودي ومحاربة وحدات كردية وصفتها بالإرهابية. ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024، أصبحت تركيا من أبرز الداعمين للسلطات السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، في حين شنت إسرائيل العديد من الغارات الجوية على مناطق متفرقة في سوريا، ودمرت صواريخ وطائرات وسفناً تابعة للجيش السوري، كما سيطرت على مناطق في جنوب سوريا، من بينها المنطقة العازلة منزوعة السلاح بين البلدين.

في يونيو/حزيران الماضي، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن أمن بلاده لا يبدأ من ولاية هاتاي جنوبي تركيا، بل من حلب ودمشق وبيروت. ومنذ سقوط نظام الأسد، زودت تركيا الحكومة السورية بالدعم اللوجستي والعسكري وسعت إلى مساعدتها في إعادة بناء مؤسسات الدولة التي دُمرت خلال حرب أهلية استمرت نحو 14 عاماً وأسفرت عن سقوط مئات الآلاف من القتلى.

بالنسبة لأنقرة، وجود حكومة مستقرة تربطها بها علاقات قوية في سوريا يخدم مصالحها الاستراتيجية في الوقت الحالي، بما في ذلك مساعدتها على معالجة المسألة الكردية، وتوفير ظروف مواتية لعودة اللاجئين السوريين، فضلاً عن اكتساب عمق استراتيجي جديد لنفوذها الإقليمي وملء الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات الإيرانية والروسية.

تقول أصله أيدينتاشباش، وهي محللة سياسية تركية وزميلة مؤسسة بروكينغز البحثية غير الربحية التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، لبي بي سي عربي: "في البداية، كان دافع تركيا الرئيسي منع قيام كيان كردي يتمتع بالحكم الذاتي على حدودها الجنوبية، لكن اليوم، هدفها الرئيسي هو المساعدة في ترسيخ وحدة سوريا تحت مظلة حكومة مركزية في دمشق.. كما تسعى إلى الحفاظ على منطقة عازلة لتسهيل عودة ملايين اللاجئين السوريين الذين تستضيفهم حالياً. تهدف تركيا إلى أن يكون لها نفوذ في المعادلة السورية الأوسع، ودور في تحديد مستقبل الدولة السورية، بما يحول دون هيمنة إيرانية أو روسية شاملة أو تعرضها لاعتداء إسرائيلي".

مصدر الصورة

أما إسرائيل فلها أولويات مختلفة، إذ حرصت على مدى سنوات طويلة على الاحتفاظ بحرية العمل في المجال الجوي السوري، ومنع وجود أي قدرات عسكرية معادية بالقرب من حدودها.

وتنظر إسرائيل إلى أي وجود عسكري تركي في سوريا بوصفه تهديداً محتملاً لأمنها وحريتها في التحرك في المجال الجوي السوري، وهو ما تقول الدكتورة كارمت فالينسي، الباحثة الأولى في دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، أنه يشكل أهمية كبيرة في الوقت الراهن، نظراً لـ "شكوك إسرائيل وعدم ثقتها في طبيعة النظام [السوري] ونواياه بسبب أصوله الجهادية، ووجود عدد من الأطراف المعادية والميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون – من حماس إلى حزب الله إلى منظمات جهادية دولية، وأنشطة تركيا وسعيها إلى زيادة نفوذها في البلاد، نظراً لعلاقاتها الوثيقة بالقيادة السورية من جهة، والعداء الذي أبدته تجاه إسرائيل منذ الحرب على غزة من جهة أخرى".

وتضيف فالينسي أن إسرائيل، على خلفية الحرب مع إيران، ترغب في الاحتفاظ بوضع تظل فيه الأجواء السورية مفتوحة أمام أنشطة القوات الجوية الإسرائيلية، وتخشى من أن أنظمة الدفاع الجوي التركية من الممكن أن تعرقل ذلك.

تدهور العلاقات وتعارض المصالح

العلاقات بين تركيا وإسرائيل لم تكن دائماً متوترة. فقد كانت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل وتقيم علاقات دبلوماسية معها في منتصف القرن الماضي، وكانت هناك علاقات تجارية بين البلدين توسعت بشكل كبير خلال التسعينيات.

شهدت العلاقات السياسية بين البلدين توترات عديدة في العقد الأول من القرن الحالي، ثم تدهورت بشكل كبير في أعقاب حرب غزة التي اندلعت بعد الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

اتهمت تركيا إسرائيل بارتكاب "إبادة جماعية" في غزة، وهو ما رفضته الأخيرة. وأعلنت تركيا قطع العلاقات التجارية مع إسرائيل في مايو/أيار 2024، مشيرة إلى "تفاقم المأساة الإنسانية" في الأراضي الفلسطينية.

في يونيو/حزيران الماضي، اعترفت الحكومة الإسرائيلية رسمياً بعمليات القتل الجماعي التي تعرض لها الأرمن خلال حكم الدولة العثمانية بوصفها "إبادة جماعية". وبعد بضعة أيام من غارة أبو الظهور، أعلنت تركيا أنها تعتزم استصدار مذكرة توقيف دولية من الإنتربول بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في إطار دعوى جنائية محلية تتعلق بالهجوم على نشطاء "أسطول الصمود العالمي" الذي كان يحمل مساعدات إنسانية لغزة.

كما برز مؤخراً تعارض مصالح البلدين في منطقة شرق المتوسط. فقد أبرمت إسرائيل اتفاقيات تعاون في مجالات الدفاع والطاقة والأمن مع كل من اليونان وقبرص، وهو ما تعترض عليه تركيا، التي تشعر بالقلق على وجه الخصوص إزاء حصول قبرص على أسلحة إسرائيلية متقدمة، وترى أنه قد يؤدي إلى زعزعة استقرار الجزيرة المقسمة. كما عارضت تركيا مشروع ممر اقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) لأنه تفادى المرور عبر أراضيها.

كما أضاف تعارض المصالح التركية والإسرائيلية في سوريا بعداً استراتيجياً جديداً للتوترات بين البلدين.

مصدر الصورة

هل تتحول المنافسة إلى مواجهة مباشرة؟

لا شك أن تركيا وإسرائيل أصبحتا تجاهران بالحديث عن مصالحهما المتنافسة، كما تزايدت الخطابات العدائية من الجانبين في الفترة الأخيرة.

على سبيل المثال، في فبراير/شباط الماضي وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت تركيا بأنها "إيران الجديدة". وقال بينيت، الذي يأمل في العودة إلى المنصب بعد الانتخابات المزمع إجراؤها الشهر المقبل، إن تركيا تحاول "تطويق" إسرائيل و"قلب السعودية ضدنا وإقامة محور سني مع دولة باكستان النووية". في الشهر ذاته، صرح إردوغان بأن الغارات الإسرائيلية في سوريا ولبنان "بلغت حداً بات يهدد أمن تركيا أيضاً".

لكن تصاعد لهجة الخطاب بين الطرفين لا يعني بالضرورة أن البلدين على شفا حرب موسعة، إذ إن كلاهما لديه حوافز قوية لتفادي مواجهة مباشرة، على الأقل في الوقت الراهن. فمثل هذا الصراع سيؤدي إلى زعزعة استقرار الدولة السورية التي تحاول أنقرة دعمها للأسباب المشار إليها آنفاً، وتعريض طموحها في زيادة رقعة نفوذها الإقليمي للخطر. كما أنه لن يكون من السهل على إسرائيل الدخول في مواجهة مع تركيا التي تتمتع بعضوية الناتو وبعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة، فضلاً عن امتلاكها جيشاً قوياً وأسلحة متطورة – لا سيما وأن الصراع مع إيران لم يحسم بعد.

في أعقاب الهجوم على مطار أبو الظهور، سعت أنقرة إلى التقليل من احتمالات التصعيد، إذ اعتبرته حيلة انتخابية من جانب نتنياهو. في المقابل، قدمت إسرائيل العملية بوصفها تحذيراً وعملاً يهدف إلى منع انتشار عسكري تركي محتمل من أن "يتحول إلى شيء أكبر بكثير"، في إطار ما بات يوصف بنهج المنع أو الوأد لأي تهديدات مستقبلية.

تقول الدكتورة فالينسي إن إسرائيل باتت تتبع هذا النهج منذ أحداث السابع من أكتوبر: "الدرس الرئيسي من السابع من أكتوبر هو أنك لا ينبغي أن تنتظر حتى يصبح التهديد جاهزاً تماماً للعمل قبل التحرك ضده. لذا صرنا نرى نهجاً أكثر استباقية – محاولة تحديد القدرات والبنيات التحتية العسكرية الناشئة وإحباطها قبل أن تشكل تهديداً مباشراً على إسرائيل".

وتستبعد أيدينتاشباش اندلاع صراع عسكري شامل لأن الدولتين "تتصرفان من منطلقات عقلانية"، وتضيف أن "الخطر الأكبر هو التصعيد غير المتعمد. قد يكون ذلك، على سبيل المثال، ضربة إسرائيلية تصيب عن طريق الخطأ أفراداً من الجيش التركي أو وكلاء لتركيا في منطقة متنازع عليها، أو منظومة دفاع تركية تتعقب طائرة إسرائيلية أو تشتبك معها. مثل هذه الأحداث قد تضع قيادات البلدين في موقف حرج، بحيث تدفعها الضغوط السياسية الداخلية إلى الرد".

وتقول الدكتورة فالينسي إن "المقارنة السائدة حالياً في الخطاب الإسرائيلي بين تركيا وإيران لا تعكس الواقع الاستراتيجي. فعلى الرغم من خطاب أنقرة المتشدد، تركيا – على النقيض من إيران – عضو في حلف الناتو، وحليف مهم للولايات المتحدة، وتحتفظ بعلاقات دبلوماسية نشطة وقنوات تنسيق مع إسرائيل. وفيما يتعلق بإمكانية حدوث مواجهة بين تركيا وإسرائيل، هناك دائماً خطر لتصعيد غير متعمد، نظراً للتوترات القائمة بالفعل. لكني أعتقد أن البلدين لديهما حوافز أقوى لتفادي المواجهة العسكرية ومعالجة خلافاتهما عبر القنوات الدبلوماسية".

فهل من الممكن أن تتقبل أنقرة الخطوط الحمراء الإسرائيلية في سوريا بدون تقويض طموحاتها الأوسع هناك؟

تقول أيدنتاشباش إن " أنقرة أبدت بالفعل قدراً كبيراً من المرونة بقبولها بالاحتلال الإسرائيلي الفعلي في الجنوب، وإعطاء الضوء الأخضر للحوار الأمني الإسرائيلي-السوري. كما أنها لم تزد عدد قواعدها داخل سوريا. لكن يبدو أن إسرائيل تريد ألا يكون هناك أي وجود عسكري تركي في سوريا، وهذا على الأرجح لن يحدث".

ربما كان الخطر الحالي هو أن تؤدي سياسة مصممة لمنع التهديدات المستقبلية إلى مواجهات في الحاضر. تقول فالينسي إن التحدي هو "الحفاظ على التوازن الصحيح بين منع التهديدات من التطور، وتجنب الإجراءات التي تؤدي إلى التصعيد ذاته الذي تحاول إسرائيل منعه".

مصدر الصورة

الخيارات السورية والدور الأمريكي

يقول الدكتور ماهر التمران، الباحث السياسي السوري في مركز جسور للدراسات، لبي بي سي نيوز عربي، إن "التعاون مع تركيا مهم بالنسبة لدمشق في هذه المرحلة، خصوصاً في الملفات العسكرية والأمنية وإعادة بناء الدولة، ومن الصعب أن تتخلى عنه تحت الضغط الإسرائيلي. لكن في المقابل، تدرك دمشق أن تحويل هذا التعاون إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل سيضعها في معركة ليست مستعدة لها. لذلك أعتقد أن الخيار السوري سيكون محاولة السير على حافة دقيقة: الحفاظ على الشراكة مع تركيا، وفتح باب التفاوض مع إسرائيل، ورفض أن يمنح أي طرف لنفسه حق الفيتو على القرار السوري".

يضيف التمران أن " اختبار دمشق الحقيقي هو قدرتها على وضع قواعد واضحة: لا استخدام للأرض السورية كساحة لتصفية الحسابات، ولا قبول بأن تصبح سوريا مجرد منطقة عازلة بين مشاريع الآخرين".

وقد ذكر موقع أكسيوس الأمريكي أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني اجتمع بمدير جهاز الاستخبارات الإسرائيلية "الموساد"، رومان غوفمان، يوم الأحد 23 أغسطس/آب (بعد خمسة أيام من هجوم أبو الظهور)، في محاولة لتخفيف حدة التوتر بين البلدين، وذلك وفق من وصفهم أكسيوس بـ"ثلاثة مصادر مطلعة على الأمر".

من الوسائل التي من الممكن أن تعطي دمشق هامشاً للمناورة، اتباع نهج "التحوط"، أي تنويع علاقاتها وشراكتها مع قوى إقليمية أخرى. وقد اتخذت بالفعل خطوات في هذا الشأن، حيث بدأت في إقامة روابط دبلوماسية وتجارية مع بلدان عربية وأوروبية، فضلاً عن باكستان وروسيا. كما أن الانخراط مع واشنطن يشكل جزءاً مهماً آخر من المعادلة. فبإمكان سوريا أن تستخدم علاقتها الجيدة مع الولايات المتحدة لمساعدتها في جهود إعادة الإعمار وإعادة بناء مؤسسات الدولة. وقد تحققت بالفعل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، مع قرار واشنطن قبل أيام رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب.

لكن هل تستطيع واشنطن أن تلعب دوراً للمساعدة في خفض التصعيد بين تركيا وإسرائيل؟ هل تستطيع الموازنة بين مصالح كل من تركيا وإسرائيل وسوريا؟

يقول البروفيسور جوشوا لانديس، المدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكلاهوما الأمريكية لبي بي سي عربي إن "دمشق تطلعت إلى واشنطن لكبح جماح إسرائيل، لكن ليس من المرجح أن تفعل واشنطن الكثير من أجل سوريا...الولايات المتحدة وإسرائيل كلتاهما على أعتاب انتخابات، والرئيس ترامب مهتم بتلبية احتياجات إسرائيل أكثر بكثير من اهتمامه بتلبية احتياجات سوريا".

لكن ذلك لا يعني أن واشنطن غير قادرة على لعب دور كبير من أجل منع تفجر صراع إسرائيلي-تركي في سوريا. وقد تحدث السفير الأمريكي في تركيا توم باراك في أعقاب غارة أبو الظهور، التي وصفها بأنها "تصعيد غير ضروري"، عن أن الولايات المتحدة تعكف بالفعل على إنشاء آلية تهدف إلى منع وقوع صدام بين إسرائيل وتركيا وسوريا.

تقول الدكتورة فالينسي إن "الأزمة الحالية أظهرت أهمية أن تمنع واشنطن أي تصعيد غير ضروري – سواء كان من شأنه زعزعة استقرار سوريا أو من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من التدهور في العلاقات بين إسرائيل وتركيا".

لدى كل من إسرائيل وتركيا دوافع قوية لتفادي الدخول في صراع مباشر، لكن ذلك لا ينفي احتمال حدوث احتكاكات بينهما، لا سيما في سوريا. والمفارقة هي أن الدولة التي تسعى إلى استعادة سيادتها قد تتحول إلى ساحة تختبر فيها قوتان إقليميتان نفوذهما بينما تسعى كل منهما إلى لعب دور أكبر في نظام إقليمي لا زالت ملامحه تتشكل.

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا