في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد ازدياد مخاوفهم من المطامع الأمريكية في أراضيهم المستقلة والمعتمدة على ذاتها، يتجه الناخبون في جزيرة آيسلندا شمال المحيط الأطلسي، غدا السبت، للمشاركة في استفتاء وطني، لتقرير ما إذا كانوا سيستأنفون المحادثات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
منبع القلق كان عندما أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رغبته في الحصول على "قطعة من الجليد، باردة وسيئة الموقع"، رغم أنه كان يشير إلى جزيرة غرينلاند.
ولم يكن قلق الآيسلنديين فقط لأن الشيء الذي أراده ترمب كان جارتهم الكبيرة الأقرب، بل لأنه أطلق عليها بشكل متكرر 4 مرات اسم آيسلندا، بحجة الخطأ.
لكن هذا الخطأ، ومع إصرار ترمب على السيطرة على غرينلاند في وقت سابق من هذا العام، قد يساعد في دفع سكان الجزيرة البالغ عددهم 400 ألف نسمة بالتقرب نحو أوروبا.
وفي هذا السياق، توضّح الكاتبة هيلدر كنوتسدوتير أنها تخطط للتصويت لصالح العضوية في الاتحاد الأوروبي، وتقول "لم نعد نثق بالولايات المتحدة بعد الآن"، وأضافت "ترمب لم يكن يمزح بشأن غرينلاند، كان هناك الكثير من الخوف هنا في آيسلندا، لأنه إذا أخذ غرينلاند بالقوة، فنحن ربما سنكون التاليين".
ويدور قرار آيسلندا حول ما إذا كانت ستستمر في الاعتماد على نفسها بنجاح، والحفاظ على السيطرة على مواردها الطبيعية الثمينة مثل مصايد الأسماك المربحة التي تُدار جيدًا، أم ستعزز روابطها مع أوروبا لتوفير حماية أفضل للبلاد من عدم الاستقرار الجيوسياسي، وجني فوائد اقتصادية مثل العملة الأوروبية الموحدة.
تجدر الإشارة إلى أن آيسلندا عضو في " الناتو"، وتشارك بالفعل في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي من خلال المنطقة الاقتصادية الأوروبية، وهي جزء من منطقة شنغن للسفر الحر.
المعارضون للانضمام للاتحاد الأوروبي، يرون أن دولتهم، التي حصلت على استقلالها من الدانمارك عام 1944، تستمتع بجميع إيجابيات التكامل الأوروبي دون أي سلبيات، متسائلين باستنكار عن سبب التوجه إلى التخلي عن ذلك رغم أن الأمور تسير بشكل جيد.
"استقلال آيسلندا هو المورد الأكثر قيمة لدينا" يقول هارالدور أولافسون، وهو أستاذ فيزياء يشغل منصب رئيس مجموعة "هيمسسين"، وهي مجموعة معارضة لعضوية الاتحاد الأوروبي، ويضيف "إمكانية سن قوانينك الخاصة واتخاذ القرارات بشأن كيفية تنفيذ الأمور أمر أساسي".
من ناحية أخرى، يرى مؤيدو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الأمر من خلال عدسة عالم سريع التغير، حيث تشكل التحالفات المتغيرة خطرًا على الأمن. ويعتبرون أن بقاء آيسلندا خارج الاتحاد الأوروبي يجعلها عرضة للخطر، الأمر الذي سيهدد سيادتها.
وتتفق مع هذا الطرح هولدا ثوريسدوتير، أستاذة العلوم السياسية في جامعة آيسلندا، موضحة أن القضية الرئيسية بالنسبة لطرفي النقاش تتمحور حول فكرة سيادة البلاد.
من جهتها، تقول وزيرة الخارجية والدفاع ثورغيردور كاترين غونارسدوتير، التي تدعم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إنها عندما تسأل أشخاصا من دول صغيرة، مثل أيرلندا أو فنلندا أو لوكسمبورغ، عما إذا كانوا يشعرون بأنهم فقدوا سيادتهم في بلادهم، "ينظرون إلي وكأنني امرأة مجنونة، ويقولون إن العضوية جعلتهم أقوى".
سرّع هوس ترمب بضم جزيرة غرينلاند الجدول الزمني للانتخابات، إذ كانت الحكومة تخطط لإجراء التصويت بحلول العام المقبل، لكنها قدمته بعد محاولاته بشأن غرينلاند، وزلات لسانه بخصوص آيسلندا.
بدورها، أكدت وزارة الخارجية الأمريكية للمسؤولين في آيسلندا أن ترمب كان يقصد غرينلاند خلال زلات لسانه المتكررة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، وفقا لما قالته وزيرة الخارجية الآيسلندية غونارسدوتر.
وأوضحت الوزيرة أن التصعيد الكلامي لترمب أظهر أهمية اتحاد مجموعة من الدول الصغيرة والكبيرة ذات التفكير المتشابه مع غرينلاند والدانمارك، وقالت إنه "أمر في غاية الأهمية بالنسبة لنا أن نرى مجموعة من الدول ذات المبادئ والقيم المشتركة تقف معا"، مضيفة "وهذا أيضا ما أنظر إليه عندما أرى الاتحاد الأوروبي في هذا العالم المضطرب".
لكن، مما زاد الطين بلة أن السفير الأمريكي الجديد ويليام لونغ، الذي وصل حديثا إلى ريكيافيك، مزح ذات مرة بأن آيسلندا ستصبح الولاية الأمريكية الـ52، وأنه سيكون حاكمها.
ورغم اعتذاره لاحقا، فإن تصريحه دفع الآلاف من الآيسلنديين إلى التوقيع على عريضة تحث رئيسة الوزراء على رفض تعيينه.
الاختلاف حول انضمام آيسلندا للاتحاد الأوروبي لم يبدأ مؤخرا، فحكومة رئيسة الوزراء كريسترون فروستادوتير ذات التحالف اليساري الوسطي جرى انتخابها في عام 2024 بناء على منصة دعت إلى التصويت على عضوية الاتحاد الأوروبي.
وفي عام 2009، رفض الآيسلنديون قرار التقدم بطلب للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، رغم انهيار القطاع المصرفي المثقل بالديون في البلاد خلال الأزمة المالية العالمية لعام 2008. كما تم تعليق محادثات الانضمام في عام 2013 بعد أن وصلت حكومة يمينية إلى السلطة، وتم إنهاؤها رسميًا في عام 2015.
ويُعد الاستفتاء الخطوة الأولى لبدء إجراءات الانضمام المحتمل إلى الكتلة التي تضم 27 دولة، حيث سيجيب الناخبون بنعم أو لا على سؤال بسيط: هل يجب على آيسلندا استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟
فإذا رفض الناخبون الاقتراح، سيتم وضع القضية جانبا، أما إذا أجابوا بنعم، فستبدأ عملية تفاوض طويلة الأمد مع المفوضية الأوروبية لتقييم 35 مجموعة من المعايير، تتضمن الأنظمة المالية، ومصايد الأسماك، وشبكات النقل، واللوائح الزراعية، والحريات مثل حرية التعبير والدين.
وسيتطلب أي اتفاق الموافقة من جميع الدول الأعضاء الحالية في الاتحاد الأوروبي، وبعد ذلك سيكون للشعب الآيسلندي الكلمة الأخيرة بشأن الانضمام من خلال التصويت.
قد يمثل العاملون في قطاع صيد وإنتاج الأسماك النقطة الفاصلة في مسار التصويت، فأحفاد شعوب "الفايكنغ" الذين استوطنوا الجزيرة عاشوا على خيرات البحر لعدة قرون، ولا يزال الصيد جزءا من الهوية الثقافية للبلاد.
كما تشكل مناطق الصيد الغنية في شمال المحيط الأطلسي نقطة خلاف رئيسية دائما عندما يتعلق الأمر بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فالآيسلنديون الذين خاضوا ما يُسمى بـ"حروب سمك القد" مع بريطانيا في سبعينيات القرن الماضي للسيطرة على مناطق صيدهم، يبدون المخاوف من ضرورة الانضمام إلى السياسة المشتركة لمصايد الأسماك، مما سيسمح لقوارب الصيد الإسبانية والهولندية وغيرها بدخول مياههم.
وبينما يعتبر البعض أن لا جدوى من أي اتفاق مع الاتحاد الأوروبي لا يحمي حقوق الصيد الآيسلندية، تؤكد وزير الخارجية غونارسدوتير ومسؤولون آخرون أن أي اتفاق سيضمن استثناء لهذه الحقوق، وتقول "نحن قوة عظمى عندما يتعلق الأمر بمصايد الأسماك، لن نوقّع على أي اتفاق لا يؤكد سيادتنا والسيطرة الكاملة على مصايدنا".
من جهتها، قالت المديرة التنفيذية لمصايد الأسماك في آيسلندا هايدرن ليند مارتينسدوتير إن منظمة التجارة البحرية لا تعارض الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إذا كان هناك إعفاء دائم من سياسة مصايد الأسماك.
لكنها أضافت أن ذلك سيكون أمرا غير مسبوق، ووضحت "أعتقد أننا بحاجة إلى أن نكون واقعيين للغاية بشأن عملية التفاوض وما يمكن أن نحصل عليه من المفاوضات، بصراحة، أعتقد أننا نطمح عاليا".
كما يشكك آخرون، يعملون في هذه الصناعة، في أن أي حماية لمصايد الأسماك الآيسلندية لن تكون دائمة، خاصة بالنسبة للأنواع التي تهاجر بين مناطق الصيد المفتوحة مثل الرنجة، والماكريل، والكابلين، "سنرى سفن الصيد الأوروبية هنا في آيسلندا" يقول إينار سيغوردسون، رئيس شركة الصيد "إيسفيلا".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة