آخر الأخبار

لماذا لم يحسم التفوق العسكري الإسرائيلي الحرب؟

شارك

لم تكن حرب إسرائيل وحركة حماس، في هذا التصور، مجرد مواجهة بين طرفين يختلفان جذريًا في الحجم والقدرات، وإنما نموذجًا لاختبار مدى قدرة نظرية صيغت أساسًا لتفسير سلوك الدول الكبرى على تفسير حرب لامتماثلة بين دولة وفاعل من غير الدول. ومن هذه الزاوية، تبحث حفصة فاتح مصطفى أحمد، في رسالة الماجستير التي قدمتها إلى كلية القانون والعلوم السياسية بجامعة كركوك، قسم العلوم السياسية/السياسة الدولية، عام 2026، بعنوان «تطبيقات النظرية الواقعية الهجومية على الحرب اللامتماثلة بين إسرائيل وحركة حماس»، في ما إذا كان منطق تعظيم القوة والهجوم والهيمنة الذي تقوم عليه الواقعية الهجومية يصلح لتفسير استراتيجيات طرفين غير متماثلين، خصوصًا بعد التحول الذي أحدثه هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

تنطلق الدراسة التي صدرت قبل أيام في كتاب عن مركز الجزيرة للدارسات من حقيقة أن طبيعة الحروب تغيرت في القرن الحادي والعشرين؛ فلم تعد المواجهات مقتصرة على جيوش نظامية تابعة لدول، بل برزت الحروب الهجينة والسيبرانية واللامتماثلة، وتداخلت فيها الأبعاد العسكرية بالتكنولوجيا والمعلومات والاتصالات. وفي الوقت نفسه صعدت فواعل من غير الدول وأصبحت قادرة على امتلاك أدوات قوة وتنظيم وقدرات عسكرية هجينة تتيح لها مواجهة أطراف تتفوق عليها عسكريًا وتكنولوجيًا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 البناء القانوني لنقابة الإعلاميين المصرية وإشكالية استمرار المرحلة التأسيسية
* list 2 of 2 "قاع الهامور" وتحولات السخرية بين الظاهرة والأزمة end of list

وفي هذا السياق تضع الباحثة النظرية الواقعية الهجومية، كما صاغها جون ميرشايمر، في قلب التحليل؛ إذ تنطلق النظرية من فوضوية النظام الدولي وغياب الضمانات الأمنية وغموض نيات الخصوم، بما يدفع الفاعلين إلى تعظيم القوة والنظر إلى الهجوم باعتباره أداة عقلانية لضمان البقاء.

وتطرح الدراسة هنا سؤالها المركزي: كيف تفسر النظرية الواقعية الهجومية الاستراتيجيات العسكرية لكل من إسرائيل وحركة حماس، ولاسيما بعد أحداث 7 أكتوبر 2023؟ وتنطلق من فرضية أن حماس لجأت إلى صياغة إستراتيجية هجومية هجينة جسدها هجوم 7 أكتوبر، بينما ردت إسرائيل بإستراتيجية هجومية عنيفة لم تقتصر، وفق صياغة الرسالة، على مواجهة الحركة، وإنما امتدت إلى قطاع غزة بأكمله. واعتمدت الباحثة المنهج الوصفي التحليلي، وقارنت بين الطرفين للكشف عن أنماط السلوك الهجومي على الرغم من الاختلاف الكبير في طبيعتهما وقدراتهما. وتغطي الدراسة زمنيًا المرحلة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى مارس/آذار 2026، مع العودة إلى الجذور التاريخية للعقيدتين العسكريتين لدى الطرفين.

مصدر الصورة غلاف الكتاب الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات (الجزيرة)

من الواقعية التقليدية إلى الهجوم

تستعيد الدراسة تطور الفكر الواقعي من ثيوسيديدس ومكيافيللي وهوبز إلى هانز مورغنثاو وكينيث والتز، وصولًا إلى جون ميرشايمر. والفارق الأساسي الذي تركز عليه بين الواقعية الدفاعية والواقعية الهجومية هو أن الأولى ترى أن الدولة تسعى أساسًا إلى القدر الكافي من القوة الذي يضمن أمنها، بينما ترى الواقعية الهجومية أن عدم اليقين بشأن نيات الآخرين يجعل الاكتفاء بالتوازن مخاطرة، ويدفع الفاعل إلى تعظيم قوته كلما أتيحت له الفرصة.

إعلان

ومن هنا يصبح السعي إلى التفوق النسبي والهيمنة الإقليمية، وفق هذا المنطق، سلوكًا عقلانيًا لا مجرد نزعة توسعية. فغياب سلطة دولية قادرة على توفير الأمن يجعل الدولة تعتمد على نفسها، ويجعل القوة والبقاء مترابطين.

لكن الرسالة تحاول نقل النظرية خطوة أبعد من المجال الذي صيغت فيه؛ فالحرب اللامتماثلة لا تجمع قوتين متقاربتين، وإنما طرفًا أقوى وآخر أضعف، ولا يملك الطرف الأضعف القدرة على خوض الصراع بالأدوات نفسها. ولذلك يعيد إنتاج منطق القوة بأساليب مختلفة: الاستنزاف، والضربة ثم الاختفاء، والتكنولوجيا منخفضة الكلفة، والحرب النفسية والسيبرانية، والتكيف التكتيكي. وترى الدراسة أن هذا التحول لا ينفي مركزية القوة في الواقعية الهجومية، بل يعيد تعريف القوة نفسها، بحيث تشمل أبعادًا مادية ونفسية ومعلوماتية وتنظيمية.

إسرائيل.. الهجوم ليس استجابة لـ7 أكتوبر فقط

تذهب الدراسة إلى أن السلوك الهجومي الإسرائيلي لم يبدأ بعد 7 أكتوبر، وإنما يمثل مكونًا راسخًا في التفكير الأمني والعسكري منذ نشأة إسرائيل. وتربطه بضعف العمق الإستراتيجي وبفكرة نقل الحرب إلى أرض الخصم، وبعقيدة تقوم على المبادأة والضربة الاستباقية والحسم السريع.

وتعيد الباحثة أصل هذه المقاربة إلى مبدأين أساسيين ارتبطا بعقيدة ديفيد بن غوريون: الضربة الاستباقية ونقل ساحة الحرب إلى أرض العدو. وقد تطورت هذه العقيدة إلى أنماط تشمل الحرب الخاطفة، والحسم السريع، ودمج الاستخبارات بالوحدات الخاصة والأنظمة غير المأهولة، والاستهداف المبكر لمصادر التهديد قبل اكتمالها.

وفي ضوء هذا التصور، لا تعتبر الدراسة الهجوم العسكري الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر رد فعل ظرفيًا، وإنما عودة أكثر حدة إلى منطق كان موجودًا أصلًا. فقد كشف الهجوم، وفق الرسالة، حدود الردع والاحتواء، ودفع إسرائيل إلى الانتقال نحو تفكيك قدرات الخصم بصورة استباقية.

وتضع الباحثة انهيار الردع والاحتواء في مقدمة دوافع هذا التحول. فهجوم 7 أكتوبر أظهر، من وجهة نظر الدراسة، أن الإنفاق الكبير على الدفاع والتحصينات والإنذار المبكر لم يمنع حدوث اختراق واسع، وأن العقيدة القائمة على ردع الخصم وإبقائه تحت السيطرة تعرضت لهزة جوهرية.

ومن هنا أصبحت المقاربة الإسرائيلية بعد الهجوم أكثر اعتمادًا على المبادأة العسكرية وتوسيع الضربات ومنع الخصوم من إعادة بناء قدراتهم. وتشير الدراسة إلى انتقال سياسة الاغتيالات من استهداف شخصيات بعينها إلى محاولة ضرب منظومات قيادية أوسع، باعتبار ذلك وسيلة لتفكيك قدرة الخصم على إعادة التنظيم.

مصدر الصورة مسيرة احتجاجية في تل أبيب تُحيي ذكرى مرور ألف يوم على هجمات 7 أكتوبر (غيتي)

من «السيوف الحديدية» إلى الضغط المستمر

تقسم الدراسة الأداء العسكري الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر إلى مراحل. بدأت المرحلة الأولى بما تصفه بـالصدمة والتدمير الشامل مع عملية «السيوف الحديدية»، وتقول إن إسرائيل ركزت على تدمير البنية التحتية، واستهداف القيادات، وفرض استنزاف اقتصادي وعسكري واسع على قطاع غزة.

وتربط الباحثة هذه المرحلة بتوسيع تطبيق «عقيدة الضاحية»، التي تقوم، بحسب عرض الرسالة، على استخدام مكثف للقوة ضد البنية التحتية بهدف إحداث ضغط واسع وإضعاف قدرة حماس على مواصلة القتال. وتشير الدراسة إلى اتساع نطاق الدمار في البنية السكنية والمنشآت المدنية والتعليمية والدينية، ثم انتقال العمليات من شمال القطاع إلى خان يونس ورفح في إطار محاولة تقسيم المجال الجغرافي وعزل مراكز نشاط الحركة وقطع طرق الإمداد والحركة.

إعلان

ثم ترصد الدراسة مرحلة ثانية تركزت فيها العمليات على تصفية القيادات وتوسيع الضغط العسكري والإنساني، وتتناول الاغتيالات التي استهدفت قيادات بارزة في حماس داخل غزة وخارجها، باعتبارها جزءًا من محاولة ضرب البنية القيادية والتنظيمية للحركة.

وتشير بعد ذلك إلى مرحلة ثالثة تلت وقف إطلاق النار منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، وترى أن الهدنة لم تعن انتهاء المقاربة الهجومية الإسرائيلية، بل أعادت تنظيمها في صورة ضغط أمني مستمر، مع بقاء قوات في حالة استعداد وتنفيذ عمليات محدودة واستهداف الأنفاق ومراقبة خطوط التماس لمنع إعادة بناء القدرات.

وتلفت الدراسة إلى أن العمليات لم تبق محصورة في غزة، وإنما اتسعت إلى لبنان وإيران، بما يعكس في نظرها انتقال الصراع إلى نمط متعدد الجبهات.

ومع ذلك، لا تساوي الدراسة بين حجم القوة وحجم النجاح. فهي تعرض جدولًا للإنفاق العسكري الإسرائيلي بين 2023 و2025، وتخلص إلى أن أهدافًا مثل تدمير حماس واستعادة الردع وتحرير الرهائن لم تتحقق في 2023، وأن 2024 شهد تحقيقًا جزئيًا مع فشل الحسم، بينما ظل الإنجاز محدودًا في 2025. ومن ثم تستنتج أن التفوق العسكري، رغم مركزيته، لا يضمن بالضرورة أمنًا مستدامًا أو تحقيقًا كاملًا للأهداف الإستراتيجية.

كيف يحاول الطرف الأضعف تعويض فجوة القوة؟

في الجانب الآخر، تتعامل الدراسة مع تطور إستراتيجية حماس بوصفه عملية تكييف مستمرة مع القيود التي تفرضها الحرب اللامتماثلة. فالحركة، وفق هذا التحليل، لا تستطيع مجاراة إسرائيل في القوة الجوية أو التكنولوجيا أو الموارد، ولذلك تحاول تحويل نقاط ضعفها البنيوية إلى أنماط قتال مختلفة.

وتعود الباحثة إلى الجذور الفكرية والتنظيمية للحركة، ثم تتتبع انتقالها من العمل الشعبي والتنظيمي إلى العمل العسكري المؤسسي، وإنشاء كتائب القسام، وتطور القدرات العسكرية والاستخباراتية، وصولًا إلى مرحلة السيطرة على قطاع غزة وما صاحبها من مأسسة أكبر للعمل الأمني والعسكري.

وتربط الرسالة هذا التطور بما تصفه بـ«البراغماتية الجامدة» لدى حماس؛ أي القدرة على التكيف التكتيكي والسياسي مع المتغيرات من دون التخلي عن المرجعيات الفكرية الأساسية التي تحكم رؤيتها للصراع.

وفي قلب هذا التحليل يأتي هجوم 7 أكتوبر بوصفه ذروة الانتقال من رد فعل محدود إلى إستراتيجية هجومية مركبة تسعى إلى إحداث أثر إستراتيجي أكبر بكثير من حجم الإمكانات التقليدية المتاحة للحركة.

مصدر الصورة تضامن واسع مع الفلسطينيين في الدول الغربية بعد 7 أكتوبر (غيتي)

7 أكتوبر.. المباغتة باعتبارها أداة لتعويض ضعف القوة

ترى الدراسة أن المباغتة في 7 أكتوبر لم تكن مجرد نجاح تكتيكي لحظي، وإنما ثمرة تخطيط استمر أكثر من عامين، واستند إلى ثلاثة عناصر: السرية المطلقة، والتضليل المنهجي، والتخطيط طويل الأمد.

وتشير إلى اعتماد وسائل اتصال معزولة عن الشبكات الرقمية، وتقييد المعرفة الكاملة بالخطة في دائرة ضيقة، مع إبقاء أعداد كبيرة ممن تلقوا التدريب غير مطلعين على توقيت العملية وأهدافها النهائية حتى وقت قريب من التنفيذ. وتربط الدراسة ذلك بمبدأ تجزئة المعرفة لتقليل فرص الاختراق الأمني.

وبالتوازي، ترى الباحثة أن الحركة مارست خداعًا إستراتيجيًا هدف إلى تكريس تصور إسرائيلي بأن غزة تتجه إلى الهدوء وأن حماس لا تسعى إلى مواجهة واسعة، بما أسهم في إرباك تقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

وتحدد الدراسة للهجوم أهدافًا عسكرية ونفسية، من بينها ضرب مراكز القيادة والسيطرة، وتعطيل فرقة غزة، وأسر أكبر عدد ممكن من الرهائن باعتبار ذلك جزءًا من التخطيط وليس نتيجة عرضية للهجوم.

هجوم من البر والجو والبحر

تصف الرسالة هجوم 7 أكتوبر بأنه عملية مركبة متعددة المحاور، بدأت بموجة صاروخية كثيفة كان هدفها إرباك منظومات الدفاع وإشغال القبة الحديدية وخلق ستار يسمح بتنفيذ المراحل التالية.

إعلان

ثم استخدمت الطائرات المسيرة منخفضة الكلفة لاستهداف أبراج المراقبة والكاميرات ووسائل الاتصال، بالتزامن مع عمليات تسلل جوي بواسطة الطائرات الشراعية، أعقبها اقتحام بري عبر عشرات النقاط في السياج الحدودي واستهداف منظم لبنية المراقبة والاتصالات.

كما نفذت قوة بحرية عملية إنزال محدودة، بما جعل الهجوم يجري في أكثر من مجال في وقت واحد، ورفع درجة الإرباك خلال الساعات الأولى. وتعتبر الباحثة هذا النمط تطبيقًا لمنطق الواقعية الهجومية من جهة المبادأة ونقل المعركة إلى عمق الخصم ومحاولة تقويض ردعه، مع تحقيق أثر إستراتيجي يفوق الإمكانات العسكرية التقليدية للحركة.

«المسافة صفر» والأنفاق.. تحييد التفوق التكنولوجي

تولي الرسالة أهمية خاصة لتكتيك «المسافة صفر»، وترى أنه يمثل وسيلة لمحاولة تعطيل جزء من ميزة الخصم في القوة النارية والتكنولوجيا. فإجبار القوات على القتال القريب يقلل من حرية استخدام الطيران والأسلحة الثقيلة، ويحول المواجهة إلى مجال أكثر ملاءمة للطرف الأضعف.

وتربط الدراسة هذا التكتيك باستخدام العبوات والقذائف من مسافات قريبة، وبشبكة الأنفاق التي انتقلت، وفق وصفها، من وسيلة دعم لوجستي إلى مركز ثقل إستراتيجي في البنية العسكرية للحركة. وقد أتاحت الأنفاق الحركة والاختباء والاحتفاظ بالرهائن، وحولت البيئة تحت الأرض إلى ساحة قتال تقلل من بعض مزايا التفوق الجوي والاستخباراتي الإسرائيلي.

وهنا تصل الدراسة إلى أحد استنتاجاتها النظرية المهمة: في الحرب اللامتماثلة لا يختفي منطق القوة، وإنما يحاول الطرف الأضعف إنتاج معادل وظيفي نسبي للتفوق التقليدي عن طريق الابتكار والتكنولوجيا الرخيصة والحرب النفسية والإعلامية والاستنزاف.

طرفان غير متماثلين.. ومنطق هجومي واحد

تخلص الباحثة إلى أن إسرائيل وحماس تختلفان جذريًا في القدرات والموارد وطبيعة الفاعل، لكنهما – وفق إطار الواقعية الهجومية الذي تتبناه الدراسة – تتحركان تحت منطق متشابه: السعي إلى تعظيم القوة باعتباره ضمانة للبقاء.

فإسرائيل، بما تمتلكه من تفوق عسكري، تتمسك بالمبادأة والضرب الاستباقي وتفكيك قدرات الخصم، بينما تحاول حماس، بسبب محدودية مواردها، استخدام الابتكار التكتيكي ونقل المواجهة إلى العمق الإسرائيلي لتقليل فجوة القوة وإعادة تشكيل ميزان الردع.

ومن هنا ترى الدراسة أن 7 أكتوبر هدم جانبًا أساسيًا من نظرية الردع الإسرائيلية، وأثبت – وفق استنتاجها – أن السلوك الهجومي ليس حكرًا على الطرف الأقوى، وإنما يمكن للطرف الأضعف أن يستخدمه لمحاولة إعادة إنتاج توازنات جديدة.

وترى الرسالة كذلك أن الحرب اللامتماثلة لا تعني تراجع مركزية القوة، بل تغير الأدوات المستخدمة للحصول عليها. فالطرف غير الدولتي يعوض جزءًا من ضعفه باستخدام وسائل أقل كلفة وأكثر مرونة، ومنها الطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية والهياكل غير النظامية والحرب النفسية والإعلامية. والهدف يبقى، وفق منطق الدراسة، كسر التوازن القائم ورفع كلفة الصراع على الخصم وتقييد تفوقه.

مصدر الصورة تفاوت القدرات وتشابه المنطق (أرشيفية – الأناضول)

إسرائيل: «الحرب الدائمة».. وحماس: «هجوم الضرورة»

تلخص الباحثة النتيجة التطبيقية في مسارين متقابلين. الأول أن العقيدة الهجومية الإسرائيلية ليست خيارًا مرحليًا، بل مكونًا متجذرًا منذ النشأة، تطور من الحرب الخاطفة إلى الضربات الاستباقية، ثم إلى ما تصفه الدراسة بـ«الحرب الدائمة» بعد 7 أكتوبر.

أما المسار الثاني، فهو أن تبني حماس للهجوم يمثل – وفق الرسالة – إستراتيجية ضرورة فرضها الاختلال البنيوي في ميزان القوة؛ إذ ترى الباحثة أن الدفاع السلبي لا يحمي الحركة من التفكك، ولذلك انتقلت من عمليات محدودة إلى تراكم منهجي للقوة، وصولًا إلى هجوم 7 أكتوبر بهدف محاولة خلق معادلة ردع جديدة ورفع كلفة الصراع على إسرائيل.

وتفسر الدراسة استمرار التصعيد بأن البيئة الإقليمية نفسها تفتقر إلى الثقة والضمانات، وهو ما يجعل كل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره تهديدًا لا يمكن الاطمئنان إليه. إسرائيل ترى الفاعلين غير الدولتيين تهديدًا يستدعي الاستباق، بينما تنظر حماس إلى التهدئة باعتبارها قد لا تمنع محاولة تصفيتها لاحقًا، فتتشكل دائرة متبادلة من التصعيد تعيد إنتاج نفسها.

الخلاصة

الواقعية الهجومية تتجاوز الدولة

تنتهي الرسالة إلى أن أهم ما تكشفه الحرب هو أن الواقعية الهجومية يمكن، من وجهة نظر الباحثة، أن تتجاوز المجال التقليدي الذي صيغت فيه، أي تنافس الدول والقوى الكبرى، لتفسير سلوك الفواعل من غير الدول كذلك.

إعلان

فالفوضى وغياب الضمانات والخوف وعدم معرفة نيات الخصم لا تعمل فقط بين الدول الكبرى؛ بل يمكن أن تواجه أي فاعل يتحرك في بيئة يشعر فيها أن بقاءه معرض للخطر. وفي هذه الحالة يصبح تعظيم القوة، وفق منطق النظرية، استجابة للبقاء وليس مجرد ترف إستراتيجي.

كما تستنتج أن الاستقرار في منطق الواقعية الهجومية يظل مؤقتًا وهشًا، وأن المنافسة وسباقات التسلح والصراعات بالوكالة تستمر لأن الفاعلين يبحثون عن مكاسب نسبية وفرص لتعظيم مواقعهم، وأن الهيمنة الإقليمية نفسها تفسر باعتبارها محاولة لتقليل احتمال ظهور قوة منافسة.

ولا ترى الدراسة تناقضًا بين الحرب اللامتماثلة ومركزية القوة؛ بل تعتبرها نموذجًا لإعادة تعريفها. فحين لا يستطيع الطرف الأضعف مضاهاة الخصم في الدبابات والطائرات والموارد، يبحث عن أدوات أخرى تمكنه من إحداث أثر غير متناسب مع حجم قوته، وهو ما يجعل القوة في الحروب الجديدة مفهومًا أشمل من القوة العسكرية التقليدية.

وتوصي الباحثة، بناء على ذلك، بعدم حصر تطبيق الواقعية الهجومية في الدول، وتطوير نماذج تحليلية تشمل الفاعلين من غير الدول، كما تدعو إلى توسيع البحث في أنماط الحروب اللامتماثلة والتهديدات منخفضة الكلفة. وتمتد توصياتها إلى المجال الأمني العربي والعراقي، فتدعو إلى تعزيز الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة والقدرات السيبرانية والنفسية، وتطوير وسائل مواجهة التكنولوجيا منخفضة الكلفة، إلى جانب بناء دفاعات جوية وصاروخية متعددة الطبقات وقدرات هجومية دقيقة ترفع كلفة الهجوم على الخصم.

وبذلك تصل الرسالة إلى أطروحتها المركزية: الفارق الهائل في القوة بين إسرائيل وحماس لم يمنع الطرفين، بحسب قراءة الباحثة، من الخضوع لمنطق إستراتيجي متشابه؛ فالأقوى يحاول تحويل تفوقه إلى هيمنة وحسم، والأضعف يحاول بالابتكار والمباغتة والاستنزاف تقليص هذا التفوق، وفي الحالتين يبقى الهجوم أداة مرتبطة بالبقاء في بيئة لا يثق فيها أي طرف بضمانات الآخر.

للاطلاع على البحث كاملًا (اضغط هنا)

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا