آخر الأخبار

الوجه الآخر لابن خلدون.. لماذا أحب التقرب من ذوي الجاه؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يمكن القول إن مقدمة ابن خلدون ليست مقدمة في علم الاجتماع وحده، بل في علوم شتى وفنون متعددة، فلم يكن ابن خلدون فيلسوفا أو مؤرخا أو فقيها عابرا في تاريخ المسلمين، بل بات له تأثير واسع عليهم في الشرق والغرب. وقد أضحى ابن خلدون مركزيا في مدارس العلوم السياسية والاجتماعية العربية، بيد أنه لم يصبح مركزيا في الفقه والحديث والقضاء رغم ما له من مشاركة فيها، لا يمكن تجاوزها.

ويشتهر ابن خلدون بنظريات مركزية مثل قوله بالعصبية وتفسيره لظهور الدول وأفولها. لكن تبقى هناك مقولات أقل شهرة مثل نظريته حول "التملق السياسي"، وتعني التقرب من ذوي الجاه والمناصب، والتي أُغفلت رغم مركزيتها في نظرية الدولة والمجتمع عنده. لقد كان ابن خلدون يحب المناصب والقرب من ذوي السلطة والجاه، وهو ما التفت إليه الأقدمون ممن ترجموا له كالحافظ ابن حجر، وبعض المعاصرين مثل طه حسين وعلي عبد الواحد وافي الذي يقول: "فقد تغير مجرى حياته وأخذ يتطلع إلى تولي الوظائف العامة، والاشتراك في شؤون السياسة، والسير في الطريق نفسه الذي سار فيه جداه الأول والثاني وكثير من قدامى أسرته. فاستأثرت الوظائف الحكومية والمغامرات السياسية بأكبر قسط من وقته".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 حين قصف الشاه البرلمان.. حكاية ثورة إيران التي أكلت قادتها
* list 2 of 2 لغز سبيس إكس.. لماذا تخسر الشركات الأمريكية على الأرض وتربح في البورصة؟ end of list

مغامرات ابن خلدون السياسية

ويخبرنا ابن خلدون بنفسه عن سعيه وراء المناصب، فيذكر لنا في كتابه "التعريف" أنه تولى وظيفة "كتابة العلامة" عام 751 هـ، كأول وظيفة له في الدولة والشأن العام، في عهد الوزير ابن تافراكين في تونس. ولما ذهب ملك ابن تافراكين، سعى ابن خلدون للقاء السلطان أبي عنان المريني، سلطان المغرب الأقصى، فالتقاه وأكرم وفادته، فتقرب منه ابن خلدون حتى يصير من حاشيته وبطانته ودخل ابن خلدون مدينة فاس معه، وجعله السلطان من كتابه وموقعيه.

لكن الاندراج في أعمال الدولة وبلاط السلاطين، ولّد نزعة عند ابن خلدون، رصدها المؤرخون، بل رصدها هو نفسه، وهي نزعة انتهاز الفرص بأي وسيلة وتدبير الوصول إلى المقاصد من أي طريق، مع التماس المعاذير والمبررات، كما يقول علي عبد الواحد وافي. فتآمر ابن خلدون على السلطان أبي عنان رغم أنه قرّبه وأدناه واستعمله في كتابته، كما أخبرنا ابن خلدون بنفسه في "التعريف".

إعلان

وقتها، اتصل ابن خلدون كذلك بالأمير أبي عبد الله محمد الحفصي، الأمير المخلوع صاحب بجاية، وكان أسيراً في فاس، واتفق معه لمساعدته في استرداد ملكه على أن يوليه منصب "الحجابة"، وهو المنصب الأهم بعد السلطان. وعرف أبو عنان بخبر المؤامرة فاعتقل ابن خلدون وسجنه. وظل ابن خلدون يستعطفه بالشعر نادما، لكن السلطان لم يفك قيده، ومن شعر ابن خلدون قصيدة طويلة يترجاه فيها بفكّ أسره قائلا:

"على أي حالٍ لليال أعاتبُ .. وأيّ صروفٍ للزمان أغالبُ"

وبعد موت السلطان أبي عنان، آلت أمور الدولة من بعده إلى الوزير الحسن بن عمر الذي أطلق سراح ابن خلدون وأعاده إلى جميع مناصبه، إلا أن ابن خلدون عاد إلى سيرته الأولى فتعاون وتقرب من منصور بن سليمان الذي وثب على الوزير الحسن بن عمر وانتزع الملك من بين يديه، فتقرب إليه ابن خلدون حتى ولاه وظيفة "الكتابة"، لكن ابن خلدون انقلب عليه أيضا كما فعل مع أبي عنان والحسن بن عمر من قبل، واتصل بأحد إخوة أبي عنان، وهو أبو سالم بن أبي الحسن الذي كان منفيا في الأندلس منذ عهد أخيه أبي عنان.

وقد أرسل أبو سالم رسالة إلى ابن خلدون مع الفقيه ابن مرزوق يدعوه فيها أن يبث دعوته ويمهد له للاستيلاء على السلطة، على أن ينزله أعظم منزلة إن تم له الأمر، فوافقه ابن خلدون ومهد للسلطان الجديد وحرض الزعماء والشيوخ على منصور بن سليمان. فاستجاب الشيوخ والزعماء لابن خلدون، ووضعوا خطة لخلع منصور بن سليمان، وبالفعل هرب منصور بن سليمان وجلس أبو سالم على العرش عام 760 هـ، وجعل ابن خلدون موضع ثقته وقربه منه.

مصدر الصورة ابن خلدون اعتقل وسجن واستعطف السلطان بالشعر (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

وفي نهاية عام 762 هـ، ثار رجال الدولة على أبي سالم، بزعامة صهر السلطان وكبير أمنائه الوزير عمر بن عبد الله، وخلعوا السلطان وولوا أخاه تاشفين مكانه، واستبد الوزير عمر بن عبد الله بالسلطة، فتقرب منه ابن خلدون أيضا، فأكرمه الوزير وأبقاه في وظائفه ووسع أرزاقه.

لكن ابن خلدون طمع فيما هو أكثر، فأراد منصب الحجابة أو الوزارة لما بينه وبين الوزير من صلة قديمة، لكن الوزير تنكر له، فاستقال ابن خلدون، وتوجس خيفة من تغير الوزير عليه، فاستأذن ابن خلدون في السفر فأذن له في الذهاب إلى غرناطة دون تلمسان خوفا من تآمر ابن خلدون عليه مع أمير تلمسان وخصم الوزير عمر بن عبد الله. لكنه اختلف أيضا مع أمير غرناطة وذهب إلى بجاية بالمغرب عام 766 هـ ليتولى منصب "الحجابة" لأبي عبد الله الحفصي الذي تحالف معه من قبل لخلع السلطان أبي عنان وسُجن بسببه.

"استمر ابن خلدون طيلة عمره يتنقل بين الوزراء والسلاطين والملوك"

وهكذا استمر ابن خلدون طيلة عمره يتنقل بين الوزراء والسلاطين والملوك، سواء لإيجاد موطئ قدم لنفسه في بلاط السلطة أو للاحتماء من التقلبات السياسية التي كانت سمة هذه الفترة، حتى قدم مصر حيث كانت الدولة مستقرة ومؤسساتها متينة، مع وجود بيئة سياسية مغايرة تمام المغايرة لبيئة المغرب. لكن ابن خلدون عمل على استبقاء نفوذه في القضاء والدرس الفقهي، وأمعن في مديح المماليك.

إعلان

يخبرنا ابن خلدون بنفسه في التعريف عن مدحه للمماليك، فيقول فيهم: "حتى أظلت الإسلام دول هذه العصابة المنصورة من الترك، الماحين بأنوار أسنّتهم ظُلَم الضلالة والشكّ.. المظهرين سرّ قوله: (لا تزال طائفة من أمتي) فيما يتناولونه من الأخذ والتَّرك". ويجعل ابن خلدون المماليك من المنافحين عن خطة الإسلام، ويصف سلطان وقته المملوكي بالعدل: "وأوقع الرعايا في ظلّ من أمنه، وعدل من حكمه". ولم ينتقدهم ابن خلدون، بل ذكر فضلهم عليه وترحيبهم به: "أولوني عناية وتشريفا، وغمروني إحسانا ومعروفا..، ثم أهلوني للقيام بوظيفة السادة المالكية".

مصدر الصورة العلامة ابن خلدون مع مبان من القاهرة القديمة (الجزيرة)

أما عن فترة ولايته للقضاء، فإن الحكم عليه لا يكون مما كتبه عن نفسه فحسب، وإنما كذلك من معاصريه، فيقول عنه الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه "رفع الإصر عن قضاة مصر": "فباشرها مباشرة صعبة، وقلب للناس ظهر المجن، وصار يُعزِّر بالصفع ويسميه الزج؛ فإذا غضب على إنسان، قال: زجّوه، فيُصفع حتى تحمر رقبته". ثم نقل ابن حجر عن بعض معاصريه قوله في ابن خلدون: " كان فصيحا مفوها جميل الصورة وخصوصا إذا كان معزولا؛ أما إذا ولي فلا يعاشر، بل ينبغي ألا يرى".

"ابن خلدون شيخ ابن حجر، ومدحه ابن حجر في غير موضع"

في النهاية، عُزل ابن خلدون عن منصب القضاء عام 787 هـ، ثم استمر معزولا ثلاث عشرة سنة. لكن اللافت أن ابن حجر يرصد تحسن معاملة ابن خلدون في فترة بعده عن منصب القضاء، فيقول: "ولازمه كثير من الناس في هذه العطلة وحسن خلقه فيها، ومازح الناس، وباسطهم، وتردد إلى الأكابر وتواضع معهم. ومع ذلك لم يغير زيه المغربي ولم يلبس زي قضاة هذه البلاد. وكان يحب المخالفة في كل شيء". ثم لما رجع إلى القضاء بعد ثلاث عشرة سنة (عام 801 هـ)، عاد إلى وضعه الأول: "فباشر على عادته من العسف والجنف"، بعبارة الحافظ ابن حجر.

ويبدو أن ابن حجر اهتمّ ببيان نفسية ابن خلدون، وكان يدرك حبه للجاه والمنصب، وابن خلدون شيخ ابن حجر، وقد مدحه ابن حجر في غير موضع، وهو غير متهم فيه كقرين له أو منافس. ولذا فإن جل كلام ابن حجر في ابن خلدون قرره ابن خلدون نفسه عن نفسه بتصريح أو تعريض.

مصدر الصورة صورة تعبيرة لابن خلدون خلال توليه منصب القضاء في مصر (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ابن خلدون مع تيمورلنك

وإذا كان ابن خلدون قد مدح المماليك، فإن ذلك لم يمنعه من مدح الزعيم المغولي تيمورلنك، والمكوث في بلاطه خمسة وثلاثين يوما، تجري بينهما النقاشات السياسية والفلسفية والتاريخية، فيخبره ابن خلدون عن طبيعة الدول وتاريخها وجريان سنن الكون عليها، وفهم البعض أنه حرض تيمورلنك على غزو مصر كما ذهب طه حسين، أو على غزو بلاد المغرب كما ذهب علي عبد الواحد وافي.

أما ابن خلدون نفسه فيصرح لنا بسلوكه مع تيمورلنك حين التقى به في الشام قائلا: "فلما دخلت عليه فاتحته بالسلام وأوميتُ إيماءة الخضوع، فرفع رأسه، ومدّ يده إليّ فقبّلتها، وأشار بالجلوس فجلستُ حيث انتهيتُ"، وفي هذا السلوك مبالغة واضحة في الخضوع حتى بأعراف ذلك العصر.

ويذكر لنا ابن خلدون أنه وصف بلاد المغرب لتيمورلنك وصفا دقيقا أعجبه، حتى طلب منه تيمورلنك أن يرسم له صورة كاملة عن بلاد المغرب، فاستجاب له. ولم يفصّل ابن خلدون لماذا أراد تيمورلنك هذه الخريطة، ولِمَ استجاب له، بل تجاوز ذلك الموضع دون بيان وإسهاب. وذلك الذي تعجب منه طه حسين، إذ يندهش من مكوث ابن خلدون خمسة وثلاثين يوما في بلاط تيمورلنك، ويقول: "فماذا كان ابن خلدون يؤمّل من المحادثات الكثيرة التي دارت بينه وبين الفاتح تيمور؟ هل كان يريد أن يحمله على غزو مصر أو يرافقه إلى بلاده؟ أو ينال منه فقط عفوا نهائيا له ولعدة من علماء مصر كانوا أسارى؟".

"تقرب ابن خلدون من تيمورلنك على عادته في تملق القادة والملوك"

وإذا كان ابن خلدون قد أهدى تيمورلنك هدايا قيمة من مصر بعد أن استولى تيمور على دمشق ونهبها جنوده وأعملوا فيها الحرق والقتل، فإنه يبدو أن ابن خلدون أراد موقعا في حاشية تيمور وبلاط حكمه، فقال له متملقا على مذهبه في وجوب التملق: "أيَّدك الله! لي اليوم ثلاثون أو أربعون سنة أتمنى لقاءك، فقال لي الترجمان عبد الجبار: وما سبب ذلك؟ فقلت له: أمران، الأول: أنك سلطان العالم وملك الدنيا، وما أعتقد أنه ظهر في الخليقة منذ آدم لهذا العهد ملك مثلك، ولستُ ممن يقول في الأمور بالجُزاف، فإني من أهل العلم. وأما الأمر الثاني: فهو ما كنت أسمعه من أهل الحَدثان بالمغرب والأولياء".

إعلان

تعد هذه الصفحة ضمن الأكثر إثارة للجدل والتفسيرات المتباينة في تاريخ ابن خلدون، بين من ينسبها إلى الواقعية السياسية والتطبيق العملي لنظريته في العصبية، وبين من رأى في هذا السلوك رغبة في إيجاد موقع لنفسه في حاشية تيمور وبلاط حكمه، وهو ما يؤيده قوله الصريح لتيمور عندما سأله: "أتسافر لمصر؟ فقلتُ: أيدك الله، رغبتي إنما هي أنت، وأنت قد آويت وكفلت، فإن كان السفر إلى مصر في خدمتك فنعم، وإلا فلا بغية لي فيه".

تعليقا على ذلك يقول طه حسين: "كان ابن خلدون قبل كل شيء سياسيا وافر الحكمة والبراعة، على أنه لم يستخدم براعته السياسية في تأييد دولة أو أسرة، كما استخدمها في منفعته الشخصية". ويحاول أن يبحث عن سبب تملق ابن خلدون وتصريحه بذلك دون مواربة قائلا: "لم يحتط ابن خلدون كما فعل غيره من المؤلفين في إخفاء عيوبه، فإنه لم يدَّعِ قط أنه حاول نيل السلطة لخدمة المنفعة العامة، ولم يُعنَ بأن يحاول تبرير عمل خاطئ بتقديم دواع شريفة، بل يلوِّح لنا بأنه لم يكن يشعر بأنه أخطأ قط".

"لم يحتط ابن خلدون كما فعل غيره من المؤلفين في إخفاء عيوبه"

ثم يحاول طه حسين الإجابة عن هذا السؤال القلق: لماذا آثر ابن خلدون أن يكون متملقا في حياته؟ ولم فصل عمليا بين السياسي والأخلاقي؟ فيخبرنا أن بيئته التي نشأ فيها كانت الفردية مركزية فيها، وكانت: "تمحو كل روح دينية وكل فكرة وطنية، سواء في القصور الملكية الفاسدة المنحلة أو بين القبائل المشتتة في أفريقيا الشمالية إبان القرن الثامن، وهي التي ورثت عن أسلافها رغبة شديدة في التسلط ووثقت ثقة مطلقة بكفايتها، فجاشت نفس ابن خلدون بأطماع كانت جميع الوسائل لتحقيقها مشروعة في نظره سواء أقرتها الأخلاق أم لا".

لكن الأهم أن ابن حجر أخبر بقصة ابن خلدون مع تيمورلنك في الشام، بنفس ما أخبر ابن خلدون عن نفسه، وهو يلتفت إلى ملمح في غاية الأهمية، وهي أن تقريب تيمورلنك لابن خلدون منه في دمشق كان لغرض معرفة أحوال بلاد المغرب من ابن خلدون وهو الخبير والفيلسوف وابن بلاد المغرب. وإذا رجعنا إلى ابن خلدون نفسه سنجده يقرّ بذلك، ما يعني أن ترجمة ابن حجر لابن خلدون لم تشتمل على مثالب بل كانت في غاية النصفة.

مصدر الصورة تقريب تيمورلنك لابن خلدون بغرض معرفة أحوال بلاد المغرب (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

التنظير للتملق السياسي

كان الجانب العملي في ممارسات ابن خلدون متسقا مع نظرياته، إذ رأى ابن خلدون أن طبيعة الاجتماع البشري هي التملق والخضوع من الضعيف للقوي، ومن العامة إلى أهل السلطة والجاه، ومن الطبقة الأدنى للطبقة الأعلى. ويخبرنا أنه إذا أراد الفقيه أو العالم السعادة والكسب وجب عليه أن يعرف أن الخضوع والتملق من أسباب حصولهما، أما الرافضون للتملق من العلماء، ممن يتخلقون بالترفع والشمم فلا يحصل لهم جاه: "فيقتصرون في التكسب على أعمالهم ويصيرون إلى الفقر والخصاصة". ويلتفت ابن خلدون إلى عِظَم ما نظّر له هنا فيقول: "والجاه على ذلك داخل على الناس في جميع أبواب المعاش، ويتسع ويضيق بحسب الطبقة والطور الذي فيه صاحبه".

ولا يمكن فهم التملق السياسي عند ابن خلدون إلا من خلال مفهوم الجاه، وهو مفهوم مركزيّ في تحليله للاجتماع السياسي. فالجاه ليس متعلقا بما هو سياسي فحسب، بل هو مورد اقتصادي وموضع ارتزاق للناس جميعا، وللطبقات كلها، فصاحب الجاه قد لا يعطي بنفسه مالا مباشرا، لكنه يفتح بابا إلى المال، أو يرفع مظلمة، أو ييسر معاملة، وبذلك يغدو القرب من الجاه قربا من إمكان المنفعة.

"لا يمكن فهم التملق السياسي عند ابن خلدون إلا من خلال مفهوم الجاه"

وحين يصير المجتمع قائماً على هذه "الوساطة"، لا يكون السؤال المركزيّ حينئذ: من الأعلم أو الأكفأ؟ بل يصبح السؤال البديهي: من الأقرب إلى ذوي الجاه؟ هنا تتجلى مقولة "التملق السياسي" وتبدو فاعليتها ووجاهتها. لأن من كان محتاجا إلى الجاه لا بد أن يبحث عن وسيلة تؤمّن له القرب منه، فإذا لم يكن العلم وحده كافيا، ولا الكفاية وحدها ضامنة، دخلت عوامل أخرى، مثل التزلف، والمداراة، والمدح، والخضوع، والتملق، وهكذا يخرج التملق من كونه رذيلة فردية محضة إلى كونه وظيفة داخل اقتصاد الجاه، وموضع ارتزاق رئيسي لأصحاب الصنائع كلها.

ويخبرنا ابن خلدون أنّ كل صاحب مهنة من علم أو صنعة أو تجارة، إذا لم يكن له علاقة مع أهل السلطة والنفوذ وأهل الجاه وأرباب المال، أُجحف بحقه وهضم موقعه، قائلا: "فكل طبقة من طباق أهل العمران من مدينة أو إقليم لها قدرة على من دونها من الطباق، وكل واحد من الطبقة السفلى يستمدّ بذي الجاه من أهل الطبقة التي فوق، ويزداد كسبه تصرفا فيمن تحت يده على قدر ما يستفيد منه".

إعلان

ثم يُعقِّب ابن خلدون بزبدة النظرية التي يحاول أن يطرحها فيقول: "والجاه على ذلك داخل على الناس في جميع أبواب المعاش". ومن ثم فمن لا جاه له لا تجارة له ولا صناعة ولا منصب، ففاقد الجاه وفاقد العلاقات المتينة والسبل العزيزة مع أصحاب الدولة والأمراء والسلاطين حسب ابن خلدون: "لا يكون يساره إلا بمقدار عمله ونسبة سعيه ذاهبا وآيبا في تنميته، كأكثر التجّار وأهل الفلاحة". لكن أهل الصنائع هؤلاء إذا فقدوا الجاه والعلاقات، واقتصروا على فوائد صنائعهم: "فإنهم يصيرون إلى الفقر والخصاصة في الأكثر، ولا تسرع إليهم ثروة". لأن الجاه كما يقول ويردد: "داخل على الناس في جميع أبواب المعاش".

فمعاش الناس كله له علاقة بالدولة وبصاحب الدولة وبذوي الجاه في الدولة، فالدولة عند ابن خلدون مركزية، متضخمة، تسهّل لأرباب الصنائع، وتعسّر عليهم، حسب علاقتهم بها، وخضوعهم لها. وابن خلدون هنا في هذا الموضع لا يدعو إلى ذلك ولا يحث عليه، بل يخبرك بطبائع الدولة، وخلالها، ونفسية أصحابها والقائمين عليها، وصيرورة التاريخ فيها إذا أردت أن تفهمها على وجهها، لكنّه سيحث عليه لاحقا، وسيدعو إليه، وسينتقد من لا يتخذ التملق سبيلا من العلماء.

أمّا إذا كان هذا العالم، أو الفقيه، أو التاجر، أو الصانع "مقداما على الحكّام"، "وله جاه يدَّرع به"، حفظ جاهه، وبقيت هيبته، ودامت تجارته. فكلّ كسب، إذن، عند ابن خلدون له مسيس بالسلطة وعُلْقة بها، لا يمكن أن يستقل عنها بحال، أو تنأى هي عنه، فالجاه الذي يقصده ابن خلدون هو من فوق، حتى يصل السند إلى الطبقة العليا، طبقة الحكم وصاحب الدولة. ويوضح أنه كلما كانت العلاقة قوية مع هذه الطبقة كانت الاستفادة أكثر والكسب أعم، قائلا: "فإن كان الجاه متسعا كان الكسب الناشئ عنه كذلك، وإن كان ضيقا قليلا فمثله".

"الدولة عند ابن خلدون مركزية، متضخمة، تسهّل لأرباب الصنائع، وتعسّر عليهم، حسب علاقتهم بها، وخضوعهم لها"

ثم يفصل ابن خلدون القول بعد تأصيل نظريته وتعميم قوله، قائلا: "إذا كان -التاجر- جريئا على الخصومة بصيرا بالحُسبان، شديد المماحكة مقداما على الحكام، كان ذلك أقرب إلى النَّصفة بجراءته منهم ومماحكته؛ وإلا فلا بد له من درع يدرع به، يوقع له الهيبة عند الباعة، ويحمل الحكّام على إنصافه".

بل إن ابن خلدون يتمادى ليجعل علاقة التجار بذوي الجاه هي الأصل وإلا فلا تجارة ولا ربح، بل الخسارة الأكيدة، فيمنع كل من لا علاقة له بالسلطة من التجارة، فيقول: "فينبغي له أن يجتنب الاحتراف بالتجارة لأنه يعرض ماله للضياع والذهاب ويصير مأكلة للباعة".

مصدر الصورة كلّ كسب عند ابن خلدون له مسيس بالسلطة وعُلْاقة بها، ولا يمكن أن يستقل عنها بحال، أو تنأى هي عنه (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

الفقهاء والجاه

الأهم من ذلك هو حديث ابن خلدون عن الفقهاء والجماعة العلمية، والقائمين على أمور الدين، وابن خلدون أحدهم، كفقيه مالكي وقاض ومؤرخ، ورجل دولة. فكيف ينظر ابن خلدون إلى العلاقة بين الخضوع وارتزاق العلماء؟ كيف يرتزقون وكيف يكتسبون قوتهم وأموالهم؟ وماذا يمتهنون؟

يذهب ابن خلدون إلى أنّ "القائمين بأمور الدين من القضاء والفتيا والتدريس والإمامة والخطابة والأذان، ونحو ذلك، لا تعظم ثرواتهم في الغالب". وسبب ذلك فيما ارتآه ابن خلدون أن السلطان لا يحتاج إليهم كحاجته إلى أرباب الأعمال الضرورية. على أن صاحب الدولة/السلطان هو الذي يهتم بإقامة مراسمهم: "فيقسم لهم حظا من الرزق على نسبة الحاجة لا يساويهم بأهل الشوكة ولا بأهل الصنائع..، فلا يصح في قسمهم إلا القليل".

فالسبب الأول لقلة ثروات العلماء عند ابن خلدون أن صاحب الدولة لا يحتاج إليهم كثيرا فلا يساويهم بأهل الشوكة أو بأهل الصنائع، والسبب الثاني هو انشغالهم بالعلم والمعرفة ورفضهم الخضوع والتودد، وهو ما أفاض في بيانه.

ويذكر ابن خلدون أنه جادل أحد فضلاء عصره فيما ذهب إليه من تأصيل هنا، فأنكر على ابن خلدون مقولته تلك، لكن ابن خلدون تحاكم إلى التاريخ وخبرته بالدول، فيقول: "فوقع بيدي أوراق مخرّقة من حسابات الدواوين بدار المأمون تشتمل على كثير من الدخل والخرج، وكان فيما طالعت فيه أوراق القضاة والأئمة والمؤذنين فوقفته عليه، وعلم منه صحة ما قلتُه ورجع إليه". أي أن صاحبه هذا قد ظن أن مشكلة الفقهاء مشكلة عصره فحسب دون العصور الخالية، فجاء له ابن خلدون بالبرهان القاطع من وثائق المأمون أن الفقهاء والمشتغلين بالدين في كل عصر، رواتبهم قليلة، وجراياتهم زهيدة، من ثم لا تعظم ثرواتهم.

ولم يقف ابن خلدون عند هذا الحدّ، بل يجعل من لم يخضع من الفقهاء إنما هو معدود من أهل الكبر والترفع المذموم، فيقول في المقدمة: "واعلم أن هذا الكبر والترفع من الأخلاق المذمومة إنما يحصل لمن توهم الكمال وأن الناس محتاجون إلى بضاعته من علم أو صناعة، كالعالم المتبحر في علمه، أو الكاتب المجيد في كتابته، أو الشاعر البليغ في شعره..، وتجد هؤلاء الأصناف كلهم مترفعين لا يخضعون لصاحب الجاه، ولا يتملقون لمن هو أعلى منهم".

"يقر ابن خلدون أن الترفع كان خلق أكثر العلماء ولذا فهو سبب فقرهم"

ويقرّ ابن خلدون أنّ الترفع كان خلق أكثر العلماء ولذا فهو سبب فقرهم، ومن ثم فإنّ أكثرهم لا تعظم ثروتهم، ولا تنمو تجارتهم، لأن العالم منهم يقعد: "عن تعاهدهم – أي: تعاهد أهل الجاه والسلطة – وغشيان منازلهم، ففسد معاشه، وبقي في خصاصة وفقر أو فوق ذلك بقليل".

لم يقرأ ابن خلدون عزة النفس والتعفف كباب من أبواب استقلال العالم والفقيه عن الدولة، ولم يؤمن بذلك النوع من الاستقلال، بل اعتقد أن العالم في خدمة الدولة دائما. غير أنه لم يكتف بذلك، بل جعل ذلك الترفع من باب الأخلاق المذمومة لا المحمودة، ذلك لأن هؤلاء النفر من أهل العلم حسب قوله: "يستصغرون من سواهم لاعتقادهم الفضل على الناس، فيستنكف أحدهم عن الخضوع ولو كان للملك ويعده مذلة وهوانا".

وهكذا لا يُفهم الجاه عند ابن خلدون بوصفه مجرد منزلة اجتماعية أو سمعة حسنة، بل باعتباره قدرة فعلية على التأثير في الناس والقرارات، وفتح أبواب الرزق والمناصب، ودفع الضرر، وتيسير المصالح. وهو بهذا المعنى مورد للثروة والقوة، حتى لمن لا يملك مالا أو منصبا رسميا. وفي المجتمع الذي تحكمه هذه القواعد، لا تتوزع الفرص وفق الكفاءة وحدها، بل وفق القرب من أهل السلطة والنفوذ؛ فيحتاج التاجر إلى الحماية، والعالم إلى الرعاية، والموظف إلى رضا رئيسه، وصاحب الحق إلى وسيط يوصله إلى من يملك القرار. وهكذا يتحول المجتمع إلى سلسلة رأسية من الاعتماد، تستمد فيها كل طبقة قوتها من الطبقة الأعلى، إلى أن تنتهي الشبكة عند الدولة وصاحب السلطان.

ومن هنا يصبح التملق السياسي في نظر ابن خلدون نتيجة لبنية اجتماعية، وليس رذيلة فردية. فحين يرتبط الرزق والترقي والحماية برضا أصحاب الجاه، يغدو الخضوع والمدح والتزلف وسائل عقلانية للنجاة والصعود، بينما يصبح الاستقلال مكلفا. ويساعدنا مفهوم الجاه على فهم مجتمعات تبدو فيها المؤسسات قائمة، لكن المصالح الحقيقية تظل معلقة بالأشخاص والعلاقات، فتسبق الوساطةُ الكفاءةَ، ويصبح الولاء أهم من القانون، ويصل غير الأكفاء إلى المناصب. لذلك لا يكون الإصلاح بتغيير الحكام أو الموظفين فقط، بل بتفكيك اقتصاد الجاه نفسه: فصل الحق عن الوساطة، والرزق عن الولاء، والمنصب عن التملق، وبناء مؤسسات تضمن للناس حقوقهم دون حاجة إلى الاحتماء بصاحب نفوذ.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا