لأكثر من أربعة عقود، ارتكز التواجد الأمريكي في الشرق الأوسط خاصة دول الخليج على قواعد عسكرية ضخمة، لكن حرب إيران طرحت تساؤلات حيال مستقبل هذه القواعد.
وفي هذا السياق، قالت صحيفة "الفايننشال تايمز" إن الهجمات الإيرانية على منشآت أمريكية بصواريخ ومسيرات كشفت عن هشاشة هذه القواعد عندما تكون متمركزة على مقربة من السواحل الإيرانية.
وأضافت أن الهجمات الإيرانية أجبرت واشنطن على نقل جنود وطائرات إلى مواقع بعيدة عن أيادي طهران في إسرائيل و الأردن ومناطق أبعد.
ونقلت الصحيفة عن هال براندز، الباحث في جامعة جونز هوبكنز، قوله إن "هذه المنشآت، ولا سيما القواعد الكبرى، شديدة الهشاشة. سنشهد إعادة صياغة للتموضع العسكري الأمريكي بعيدا عن الخليج".
وأضاف أنه "سيجري تقليص الاعتماد على القواعد الواقعة ضمن مدى الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيرة ".
ويرى مراقبون أنه في ضوء تداعيات حرب إيران، فإن القواعد الكبيرة والثابتة بدأت تفقد مكانتها كمراكز رئيسية للتمركز والإمداد العسكري، فيما أصبح التوجه المفضل في واشنطن هو اعتماد نموذج انتشار أكثر تشتتا ما يجعل استهداف القوات الأمريكية أكثر صعوبة.
وأطلقت طهران صواريخ وطائرات مسيرة على إسرائيل ودول عربية حليفة لواشنطن. وتقول إن ضرباتها تستهدف قواعد عسكرية تستخدمها الولايات المتحدة في الحرب، علما أن الهجمات أصابت كذلك منشآت ومواقع مدنية.
وفي ضوء هذه الهجمات، بدأت القيادة المركزية الأمريكية المنوط بها العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، تجربة أساليب جديدة تقوم على توزيع الجنود على مواقع قتالية أصغر حجما وتحريك الطائرات المقاتلة بسرعة بين مدارج مؤقتة تستخدم للهبوط والإقلاع السريع.
وفي مقابلة مع "الفايننشال تايمز"، قالت دانا سترول، نائبة مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابقة لشؤون الشرق الأوسط، إن تصميم القواعد الخليجية الحالية "يعود إلى حقبة سابقة ولم يعد ملائما لطبيعة الحروب الحديثة".
وأضافت "يمكننا تبني نموذج أكثر رشاقة ومرونة. أولئك الذين كانوا يدعون منذ فترة إلى تقليص اعتمادنا على هذه القواعد سيشعرون الآن بأن موقفهم كان مبررا".
يشار إلى أن البحرية الأمريكية اضطرت إلى استخدام جزيرة دييغو غارسيا النائية كمركز إمداد بديل للأسطول الخامس الأمريكي، بعد تعرض مقره الرئيسي في البحرين لأضرار.
وتستضيف البحرين مقر الأسطول الخامس التابع للبحرية الأمريكية وقيادة القوات البحرية الأمريكية في المنطقة.
ويتيح ميناؤها ذو المياه العميقة، استقبال أكبر القطع البحرية الأمريكية، بما في ذلك حاملات الطائرات، فيما تستخدم البحرية الأمريكية هذه القاعدة منذ العام 1948.
وقال نيت سوانسون، المدير السابق لملف إيران في مجلس الأمن القومي الأمريكي، "ليست هناك جدوى كبيرة من إعادة بناء بعض هذه المواقع. والحاجة إلى تمويل عادة إعمار منشآت لم تعد مرغوبة أساساً قد تسرّع الاتجاهات القائمة بالفعل".
وأضاف "سأكون مندهشا للغاية إذا لم نشهد إعادة تموضع للقوات بعيداً عن هذه المواقع".
كشفت هجمات إيران عن هشاشة القواعد الأمريكية الكبيرة في الخليج ركيزة النفوذ العسكري لواشنطن في المنطقة.صورة من: US Central Command/AFPوتستضيف قطر قاعدة العديد الجوية، أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، والتي تضم عناصر متقدمة من القيادة المركزية الأمريكية، وقواتها الجوية ووحدات العمليات الخاصة.
وتعرضت القاعدة لهجوم إيراني خلال الحرب الحالية، بعدما سبق أن استهدفتها طهران في حزيران/يونيو 2025 عقب ضربات أمريكية على منشآت نووية إيرانية.
وقدر معهد "أمريكان إنتربرايز" البحثي ومقره واشنطن، في أبريل/نيسان الماضي أن تكلفة إصلاح الأضرار التي لحقت بـ 11 قاعدة أمريكية موزعة على سبع دول في الشرق الأوسط تبلغ نحو 5 مليارات دولار.
وفي السنوات الأخيرة، ومع سعي الولايات المتحدة إلى تقليص انخراطها في الشرق الأوسط والتركيز بصورة أكبر على منطقة المحيط الهادئ، تراجعت الحاجة إلى الإبقاء على شبكة واسعة من القواعد العسكرية في الخليج .
وقد انسحبت واشنطن من سوريا في أبريل/نيسان 2026، كما تواصل تدريجيا تقليص وجودها العسكري المخصص لمحاربة تنظيم داعش في العراق.
وفي هذا السياق، قالت دانا سترول "لم نعد بحاجة إلى هذه القواعد بالطريقة نفسها التي كنا نحتاجها في السابق". لكنها أكدت أن تحقيق توازن دقيق سيكون ضروريا بين المتطلبات العملياتية للقوات الأمريكية والتزامات واشنطن تجاه شركائها.
وأشارت في مقابلتها مع "الفايننشال تايمز" إلى أنه من الضروري تقييم حجم القوات والأصول العسكرية اللازمة لضمان أمن دول الخليج . وأضافت أنه "سيكون من المهم تجنب أي انطباع بأننا نتخلى عنهم".
تحرير: عماد غانم
المصدر:
DW