آخر الأخبار

كيف تتحول 4 حروب إلى دعاية انتخابية؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

قبل نحو شهرين من انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول، تبدو إسرائيل كأنها تدير حملة انتخابية فوق خريطة عسكرية عبر تصعيد جديد في غزة، وضربات متواصلة في لبنان، ومواجهة تتسع في سوريا لتشمل النفوذ التركي، وإيران التي بقي ملفها مفتوحا على جولة أخرى.

لكنّ السؤال داخل إسرائيل لم يعد فقط كيف يستفيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من تعدد الجبهات، وإنما هل يمكن أن يصبح التصعيد نفسه أداة انتخابية؟ فهذا الاحتمال بات يطرحه ضباط ومعلقون ورئيس حكومة أسبق، بالتوازي مع تقارير ترصد تحويل التهديدات الأمنية إلى بيئة خوف يُعاد فيها تقديم نتنياهو باعتباره القائد الذي لا يمكن استبداله زمن الحرب.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 هل بدأت طفرة الذكاء الاصطناعي تصطدم بحدودها؟
* list 2 of 2 قواعد جديدة في الردع النووي.. روسيا تنشر "سلاح يوم القيامة" end of list

تصعيد سياسي

أخطر ما نُشر في هذا السياق جاء مساء 19 أغسطس/آب من ألون بن ديفيد، المعلق العسكري في القناة 13، الذي كشف أن المؤسسة الأمنية تحذر من "تصعيد مُبادَر إليه بدوافع سياسية" مع اقتراب الانتخابات، بالتزامن مع توجيه الجيش لتكثيف هجماته في غزة خلال الأسبوعين الأخيرين.

مصدر الصورة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحذر من "تصعيد مبادر إليه بدوافع سياسية" مع اقتراب الانتخابات (الجزيرة)

ونقل بن ديفيد عن مصادر أمنية قولها إن هناك إدراكا لمحاولات محتملة لـ"تسخين الجبهات" قبيل التصويت، مؤكدة رفضها الانجرار إلى حروب غير ضرورية.

ولكنّ خطورة التقرير أنه ينقل النقاش من اتهامات المعارضة إلى داخل الأجهزة المسؤولة عن تنفيذ القرارات، ويطرح احتمال وجود فجوة بين الحاجة العملياتية والمصلحة السياسية في إبقاء التوتر مرتفعا.

وكان استطلاع للقناة 13 في 21 يوليو/تموز قد أظهر أن 48% من الإسرائيليين يعتقدون أن نتنياهو قد يبادر إلى حدث أمني لتعطيل الانتخابات أو التأثير فيها، مقابل 43% استبعدوا ذلك، بينما أيد 45% تجديد الحرب مع إيران

اتهام باراك

وبعد ساعات من كشف القناة 13، رفَع إيهود باراك سقف الاتهام بصورة غير مسبوقة، فباراك ليس خصما سياسيا عاديا، فهو رئيس حكومة ووزير دفاع ورئيس أركان أسبق، ومن أكثر الشخصيات الإسرائيلية خبرة في دوائر القرار العسكري.

إعلان

وفي منشور على صفحته على فيس بوك مساء 19 أغسطس/آب، وصف رفع نتنياهو المتعمد للتوتر مع تركيا بأنه تصرف "متهور وغبي"، وقال إنه يحمل "رائحة قوية لنية سياسية" في الوصول إلى الانتخابات وسط سلسلة توترات أمنية تثير خوف الجمهور.

مصدر الصورة وصف إيهود باراك رفع نتنياهو المتعمد للتوتر مع تركيا بأنه تصرف "متهور وغبي"، وقال إنه يحمل "رائحة نية سياسية" (غيتي)

ويذهب باراك أبعد من التشكيك في التوقيت، فهو يرى أن تركيا ليست إيران ولا سوريا في عهد بشار الأسد، وأن الخلافات معها تمكن إدارتها عبر قنوات سرية وبالتنسيق مع واشنطن، ولذلك يعتبر أن فتح مواجهة معها الآن لا تفرضه ضرورة إستراتيجية عاجلة. كما دعا إلى تأجيل أي معالجة جذرية إلى ما بعد الانتخابات.

وبذلك يلتقي باراك مع التحذير الذي نقله بن ديفيد عن ضابط كبير في الجيش يقول فيه "آخر ما نحتاجه حرب مفتوحة مع الجيش التركي"، في ظل تعدد الجبهات القائمة أصلا، فالمؤسسة الأمنية تخشى الحرب، بينما يمكن للتوتر ذاته أن يخدم رواية انتخابية عنوانها أن نتنياهو يواجه أردوغان كما واجه إيران.

صناعة الخوف

أما رونين بيرغمان، الصحفي الاستقصائي والمختص بالاستخبارات في يديعوت أحرونوت، فيقدم تفسيرا أعمق للبيئة التي تسمح بتحويل 4 جبهات إلى حملة انتخابية.

ففي تحقيق راجع فيه بث 7 قنوات تلفزيونية و6 محطات إذاعية بين 12 يوليو/تموز و12 أغسطس/آب، رصد بيرغمان 15 قصة عن تهديدات أمنية، ووجد في 8 منها نمطا متكررا: مصادر أمنية مجهولة، وسيناريوهات شديدة الخطورة، وغياب معطيات كافية تسمح للجمهور بقياس حجم الخطر.

مصدر الصورة الدعاية تنتج صورة عالم يضيق حول إسرائيل، ويقف في مركزه نتنياهو بوصفه "القائد التاريخي" القادر على حمايتها (رويترز)

واللافت أن 5 روايات تهديد ظهرت خلال 48 ساعة فقط، وهي إعادة تسليح سوريا وإحياء سلاحها الجوي، وفشل قوة دولية في لبنان، وتحول تركيا إلى التهديد الرئيسي بعد إيران، وسيناريو عربي لحرب مستقبلية.

ولا يزعم بيرغمان وجود غرفة عمليات تدير حملة تخويف موحدة، بل يؤكد أن إيران وحماس وحزب الله وتركيا تحديات حقيقية، لكنّ ملاحظته المركزية أن التقييم يتحول إلى حقيقة، والخشية إلى خطة، والسيناريو إلى تهديد مباشر.

ومع اقتراب الانتخابات يصبح السؤال -وفق بيرغمان- ليس فقط ممَّ ينبغي أن يخاف الإسرائيليون، وإنما من الذي يُقدَّم باعتباره الوحيد القادر على إنقاذهم؟ وإجابته أن سلسلة إيران وتركيا وسوريا وحركة المقاومة الإسلامية ( حماس) تنتج صورة عالم يضيق حول إسرائيل، بينما يقف في مركزه نتنياهو بوصفه "القائد التاريخي" القادر على حمايتها.

غزة والوقت

غزة هي الاختبار الأكثر مباشرة لهذه المعادلة، فبن ديفيد يكشف عن أمر بتصعيد الهجمات خلال الأسبوعين الماضيين، بينما تتحرك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الاتجاه المعاكس لدفع المرحلة التالية من خطتها.

والأكثر دلالة أن "كان 11" كشفت في 17 أغسطس/آب أن نتنياهو أبلغ جاريد كوشنر بأن التقدم في خطة غزة "إشكالي بسبب الانتخابات"، أي أن الانتخابات دخلت بالفعل، وباعتراف منسوب لنتنياهو نفسه، حساب توقيت القرارات المتعلقة بالحرب والتسوية.

إعلان

وكان عاموس هرئيل، المحلل العسكري في هآرتس قد سبق هذا النقاش في 7 يوليو/تموز عندما اختار لمقاله عنوان "حرب سلامة المقاعد"، وكتب أن نتنياهو قد يعيد تنشيط جبهة غزة في إطار هدفه السياسي المركزي اجتياز الانتخابات.

تركيا البديلة

تمنح سوريا الحملة عنصرا إضافيا حيث يتم تحويل تركيا تدريجيا إلى الخصم الإستراتيجي التالي، فقد جاءت ضربة أبو الظهور رغم تحذيرات أمريكية وتركية، بينما قال مكتب نتنياهو إن دمشق سمحت لقوات تركية بالانتشار قرب حلب.

مصدر الصورة كاتب إسرائيلي يرصد انتقال تركيا إعلاميا خلال أسابيع من "تحد إستراتيجي" إلى "إيران القادمة" ثم "التهديد الأول" (الجزيرة)

وبحسب بن ديفيد، يقلق الجيش من استخدام تركيا قواعد جوية سورية ومن تنامي قوة بحريتها، لكنه يدرك في الوقت نفسه خطورة المواجهة، ولا سيما بسبب قرب الرئيس ترمب من أردوغان ونفوذ أنقرة في ملفي غزة وإيران.

وهنا يصبح نقد بيرغمان أكثر أهمية، إذ يرصد انتقال تركيا إعلاميا خلال أسابيع من "تحد إستراتيجي" إلى "إيران القادمة" ثم إلى "التهديد الأول".

كما أن تعليق باراك يمنح هذه النقطة بعدا سياسيا مباشرا، فإذا كانت أنقرة خطرا قابلا للاحتواء دبلوماسيا، فإن رفع منسوب المواجهة الآن يسمح بإضافة أردوغان إلى صورة "حلقة الأعداء"، وإعادة إنتاج المعادلة التي خدم بها نتنياهو الملف الإيراني سنوات طويلة.

لبنان المحسوب

في لبنان تبدو المعادلة أشد وضوحا، إذ كشف المراسل العسكري في "والا" أمير بوحبوط في 12 أغسطس/آب أن الجيش سيطر على معظم سلسلة علي الطاهر، وأن رئيس الأركان إيال زامير ووزير الدفاع يسرائيل كاتس دفعا إلى استكمال السيطرة رغم الخشية من الانتقادات الدولية وفي مقدمتها الأمريكية، لكنّ التقدم جمد لاحقا بسبب "الحساسية السياسية" من واشنطن والمفاوضات مع بيروت.

مصدر الصورة واشنطن قبلت التفسير الإسرائيلي للغارات على لبنان، لكنها تتوقع ضبط النفس كي لا تعطل مساراتها الدبلوماسية (الفرنسية)

وفي 16 أغسطس/آب، نقلت هآرتس أن الإدارة الأمريكية قبلت التفسير الإسرائيلي لجولة الغارات الأخيرة على لبنان، لكنها تتوقع من إسرائيل ضبط النفس حتى لا تعطل مساراتها الدبلوماسية، والأكثر دلالة أن الصحيفة أشارت إلى إدراك واشنطن للمصاعب السياسية التي يواجهها نتنياهو.

لذلك لا يحتاج نتنياهو إلى حرب لبنان الثالثة قبل الانتخابات، بل إلى معادلة تسمح له بالقول إنه حافظ على حرية الاغتيال والقصف والتوغل رغم اتفاق وقف إطلاق النار والضغط الأمريكي.

جبهة إيران المفتوحة

وتبقى إيران الجبهة المثالية انتخابيا لأنها لا تحتاج إلى حرب يومية، ويكفي إبقاء احتمال الجولة التالية قائما كي يبقى السؤال الأمني مهيمنا.

ويكشف بيرغمان كيف انتقل ادعاء غير موثق عن اعتراف مسؤول إيراني بتطوير السلاح النووي من الإنترنت إلى الإعلام الإسرائيلي، ثم إلى خطاب لنتنياهو، وبعدها إلى سياسيين وإعلام أمريكي، قبل أن يتبين أن التصريح المنسوب إليه لم يصدر بهذه الصيغة أصلا.

وهذه الآلية تخدم حملة يكون فيها التهديد مستمرا والنصر غير مكتمل، ونتنياهو يستطيع تسويق ضرب إيران باعتباره إنجازا تاريخيا، وفي الوقت نفسه استخدام استمرار الخطر لتبرير بقائه.

القوة والتبعية

وهنا تظهر مفارقة حملة نتنياهو، ففي دراسة نشرها معهد القدس للإستراتيجية والأمن في 17 أغسطس/آب، يرى البروفيسور إفرايم عنبار والباحث حاييم آسا أن إسرائيل أظهرت قدرة استثنائية على العمل ضد إيران وحزب الله وحماس والتأثير في موازين سوريا ولبنان وغزة، لكنّ اعتمادها على الولايات المتحدة وافتقارها إلى العمق الإستراتيجي يقيدان مكانتها كقوة إقليمية مستقلة.

وهذا تحديدا ما تحاول الدعاية الانتخابية إخفاءه بتصوير كل خلاف مع ترمب باعتباره برهانا على استقلال نتنياهو، رغم أن الولايات المتحدة فرضت أو رعت وقف النار في جبهات رئيسية، وتملك قدرة حقيقية على تحديد حدود التصعيد.

إعلان

ولم تعد عسكرة الحملة مجرد تحليل صحفي، ففي 19 أغسطس/آب -وفق تقرير إلينور شيركاني كوفمان في إسرائيل هيوم- تقدمت قائمة غادي آيزنكوت للجنة الانتخابات بطلب إزالة عشرات المنشورات لحساب نتنياهو، متهمة إياه باستخدام جنود حقيقيين وضباط وطائرات وأسلحة ومشاهد من العمليات في غزة وجنوب لبنان ضمن الدعاية الانتخابية.

وقبل يومين علق الليكود في تل أبيب ملصقا انتخابيا يضع القيادة الإيرانية وأردوغان وآخرين تحت شعار "إنهم يريدون أن يخسر نتنياهو"، هنا تكتمل الدائرة بأن يصبح العدو ملصقا، والجندي يصبح صورة حملة، والجبهة العسكرية تصبح صندوق اقتراع.

في الخلاصة لا يحتاج نتنياهو إلى أربع حروب شاملة، بل تكفيه أربع جبهات متوترة تبقي الأمن فوق الاقتصاد والمسؤولية عن 7 أكتوبر/تشرين الأول، لذلك يصبح السؤال حتى الانتخابات ليس فقط أين ستضرب إسرائيل، بل أين ينتهي الاعتبار الأمني ويبدأ توظيف الخوف في معركة البقاء السياسي.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا