في خطوة جاءت بعد ما يقارب نصف قرن أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية في 24 أغسطس/آب 2026، إلغاء تصنيف سوريا رسميا دولة راعية للإرهاب. وكان هذا التصنيف ساريا منذ 29 ديسمبر/كانون الأول 1979، وهي فترة شهدت مراحل شديدة الاختلاف في التاريخ السوري، وفي العلاقات السورية-الأمريكية.
وكثيرا ما أدرج هذا القرار ضمن سردية أوسع تتعلق بتخفيف العقوبات والتطبيع. غير أن هذا التأطير يحجب طبيعة التغيير الذي حدث فعليا، وهو تمييز مهم لفهم الآثار المترتبة على القرار.
يعد تصنيف الدول الراعية للإرهاب وسما سياسيا، لكنه في الوقت ذاته وضع قانوني تترتب عليه آثار في مجالات متعددة من القانون الأمريكي.
فهو لا يعمل بوصفه عقوبة واحدة بقدر ما يشكل محفزا قانونيا يفعل قواعد تحكم المساعدات الخارجية، والتجارة الدفاعية (أي تجارة الأسلحة والمعدات والخدمات العسكرية)، وضوابط التصدير، والمعاملات المالية، وتصويت الولايات المتحدة في مؤسسات الإقراض الدولية، والتأشيرات، والدعاوى القضائية المرتبطة بالإرهاب.
ومن ثم، فإن رفع التصنيف لا يقتصر أثره على برنامج واحد محدد، بل يزيل شرطا قانونيا تستند إليه قواعد منفصلة في مجالات متعددة.
إن إزالة الطبقة المرتبطة بوضع الدولة الراعية للإرهاب تقلل الوصمة المرتبطة بالولاية القضائية والاحتكاك الناشئ عن متطلبات الامتثال، لكنها لا تستطيع إلزام المؤسسات الخاصة بإعادة فتح علاقات ترى أنها غير جاذبة من الناحية التجارية أو التنظيمية
وتكتسب هذه التفرقة أهميتها من أن معظم منظومة العقوبات الأمريكية الشاملة المطبقة على سوريا كانت قد فككت بالفعل. ففي 1 يوليو/تموز 2025، أنهى الأمر التنفيذي رقم (14312) حالة الطوارئ الوطنية التي كانت تشكل الأساس لبرنامج العقوبات الرئيسي على سوريا، وألغى الأوامر التنفيذية التي استند إليها ذلك البرنامج.
ثم حذفت "لوائح العقوبات السورية" رسميا من مدونة اللوائح الفدرالية في أغسطس/آب 2025، وألغى الكونغرس قانون قيصر في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه. وبحلول أغسطس/آب 2026، لم تعد الولايات المتحدة تحتفظ ببرنامج عقوبات شامل يديره "مكتب مراقبة الأصول الأجنبية" (OFAC)، ولا بحظر اقتصادي شامل على مستوى الدولة ضد سوريا.
أما ما بقي، وما أزاله قرار أغسطس/آب، فهو طبقة أقدم من الوضع القانوني المرتبط بالإرهاب، كانت لا تزال تفعّل قيودا مستقلة في مواضع أخرى من القانون الفدرالي.
ويتكرر النمط نفسه في مختلف المجالات المتأثرة. فرفع التصنيف يزيل القيود التي كانت قائمة بسبب تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، لكنه لا ينشئ بذاته حقا في الحصول على المساعدات، أو الأسلحة، أو التكنولوجيا، أو التمويل. ولم تعد سوريا ممنوعة من بعض أشكال المساعدات الخارجية الأمريكية؛ استنادا إلى حكم يتعلق بالإرهاب.
غير أن أهليتها تظل خاضعة لقوانين الاعتمادات المالية، ومتطلبات البرامج، والشروط المتعلقة بحقوق الإنسان، وسياسات السلطة التنفيذية. كذلك لم يعد الحظر على تصدير الأسلحة الناشئ عن صفة الدولة الراعية للإرهاب منطبقا، إلا أن لوائح تصدير الأسلحة الحالية لا تزال تدرج سوريا ضمن سياسة تقوم على رفض منح التراخيص.
كما أن إزالة الأساس المرتبط بالإرهاب الذي كان يقوم عليه جزء من نظام الصادرات التجارية لا تلغي متطلبات الترخيص الخاصة بسوريا، التي لا تزال تشمل معظم المواد الخاضعة لضوابط التصدير الأمريكية. والنتيجة هي مزيج من التأخر التنظيمي وقيود مستقلة ما زالت قائمة؛ فإزالة العامل المحفز المرتبط بوضع الدولة الراعية للإرهاب لا تؤدي تلقائيا إلى إلغاء كل قاعدة خاصة بسوريا كانت قد اعتمدت استنادا إلى سلطات قانونية أخرى.
ويتبع البعد المالي النمط نفسه. فالإلغاء ينهي خضوع سوريا للوائح العقوبات المرتبطة بقائمة الإرهاب ولبعض القيود المفروضة على المعاملات المالية. بيد أن الآثار العملية على القطاع المصرفي ينبغي تقييمها في ضوء بيئة قانونية كانت قد تغيرت بالفعل بصورة كبيرة.
فقد أزيلت المؤسسات المالية السورية، بما فيها مصرف سوريا المركزي، من قائمة العقوبات الأمريكية في منتصف عام 2025، وأصبح مسموحا للأشخاص الأمريكيين منذ ذلك الحين، من الناحية القانونية، معالجة المدفوعات، وإجراء المعاملات مع المصارف السورية، وإقامة علاقات مصرفية بالمراسلة (correspondent banking)، شريطة ألا تكون أي جهة مدرجة على قوائم العقوبات طرفا في المعاملة.
غير أن الإذن القانوني الرسمي ليس سوى عنصر واحد من عناصر العمل المصرفي الدولي. فالمؤسسات تقيم الملكية المستفيدة، والتزامات مكافحة غسل الأموال، وضوابط مكافحة تمويل الإرهاب، ومخاطر السمعة، والجدوى التجارية.
كما لا تزال سوريا مدرجة على قائمة "مجموعة العمل المالي" (FATF) للولايات القضائية الخاضعة للمراقبة المتزايدة، مع أن المجموعة أشارت إلى أن العقبة المتبقية تتمثل في تعذر إجراء التحقق الميداني المطلوب، لا في إخفاق حديث في تنفيذ الإصلاحات. ومن جهته، حدد صندوق النقد الدولي تعزيز إطار مكافحة غسل الأموال وإعادة تأهيل القطاع المصرفي بوصفهما من الأولويات اللازمة لإعادة الاندماج.
ومن ثم، فإن إزالة الطبقة المرتبطة بوضع الدولة الراعية للإرهاب تقلل الوصمة المرتبطة بالولاية القضائية والاحتكاك الناشئ عن متطلبات الامتثال، لكنها لا تستطيع إلزام المؤسسات الخاصة بإعادة فتح علاقات ترى أنها غير جاذبة من الناحية التجارية أو التنظيمية.
ويظهر النمط نفسه في الدعاوى المدنية. فالدول الأجنبية تتمتع عادة بالحصانة أمام المحاكم الأمريكية، مع وجود استثناء يتعلق بالإرهاب يتوقف، في جانب منه، على صفة الدولة الراعية للإرهاب. ويؤدي رفع التصنيف إلى تضييق نطاق إتاحة هذا الاستثناء مستقبلا فيما يتعلق بسوريا، لكنه لا يبطل الأحكام النهائية التي سبق صدورها ضد الدولة السورية، ولا ينهي تلقائيا الدعاوى القضائية المعلقة، ولا يحسم المسائل المتعلقة بالحجز على الأصول وتنفيذ الأحكام.
إزالة الأساس المرتبط بالإرهاب الذي كان يقوم عليه جزء من نظام الصادرات التجارية لا تلغي متطلبات الترخيص الخاصة بسوريا، التي لا تزال تشمل معظم المواد الخاضعة لضوابط التصدير الأمريكية
وهناك توضيحان يزيدان من دقة الحجة. يتعلق الأول بالمساءلة. فقرار الإلغاء يعمل وفق معايير قانونية تتصل بالدعم الحالي والمتوقع للإرهاب. وهو ليس آلية لتقصي الحقائق بشأن حقبة الأسد، كما أن المذكرة الرئاسية المصاحبة تؤكد صراحة أن سوريا صنفت أصلا في عام 1979 بسبب دعمها منظمات إرهابية دولية حسب القوانين الأمريكية.
ولا يفصل القرار في المسؤولية عن جرائم الحرب، أو الجرائم ضد الإنسانية، أو التعذيب، أو الاختفاء القسري، أو استخدام الأسلحة الكيميائية، أو المسؤولية الدولية للدولة السورية بموجب المعاهدات أو القانون الدولي العرفي.
فهذه المسائل تنتمي إلى أطر قانونية مختلفة وإلى إجراءات قائمة بالفعل. ومن ثم، فإن وصف الإلغاء بأنه تبرئة للحكومة السابقة أو غفران سلوكها يسيء توصيف ما تم البت فيه فعليا.
أما التوضيح الثاني فيتعلق بالدلالة السياسية. فقد ظل التصنيف قائما خلال جميع المراحل السابقة للعلاقات السورية-الأمريكية، واستمر طوال النزاع في حقبة الأسد.
ويشير رفعه إلى تمييز رسمي من جانب الولايات المتحدة بين الحكومة السورية الحالية، والسلوك الذي أبقى التصنيف السابق قائما. وتربط المبررات التي قدمتها السلطة التنفيذية القرار صراحة بالتطورات التي أعقبت حقبة الأسد، وبالتعاون في مكافحة الإرهاب، وبالتزامات مكتوبة قدمتها السلطات الحالية في دمشق.
ويمنح هذا الارتباط القرار طابعا مشروطا. كما أن التصنيف قابل لإعادة فرضه؛ إذ تنص المذكرة الرئاسية المصاحبة صراحة على إمكان إعادة تصنيف سوريا إذا ظهرت أدلة موثوقة على أن حكومتها تدعم أعمالا من أعمال الإرهاب الدولي. وتبقي هذه الإمكانية قدرا من النفوذ الأمريكي قائما حتى بعد إزالة العبء القانوني المباشر.
وبالنظر إلى هذه العناصر مجتمعة، يمكن استخلاص قراءة أضيق نطاقا وأكثر قابلية للدفاع عنها من الوصفين السائدين في التداول. فقرار أغسطس/آب 2026 لا يستكمل إعادة اندماج سوريا في النظام الاقتصادي والقانوني الدولي.
كما أنه لا يمثل تبرئة بأثر رجعي لحقبة الأسد. بل يزيل واحدا من أكثر القيود المفروضة على مستوى الدولة دواما وتأثيرا قانونيا، وهو قيد استمر في إخضاع سوريا لمعاملة استثنائية حتى بعد رفع العقوبات الشاملة.
وأثره القانوني المباشر حقيقي ومحدد: فقد أزيلت القيود المرتبطة بوضع الدولة الراعية للإرهاب من عدة مجالات متمايزة في القانون الفدرالي. أما دلالته على المدى الأطول فستعتمد على الإصلاح التنظيمي، وثقة القطاع الخاص، ومدى استمرار سوريا في الوفاء بالالتزامات التي استند إليها قرار الإلغاء.
ومن ثم، فإن التطبيع عملية لا حدث واحد، ومن الأفضل فهم قرار أغسطس/آب باعتباره إحدى أهم خطواتها القانونية، لا خاتمتها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة