آخر الأخبار

دبابات ومدرعات وترحيب شعبي.. هل توثق هذه المشاهد تحشيدا تركيا في سوريا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في ظل التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل إثر غارات إسرائيلية استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية شمالي سوريا، انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو زُعم أنها توثق تحشيدات عسكرية تركية ضخمة في طريقها حديثا إلى سوريا.

ونقلت حسابات عن صحفي سوري لم تكشف هويته، وعن وسائل إعلام سورية مجهولة، أن تركيا نشرت ما بين 200 و250 مركبة مسلحة و20 دبابة في المنطقة الجنوبية الغربية من سوريا، في حشد عسكري وصفته بـ"الضخم" في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على القاعدة.

ورصدت وحدة المصادر المفتوحة بالجزيرة انتشار 3 مقاطع فيديو مصحوبة بهذه الادعاءات، وأعيدت ترجمتها إلى العربية والإنجليزية والعبرية والتركية، فما حقيقة المشاهد التي اجتاحت المنصات؟

تحشيدات في الظلام

انتشر المقطع الأول في 19 أغسطس/آب 2026 بالتركية، عبر حساب مجهول باسم " White Sand" على منصة إكس، ويُظهر نقل آليات عسكرية ثقيلة ليلا على متن شاحنات نقل ضخمة، وحصد أكثر من مليون مشاهدة على الحساب وحده.

مصدر الصورة صورة من أول نسخة نشرت لمزاعم التحشيدات العسكرية التركية في سوريا (إكس)

ونشر الفيديو مرفقا بعبارة "يواصل الجيش التركي إرسال المركبات العسكرية المدرعة إلى سوريا" قبل أن تتداوله صفحات وقنوات عربية باعتبار أنه يوثق نقل أنقرة مدرعات لوجستية حديثة لجيشها باتجاه سوريا.

موكب عسكري حاشد

كما تكرر الادعاء والنص نفسه مرفقا بمقطع فيديو ثان عبر حساب باسم "RKM" ويظهر موكبا عسكريا يضم مدرعات ومركبات مختلفة، ونسب الادعاء فيه أيضا إلى الصحفي المجهول.

وربطت الحسابات الناشرة للمقطع هذا التحرك بتقارير لم تحدد مصدرها، زعمت أن التعزيزات العسكرية التركية الضخمة تلك جاءت عقب الهجوم الإسرائيلي على قاعدة عسكرية في سوريا وتصريحات مناهضة لأنقرة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

موكب عسكري واستقبال شعبي

وانتشر مقطع فيديو ثالث مرفق بعبارات مقاربة للادعاء نفسه، ولكنه يظهر دخول عربات عسكرية تقل عناصر مسلحة وسط استقبال حافل من المواطنين.

وأثار تكرار الادعاء ذاته مع مشاهد مختلفة، ودون توجه واضح لهوية الحسابات الناشرة، إضافة إلى نسب الخبر كل مرة إلى صحفيين أو وسائل إعلام أو تقارير مجهولة، شكوكا كبيرة حول صحة المشاهد المتداولة.

إعلان

وبعد التحقق من المقاطع الثلاثة، تبين أنها مضللة وقديمة أعيد توظيفها في سياق زمني ومكاني خاطئ، استغلالا لحالة التوتر الراهنة.

الفيديو الأول: تعزيزات قديمة من ريف حلب

وكشف البحث العكسي أن المقطع الأول قديم وله نسخة سابقة نشرت على فيسبوك بتاريخ 6 يوليو/تموز 2022. والتقط في مدينة إعزاز، الواقعة إلى الشمال من مدينة حلب بنحو 50 كيلومترا، وهي غير بعيدة عن الحدود التركية، إذ لا تفصلها عن معبر باب السلامة الحدودي سوى 5 كيلومترات.

ونشره حينها حساب باسم "مكتب إعزاز الإعلامي" على أنه يوثق تعزيزات عسكرية للجيش التركي تصل إلى نقاطه العسكرية شمالي حلب، ضمن استعدادات الجيشين التركي والسوري آنذاك لشن عملية عسكرية ضد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في ريف حلب الشمالي والشرقي.

وبالعودة إلى تقارير وسائل إعلام سورية عن تلك الفترة، تبين أنها بالفعل شهدت دفع أنقرة بتعزيزات عسكرية جديدة إلى قواعدها في ريف حلب شمال غربي سوريا، وهو ما يؤكد صحة السياق الأصلي للمقطع بعيدا عن الادعاء الحالي.

الفيديو الثاني: موكب مدرعات تركية عام 2017

أظهر تحليل الفيديو الثاني أن المدرعة التي تظهر تركية بالفعل من طراز "كيربي" وهي إحدى أشهر المدرعات المقاومة للألغام والكمائن في الأسطول البري التركي، ويظهر العلم التركي بوضوح على مقدمتها.

مصدر الصورة تطابق بصري بين صورة من المقطع المتداول (يسار) بصورة من قناة الشركة المصنعة لمدرعة كيربي (يمين) على يوتيوب (الجزيرة)

وبحسب الشركة التركية المصنعة "بي إم سي" تصنف هذه المركبة ضمن فئة المدرعات المضادة للألغام والكمائن، ويبلغ طولها 7.35 أمتار، وعرضها 2.64 متر، بارتفاع 3.21 أمتار، ووزن إجمالي يصل إلى 19.7 طنا، وتتسع 13 فردا، بسرعة قصوى تبلغ 105 كيلومترات/ساعة.

كما كشف التحليل أن المدرعة الثانية الواردة في المقطع من طراز "كوبرا" (الجيل الأول) من إنتاج شركة "أوتوكار" التركية، وهي من أبرز المدرعات الخفيفة التكتيكية ذات الدفع الرباعي، وتجمع بين السرعة العالية والحماية الباليستية، وصممت للعمل في مختلف الظروف الجغرافية.

مصدر الصورة تطابق بصري بين صورة من المقطع المتداول (يسار) بصورة من موقع الشركة المصنعة لمدرعة كوبرا (يمين).

وبحسب الشركة المصنعة، تعتمد "كوبرا" على هيكل نمطي مرن يتيح تهيئتها لمهام متعددة، منها: ناقلة أفراد، إخلاء طبي، استطلاع وتجسس، قيادة أمن داخلي، منصة أسلحة. ويولي تصميمها أولوية قصوى للحماية من الألغام والمتفجرات عبر مقاعد مخصصة لامتصاص أثر الانفجارات، إضافة إلى أرضية فولاذية مدرعة.

ومطلع 2026، شاركت مدرعات تركية من طرازين أحدث، هما "كوبرا 2″ و"أمازون" ضمن عمليات للجيش السوري ضد "قسد" شرقي البلاد، وهو ما يوضح أن وجود مدرعات تركية في البلاد ليس بحد ذاته دليلا كافيا لتأكيد الادعاء الحالي.

وقد قادت لافتة زرقاء تظهر في المقطع، تحمل كتابة بالتركية، إلى تعزيز الشك في المكان، إذ رجحت أن يكون الفيديو قد التقط في منطقة حدودية داخل الأراضي التركية لا داخل سوريا.

وقادنا البحث العكسي إلى لقطات مختلفة من نفس الفيديو ولكنه قديم ويعود إلى أكتوبر/تشرين الأول 2017.

وتبين أن المقطع نشر كاملا وبجودة عالية آنذاك على قناة "TRT World" في يوتيوب، مما يؤكد أن الحسابات التي روجت للادعاء الحالي اقتطعت المقطع من تقرير إخباري أصلي بثته القناة في حينه.

إعلان

وأوضحت القناة أن المقطع يوثق تحرك قوات عسكرية تركية في ولاية هاتاي على الحدود مع سوريا، حيث شوهدت ناقلات أفراد مدرعة ومركبات عسكرية أخرى تتجه نحو معبر "جيلفه غوزو" الحدودي، حيث كانت القوات متمركزة، وهو ما يؤكد أن الفيديو لا صلة له بالتوترات الأخيرة.

الفيديو الثالث: عملية في الرقة

يظهر الفيديو الثالث ترحيبا بالقوات وتوزيع المياه على عناصر تقلّهم مدرعات عسكرية لحظة دخولهم، فيما رفع بعض المواطنين علم الثورة السورية ابتهاجا، وهي عناصر عززت الشكوك حول السياق المزعوم للمقطع.

وعند التدقيق، لاحظت وحدة المصادر المفتوحة أن معظم من أظهرهم المقطع يرتدون ملابس شتوية، في وقت تتجاوز فيه درجات الحرارة 44 درجة مئوية في عدد من المحافظات السورية، بحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية السورية، وهو ما يتعارض مع الادعاء بأن المشهد التقط حديثا في أجواء الصيف الحالي.

وبتعميق البحث، عثرنا على نسخة سابقة للمقطع نُشرت بتاريخ 19 يناير/كانون الثاني 2026، مع إشارة إلى أنه التقط في الرقة، من دون تفاصيل إضافية، مما يؤكد أن الفيديو قديم نسبيا ولا يمت بصلة لأي تحشيد عسكري تركي جديد مرتبط بالتوترات الحالية.

وبعد ربط التوقيت والمكان بسياق الأحداث آنذاك، تبين أن الجيش السوري كان قد سيطر تلك الفترة على عدد من القرى بريف الرقة والتقدم نحو مدينة الطبقة الإستراتيجية الواقعة على نهر الفرات بمحافظة الرقة، عقب سيطرته على عدد من المدن والقرى المحيطة بها.

إغراق معلوماتي

خلال عملية الرصد والتحقق، تبين أن المشاهد الثلاثة المتداولة تشترك في نمط واحد من النشر والترويج، إذ جرى تداولها عبر حسابات مجهولة الهوية، من دون الاستناد إلى مصادر موثوقة أو معلومات واضحة تحدد مكان التصوير وزمانه.

وظهرت المركبات العسكرية في المقاطع من دون أدلة مستقلة تثبت ارتباطها بالسياق الذي نُسبت إليه، فيما أُعيد نشر المحتوى على منصات متعددة وبصيغ مختلفة، رغم أن كل مشهد يعود إلى زمان ومكان مختلفين عن الادعاء المتداول بشأنه.

ويشير هذا النمط إلى ما يعرف بـ"الإغراق المعلوماتي" وهو أحد أساليب التضليل الرقمي التي تقوم على ضخ كميات كبيرة من المحتوى المتشابه أو المرتبط بادعاء واحد، عبر حسابات وصفحات وقنوات متعددة وفي فترة زمنية قصيرة.

ويهدف هذا الأسلوب إلى زيادة حضور الرواية المضللة في الفضاء الرقمي، بحيث تتكرر أمام المستخدمين بصورة توحي بانتشارها أو صدقيتها، في حين أن كثرة التداول لا تعني بالضرورة صحة المحتوى.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا