في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد 6 أشهر من اندلاع حرب إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، وما تبعها من توقف شبه كامل للملاحة في مضيق هرمز واضطراب إنتاج النفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط، تبدو النتيجة مختلفة عن السيناريوهات الأكثر تشاؤما التي طُرحت في الأسابيع الأولى للحرب.
فالعالم لم يدخل في أزمة نقص شامل للطاقة، ولم يستقر خام برنت فوق 120 أو 150 دولارا للبرميل كما كان يخشى البعض، بل تراجعت الأسعار بقوة بعد ذروة الصدمة، قبل أن تعود للتحرك صعودا وهبوطا مع أخبار الملاحة والتفاوض والعمليات العسكرية.
لكنّ هذا الاستقرار النسبي لا يعني أن الأزمة انتهت، بقدر ما يعكس قدرة الأسواق والدول على شراء الوقت باستخدام المخزونات الإستراتيجية، وإعادة توجيه الشحنات، وزيادة الإنتاج خارج الخليج، إلى جانب تراجع الطلب، ولا سيما في الصين.
ويدور خام برنت قرب 90 دولارا للبرميل، بعدما تجاوز 126 دولارا في أواخر أبريل/نيسان الماضي، بينما تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن 8.3 ملايين برميل يوميا من إنتاج الخليج ظلت متوقفة في يوليو/تموز الماضي، وأن المخزونات النفطية العالمية المرصودة فقدت نحو 410 ملايين برميل منذ بداية الحرب، لتنتقل أسواق الطاقة خلال 6 أشهر من تسعير مخاطر انقطاع الإمدادات إلى التكيف مع واقع استمرار نقصها لفترة طويلة.
كان مضيق هرمز قبل الحرب ممرا لنحو 21.6 مليون برميل يوميا من النفط والسوائل البترولية، لكنّ التدفقات هبطت في الربع الثاني من العام إلى 4.9 ملايين برميل يوميا فقط، وفقا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وهو ما يوضح حجم الصدمة التي واجهتها السوق.
ويقول خبير الطاقة ممدوح سلامة للجزيرة نت، إن الأشهر الستة الماضية شهدت "أكبر أزمة نفط في تاريخ النفط في العالم"، بالنظر إلى أهمية هرمز وحجم الإمدادات الخليجية التي تعتمد عليه، لكنه يرى أن الخبرات المتراكمة منذ أزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي ساعدت الدول المستهلكة على التعامل مع الصدمة بصورة أفضل.
فخام برنت الذي كان قرب 72 دولارا قبيل الحرب اندفع فوق 100 دولار سريعا، ثم بلغ 126.41 دولارا في أواخر أبريل/نيسان الماضي، ومع ظهور بوادر تهدئة خلال يونيو/حزيران الماضي هبط مجددا، قبل أن تقفز الأسعار إلى نحو 105 دولارات في 23 يوليو/تموز الماضي مع تجدد الهجمات على الناقلات.
ويُظهر هذا المسار المتقلب تغيرا في طريقة تسعير الأزمة، فلم تعد السوق تتعامل فقط مع احتمال فقدان إمدادات الخليج، بل أصبحت تقيس يوميا قدرة الإمدادات البديلة والمخزونات وانخفاض الطلب على سد الفجوة.
وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن يبلغ متوسط برنت نحو 85 دولارا في الربع الثالث و78 دولارا في الربع الرابع، بافتراض تحسن تدريجي في حركة هرمز واستعادة جانب من الإنتاج، لكنها ترى أن العودة بصورة عامة إلى أنماط الإنتاج والتجارة السابقة للحرب قد لا تتحقق قبل مطلع 2027.
شكلت المخزونات الإستراتيجية خط الدفاع الأول في مواجهة صدمة الإمدادات، إذ وافقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية خلال مارس/آذار الماضي على إتاحة 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة، في أكبر عملية سحب جماعي في تاريخ الوكالة، وصل منها نحو 290 مليون برميل إلى الأسواق بحلول 21 يوليو/تموز الماضي.
ويؤكد سلامة أن السحب من الاحتياطيات الحكومية والتجارية ساعد في الحد من ارتفاع الأسعار وتخفيف انتقال صدمة النفط إلى الاقتصاد العالمي، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن هذه الأداة لا يمكن استخدامها بلا حدود.
ورغم حجم السحب منذ بداية الأزمة، قال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، في 24 أغسطس/آب الجاري، إن الوكالة لا تبحث حاليا تنفيذ عملية سحب ثانية، مشيرا إلى أن نحو 80% من الاحتياطيات الإستراتيجية لا يزال متاحا.
وتمثل خط الدفاع الثاني في إعادة توجيه مسارات تجارة النفط، إذ كثفت السعودية استخدام خط أنابيب الشرق/الغرب لنقل الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بينما استفادت الإمارات من خط أنابيب حبشان/الفجيرة الذي يتيح تصدير جزء من إنتاجها بعيدا عن مضيق هرمز.
وانعكس هذا التحول على حركة التجارة عبر الممرات البديلة، إذ تُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ارتفاع تدفقات النفط عبر باب المندب من 5.4 ملايين برميل يوميا في الربع الأخير من 2025 إلى 8.1 ملايين برميل يوميا في الربع الثاني من العام الحالي.
وفي الوقت نفسه، ساهم نمو الإنتاج من الأميركتين في تعويض جزء من خسائر الشرق الأوسط، إذ تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يضيف المنتجون في الأميركتين نحو 1.4 مليون برميل يوميا إلى الإمدادات خلال العام.
وتقول خبيرة شؤون الطاقة لوري هايتايان خلال حديث مع الجزيرة نت، إن دخول الحرب في وقت كانت فيه سوق النفط تتمتع بفائض في المعروض منح الدول فرصة لاستخدام المخزونات والإمدادات المتاحة، إلى جانب سرعة رفع الإنتاج من خارج الخليج واستخدام السعودية والإمارات المنافذ البديلة.
وجاء العامل الثالث من جانب الطلب، إذ أسهم تراجع الاستهلاك والمشتريات في اقتصادات رئيسية في تخفيف الضغط الناجم عن نقص الإمدادات، وفي مقدمتها الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم.
فقد خفضت بكين مشترياتها بصورة حادة، لتتراجع وارداتها إلى 7.12 ملايين برميل يوميا في يونيو/حزيران الماضي، مقابل متوسط يقترب من 12 مليون برميل يوميا قبل الحرب، فيما تشير بيانات نقلتها رويترز إلى أن وارداتها التراكمية منذ اندلاع الأزمة جاءت أقل بنحو 400 مليون برميل مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
ومع ضعف الطلب العالمي على نطاق أوسع، تتوقع وكالة الطاقة الدولية انكماش استهلاك النفط عالميا بنحو 1.6 مليون برميل يوميا خلال 2026، وهو ما وفر عاملا إضافيا لامتصاص جانب من صدمة نقص الإمدادات وكبح الضغوط على الأسعار.
وتشير هايتايان إلى دور التحول إلى الفحم في بعض الدول وزيادة توليد الكهرباء من المصادر المتجددة في خفض الطلب على النفط والغاز، معتبرة أن الاقتصادات العالمية أصبحت أقل استهلاكا للطاقة مقابل كل وحدة إنتاج مقارنة بعقود سابقة.
في مقابل المرونة التي أظهرتها سوق النفط في تنويع مصادر الإمدادات وإعادة توجيه الشحنات، بدت سوق الغاز الطبيعي المسال أكثر عرضة للاختناقات، نتيجة طبيعة بنيتها التحتية وتعقيد سلاسل الإمداد.
فالنفط يتمتع بمرونة أكبر في التخزين والنقل وتغيير وجهات الشحن، بينما يعتمد الغاز المسال على سلسلة مترابطة من المنشآت المتخصصة، تبدأ بالإنتاج والإسالة، ثم النقل عبر ناقلات مخصصة، وتنتهي بمحطات إعادة التغويز في الدول المستوردة، ما يجعل تعويض أي انقطاع كبير في الإمدادات أكثر صعوبة ويحتاج وقتا أطول.
وتوضح هايتايان أن سوق الغاز دخلت 2026 أصلا بهوامش معروض أقل من النفط، ثم تعرضت منشآت الغاز القطرية لضربة مباشرة، بينما لا تمتلك صادرات الغاز الطبيعي المسال الخليجية المرونة اللوجستية نفسها المتاحة للخام.
وكانت الشحنات المارة عبر هرمز تمثل قبل الحرب قرابة 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، وبين مارس/آذار ويونيو/حزيران الماضيين، انخفضت تحميلات الغاز المسال من قطر والإمارات بنحو 35 مليار متر مكعب على أساس سنوي.
ورغم أن الإنتاج خارج الخليج ارتفع 27 مليار متر مكعب، أو نحو 18%، فإنه لم يكن كافيا لسد الفجوة، لتنخفض إمدادات الغاز المسال العالمية 4% خلال تلك الفترة.
كما ساعد انخفاض الطلب بدوره على منع أزمة أكبر، إذ تراجع استهلاك الصين من الغاز 4% بين مارس ويونيو الماضيين، وانخفضت وارداتها من الغاز المسال 12%، بينما تراجع استهلاك دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أوروبا بنحو 0.5% خلال النصف الأول من العام.
لكن المشكلة لا تقتصر على الأشهر الحالية، إذ تقدر وكالة الطاقة الدولية خسائر إمدادات الغاز المسال التراكمية الناتجة عن الحرب وأضرار البنية التحتية بنحو 140 مليار متر مكعب خلال الفترة 2026-2030، بما يؤخر تأثير موجة مشروعات الغاز الجديدة التي كان ينتظر أن توسع المعروض العالمي.
وسعت الأزمة حصة بعض المنتجين خارج الخليج في أسواق الطاقة، بعدما أتاحت لهم اضطرابات الإمدادات الخليجية زيادة صادراتهم وتوجيه مزيد من الشحنات نحو الأسواق الباحثة عن بدائل.
وبرزت الولايات المتحدة والبرازيل وكندا والنرويج بين المستفيدين نسبيا، مستندة إلى قدرتها على زيادة الإمدادات أو الحفاظ على تدفقات مستقرة من النفط والغاز في وقت فقدت فيه السوق جزءا كبيرا من صادرات الشرق الأوسط.
وفي الغاز تحديدا، قفزت صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية 23% على أساس سنوي خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026.
ويرى سلامة أن روسيا وكندا والنرويج كانت بين أبرز المستفيدين من ارتفاع الطلب على مصادر الطاقة الموجودة خارج مناطق الاختناق الرئيسية.
لكن هايتايان تتحفظ على وصف ما يجري بأنه إعادة تشكيل نهائية لتجارة الطاقة، وترى أن الأسواق تعمل حاليا في "حالة طوارئ"، وأن الحكم على استدامة المسارات الجديدة يتطلب معرفة ما إذا كانت ستبقى بعد انتهاء الحرب أم تعود التدفقات إلى أنماطها السابقة.
وعلى جانب المستهلكين، دفعت أوروبا وآسيا ثمنا أعلى للغاز والوقود، بينما ازدادت الضغوط على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، ولا سيما الأسمدة والكيماويات والمعادن.
كما انتقلت نقطة الاختناق في سوق النفط تدريجيا من الخام إلى المنتجات المكررة، إذ ظلت معدلات تشغيل المصافي العالمية في يوليو/تموز الماضي أقل بنحو 5 ملايين برميل يوميا عن العام السابق، مع وصول هوامش تكرير الديزل والوقود الأوسط إلى مستويات قياسية في بعض الأسواق.
بعد ستة أشهر، لم تنفد أدوات الدفاع، لكنها أصبحت أقل راحة مما كانت عليه في فبراير/شباط.
فالمخزونات النفطية العالمية المرصودة هبطت إلى أقل قليلا من 7.9 مليارات برميل بنهاية يوليو، بخسارة 410 ملايين برميل منذ اندلاع الحرب، ما يعني أن جزءا من الاستقرار الحالي تحقق من خلال استهلاك مخزون كان يمثل خط الدفاع أمام الصدمات المقبلة.
وفي الغاز تبدو الصورة أكثر تفاوتا. فالولايات المتحدة تتوقع دخول الشتاء بمخزون يبلغ 3.985 تريليونات قدم مكعب، وهو الأعلى قبل موسم التدفئة منذ 2016 وأعلى 5% من متوسط خمس سنوات.
أما أوروبا، فكانت مخزوناتها في 24 أغسطس/آب الجاري عند نحو 62% فقط، مقابل هدف يبلغ 80% بحلول الأول من ديسمبر/كانون الأول المقبل، وهو ما دفع بيرول إلى التحذير من أن شتاء شديد البرودة قد يشكل تحديا كبيرا للقارة.
ويرى سلامة أن استمرار إغلاق هرمز لأشهر أخرى سيجعل إعادة ملء المخزونات أكثر صعوبة، وقد يعيد برنت إلى نطاق 110-120 دولارا للبرميل، وهو سيناريو يصفه بأنه شديد الضرر للنمو العالمي.
أما هايتايان فترى أن الدرس الأبعد من الأزمة يتجاوز الأسعار الحالية، فالدول المنتجة في الخليج قد تضطر إلى الاستثمار بصورة أكبر في منافذ تصدير واحتياطيات ومشروعات خارج المنطقة، بينما تدفع الأزمة الدول المستوردة إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة والنووية وتنويع الموردين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة