كانت راحلة بيبي تلعب في الخارج مع أشقائها عندما انفجر اللغم. اضطرت الفتاة التي كانت تبلغ من العمر 12 عاما آنذاك إلى بتر يديها بعد الحادث الذي وقع في أغسطس 2020، بينما أصيبت شقيقتها بجرح خطير في ساقها وشقيقها في عينه. أخبرت راحلة قناة DW في عام 2023 أنها بالكاد تستطيع أداء واجباتها المدرسية لكنها ترغب بشدة في مواصلة دراستها.
كل عام تحدث آلاف الحالات المماثلة لحالة هذه العائلة الباكستانية في جميع أنحاء العالم: ففي عام 2025 وفقا لتقييم أولي أجرته المنظمة غير الحكومية "مراقب الألغام الأرضية والذخائر العنقودية" قُتل أو أصيب أكثر من 5000 شخص جراء الألغام أو مخلفات الذخائر ومعظمهم من المدنيين مثل راحلة وإخوتها. في جنوب السودان شكل الأطفال العام الماضي 90 في المائة من إجمالي ضحايا الألغام.
بولندا، زابروست فيلكي 2026 ، جنود من القوات المسلحة الألمانية والجيش البولندي ينصبون حواجز دبابات على الحدود الشرقية لحلف الناتوصورة من: Marcin Obara/PAP/dpa/picture allianceتُصمم الألغام بشكل يصعب إصابة البالغين، والسبب "منطق خبيث" يقضي بأن الجنود الجرحى يستهلكون في الحرب قدرات أكبر من العدو مقارنة بالقتلى. تشكل الألغام خطرا مميتا حتى في أوقات السلم فحتى بعد مرور 30 عاما على حروب البلقان لا تزال تقع بانتظام حوادث تؤدي إلى وقوع قتلى أو جرحى في كرواتيا والبوسنة والهرسك على سبيل المثال.
في التسعينيات كان عدد ضحايا الألغام في العالم يبلغ حوالي 25 آلاف ضحية سنويا مما أدى إلى ضغوط هائلة من الأوساط السياسية الدولية والمجتمع المدني انتهت بالتوصل إلى ما يُعرف باتفاقية أوتاوا. وفي عام 1997 وقع ممثلو 121 دولة في العاصمة الكندية على الإعلان الملزم بموجب القانون الدولي والذي ينص على التخلي عن الألغام المضادة للأفراد في المستقبل. وقد انضمت إلى الاتفاقية منذ ذلك الحين 166 دولة مع غياب بعض الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند حتى اليوم.
والاتفاقية تتآكل: في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا انسحبت خمس دول من حلف الناتو المتاخمة لروسيا من اتفاقية أوتاوا ولن يصبح انسحاب أوكرانيا ساري المفعول قانونيا إلا عند انتهاء حالة الحرب هناك.
"هذه سابقة خطيرة وقد قامت بها الآن دول أوروبية على وجه التحديد"، كما تقول سيمون فيسوتسكي من معهد لايبنيز لأبحاث السلام والصراع في فرانكفورت في حوار مع DW. "قد تجرؤ دول أخرى الأعضاء في اتفاقية أوتاوا والتي تواجه مواقف متطرفة مماثلة في حالات النزاع على اتخاذ الخطوة نفسها. وعندئذٍ سيتعين علينا توقع المزيد من حالات الانسحاب ما سيضعف بطبيعة الحال شرعية الاتفاقية برمتها".
أوكرانيا، خاركيف 2025 ، لافتات تحذيرية أمام حقول الألغام وحواجز الدباباتصورة من: Viacheslav Madiievskyi/Ukrinform/abaca/picture allianceتبرر أوكرانيا عودتها إلى استخدام الألغام المضادة للأفراد بممارسات روسيا التي لم تنضم قط إلى اتفاقية أوتاوا وتقوم هي نفسها بزرع الألغام في الأراضي الأوكرانية: "لا يمكننا أن نبقى مقيدين بشروط في حين أن العدو لا يخضع لأي قيود"، هكذا برر رومان كوستينكو، رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الأوكراني هذه الخطوة في منتصف عام 2025.
في أوقات السلم يصبح الانسحاب ساري المفعول بعد ستة أشهر من الإخطار أما إذا كانت الدولة في حالة حرب فلا يصبح ساري المفعول إلا بعد انتهاء الحرب. ورغم هذا الغموض القانوني فإن كييف، وفقا للمراقبين تستخدم الألغام بالفعل وإن كان ذلك على نطاق أضيق بكثير من روسيا.
وحسب تقدير إدارة الأمم المتحدة لإزالة الألغام كان يُشتبه في أن حوالي 25 في المائة من مساحة البلاد قد زُرعت بالألغام في ذلك الوقت. ولا يقتصر ذلك على الأراضي الخاضعة للسيطرة الأوكرانية فحسب، بل يشمل أيضا المناطق التي تحتلها روسيا في الشرق والجنوب الشرقي. وحسب الإدارة المذكورة آنفا قُتل أو أصيب أكثر من 1,150 مدنيا في أوكرانيا جراء انفجارات الألغام أو بقايا الذخائر خلال السنوات الثلاث ونصف الأولى من الحرب. وقدّرت تكاليف إزالة الألغام بنحو 35 مليار دولار أمريكي (ما يقارب 30 مليار يورو).
دفعت الحرب في أوكرانيا جيران روسيا المباشرين الذين عانوا في الماضي من حرب أو احتلال على يد موسكو إلى التدخل: فقد قررت كل من بولندا والدول البلطيقية الثلاث لاتفيا وليتوانيا وإستونيا بالإضافة إلى فنلندا التي انضمت إلى حلف الناتو بعد غزو روسيا لأوكرانيا الانسحاب من اتفاقية أوتاوا بحلول عام 2025.
وقد صرح رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك مرارا بأن بلاده تسعى في حالة نشوب حرب، أن تكون قادرة على زرع الألغام على الحدود الشرقية بسرعة كبيرة. ولتحقيق ذلك من المقرر أن تقوم شركة "بيلما" الحكومية المتخصصة في صناعة الأسلحة بإنتاج أعداد كبيرة من الألغام المضادة للأفراد. كما أعلنت ليتوانيا عن استئناف الإنتاج. ويشير أفراد الجيش الفنلندي على سبيل المثال، إلى أنهم سيقومون بوضع الألغام "بشكل مسؤول" عند الحاجة، أي بإعداد خرائط دقيقة ومراعاة عملية إزالتها لاحقا. وترى الخبيرة في معهد لايبنيز لأبحاث السلام والصراع في فرانكفورت، فيزوتسكي أن هذا يمثل تقدما مقارنة بالماضي. لكنها تشير أيضا إلى أن الألغام المضادة للأفراد الحديثة غالبا ما تحتوي على أجهزة استشعار جديدة وتقنيات ذكية مما يجعل التعامل معها أكثر تعقيدا. "لهذا السبب أنا انتقادية جدا في هذا الشأن وأقول إن التقنيات الجديدة تنطوي هي الأخرى على مشاكل، مما يزيد بدوره من صعوبة إزالة الألغام . فمن الناحية العملية يتم دائما زرع الألغام في مناطق يستخدمها المدنيون أيضا. وتبقى الألغام في تلك الأراضي مما يؤدي إلى إصابة المدنيين بأعداد غير متناسبة".
زيلونكا، بولندا 2026 ، اختبار أنظمة أسلحة لزرع الألغامصورة من: Aleksander Kalka/NurPhoto/picture allianceوبينما تتواصل عمليات إزالة الألغام المتبقية من النزاعات السابقة في جميع أنحاء العالم، يقول "مرصد الألغام الأرضية والذخائر العنقودية" إنه يتم زرع ألغام جديدة في مناطق شاسعة، كما هو الحال في ميانمار أو في أوكرانيا. يتزامن ذلك مع الإخفاقات الدولية في ضبط التسلح بشكل عام عالميّاً.
ففي السنوات الماضية انتهت صلاحية ثلاث اتفاقيات مهمة بين واشنطن وموسكو أو تم إلغاؤها: معاهدة INF التي حظرت الصواريخ متوسطة المدى بشكل عام واتفاقية New START للحد من الترسانات النووية ومعاهدة Open Skies التي منحت بموجبها كلتا الدولتين بعضهما البعض حق القيام برحلات جوية استطلاعية كإجراءات لبناء الثقة. وبانسحاب روسيا النهائي في عام 2023 انتهت أيضا معاهدة "كسب" التي كانت قد حددت سقفا أقصى لأنظمة الأسلحة الثقيلة في أوروبا.
وتلخص سيمون فيسوتسكي الوضع قائلة: "في الواقع كان التحكم الإنساني في التسلح الذي تشمله اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد المجال الوحيد الذي كان يمكن القول إنه لا يزال فعّالاً. وهذا الأمر لم يعد موجودا في الوقت الحالي".
أعده للعربية: م.أ.م
تحرير: و.ب
المصدر:
DW