في الفنيدق، لا يفصل الشباب عن سبتة ، الجيب الإسباني الواقع في شمال أفريقيا، سوى بضعة كيلومترات وسياج حديدي، لكن المسافة بين الحلم بالوصول إليها والقرار بالبقاء تبدو أكبر بكثير.
قبل 15 أغسطس، تحولت دعوات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي إلى تحركات ميدانية جديدة نحو الحدود، لكن خلف ذلك الموعد قصة مدينة تبحث عن بديل اقتصادي وشباب يرون في الهجرة فرصة. في المقابل، آخرون يتمسكون بالبقاء.
في الفنيدق، يختلط حلم العبور إلى سبتة بواقع اقتصادي صعب ليجد شبابها أنفسهم بين الهجرة والتمسك بالبقاء.صورة من: Zhor Baki/DWإلى الفنيدق، جاءت مليكة (اسم مستعار)، وهي أم لطفلين، بحثا عن فرصة "للعبور"، بعدما سمعت أن أشخاصا تمكنوا من الدخول إلى سبتة بعد أحداث 30 يوليو.
وبعينين مغرورقتين بالدموع، تقول مليكة، أم لفتاة في الثالثة من العمر وصبي في الثامنة، "حياتي تحت الصفر، ولا حياة لي".
بقيت الأم في الفنيدق استجابة لما سمعته عن اقتحام جديد لسبتة يوم 15 أغسطس. وطيلة هذين الأسبوعين، تقضي يومها في التنقل بين أزقة المدينة طلباً لما تطعم به أبناءها، وتبيت في العراء.
وأضافت في مقابلة مع DW عربية "أنا في وضعية قد أرتكب شيئاً ما في حق نفسي في أية لحظة، ابناي يجوعان، أنا تقريبا متشردة، بل أنا متشردة". وقالت، وهي تمسح دموعها، "أنا لا أملك عملا ولا سكنا مستقرا، وزوجي يعاني من اكتئاب من شدة الفقر. أحيانا يختفي فجأة ويتركني لوحدي مع الطفلين بدون مصاريف ولا مأوى."
وتابعت "وضعيتي صعبة جدا، وليس لدينا من يهتم بنا ويستطيع إعالتي أنا وأولادي، ولهذا أريد لهما أن يدخلا سبتة، سيدرسان وسنكون بخير".
وعلى الطرف الآخر من هذه الرحلة، يوجد أحمد، 22 عاما، الذي جاء من مدينة وادي زم إلى الفنيدق بعدما سمع عن محاولة العبور.
وفي مقابلة مع DW عربية، قال الشاب إنه لا يجد في مدينته فرصا كافية للعمل أو بناء مستقبل، مضيفا "الوضع يرثى له، ولا يوجد أي شيء في هذا البلد. أريد أن أهاجر من هذا المغرب والذهاب إلى دول أخرى. ليس لدي أمل في هذا البلد»، يقول أحمد غاضبا".
يتوقف أحمد عن حديثه ليساعد أحد أقاربه في بيع العصير ويمد كأس عصير برتقال لأحد الزبائن.
واستكمل حديثه، قائلا: "لا يوجد أي شيء في هذا البلد: لا عمل ولا صناعات ولا شركات ولا شيء. دخلي الحالي لا يساعدني ولا يكفي لبناء المستقبل".
يراقب محمد الدامي محاولات العبور من الفنيدق، لكنه يتمسك بالبقاء، مؤمنا بأن مخاطر الهجرة لا تستحق المجازفة ما دام قادرا على كسب رزقه.صورة من: Zhor Baki / DWوعلى مقربة من الحدود، يعيش محمد الدامي، 30 سنة، من التجارة الموسمية، لكنه يراقب محاولات الهجرة من موقع مختلف. فهو لا يفكر في الرحيل، رغم اعترافه بأن ظروف التجارة والعمل ليست مستقرة.
وقال في حديثه إلى DW عربية "أنا شخصيا لم أفكر يوما في الهجرة. أنا أبيع وأشتري وأعمل بشكل عادي؛ أحيانا تكون لدي الإمكانيات وأحيانا لا تكون. لدي إمكانية للهجرة، ولن ألقي بنفسي في البحر، في محاولة قد لا تنتهي بالوصول. وحتى الدخول إلى سبتة لا يستحق صراحة كل هذا العناء والمخاطرة. ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة".
وعن موجة العبور الأولى في نهاية يوليو، يقول الدامي "أتذكر أن الجميع كان متجها نحو البوابة، وأنا بقيت أعمل في هذا المكان. وكان الأمر عاديا بالنسبة إليّ. الإنسان، في نظري، إذا استطاع أن يعيش ويؤمّن حياته، فالحمد لله، أما المستقبل فهو بيد الله".
ويعتبر الدامي أن اليد العاملة نقصت بشكل كبير، وأنه في المستقبل القريب ستزيد قيمة وأجرة العامل لأنه سيكون "سلعة نادرة".
وعن دعوات الخامس عشر من أغسطس، قال الشاب "كنت أتوقع، بسبب الاستعدادات الأمنية وانتشار المخزن ، ألا يحدث شيء. وبصراحة، منذ دخل عدد كبير من الشباب لسبتة ثم عادوا منها، أصبحت نفسية الناس سيئة وانخفض الحماس كثيرا".
أما منير حمدوش، تاجر في عامه الرابع والثلاثين، فيعد نموذجا لمن اختاروا البقاء.
وعلى وجه تعلوه ابتسامة، قال حمدوش في مقابلة مع DW عربية، "لم أفكر يوما في الهجرة. لدي متجري وأسرتي وأطفال صغار، وحتى إن جاءتني الفكرة فلن أستطيع. بالنسبة لي، لو ربحت فقط 100 درهم وأطعمت بها أطفالي، فالحمد لله".
ويسترسل "إضافة إلى كل الأسباب، بعض الأشخاص لا يصبرون على العناء والشقاء، وغير قانعين. هي مسألة قناعة أيضا، لأشخاص أصبحوا يطمحون للأفضل ولأن تتوفر لهم كل الظروف من منزل وسيارة".
قدم أحمد قدم من وادي زم إلى الفنيدق أملا في العبور إلى سبتة، بعد أن فقد الثقة بفرص العمل وإمكانية بناء مستقبله في مدينته.صورة من: Zhor Baki/DWبالنسبة للتجار في الفنيدق، لا تنتهي تداعيات الهجرة عند الحدود. فمنير حمدوش، الذي يعمل في التجارة منذ 2012، فرغم اختياره البقاء في المغرب، إلا أنه يعترف بالوضع الاقتصادي الصعب الذي تعرفه المدينة.
وقال "ألاحظ انخفاضا في عدد السياح بنسبة 50 في المئة، وهذا التراجع في السياحة ينعكس مباشرة على التجار وأصحاب الأنشطة المرتبطة بالصيف".
وأضاف "نريد نهضة اقتصادية بالمدينة. حتى المشاريع فهي متوقفة، أو مبنية ولم تُدشّن بعد. المدينة تحتاج إلى بدائل اقتصادية، يجب إعادة النظر في هذا الوضع".
ويؤكد على ذلك محمد عزوز، ناشط في المجتمع المدني. وفي مقابلة مع DW عربية، اعتبر عزوز أن الفنيدق تحولت من "معبر للهجرة إلى قاعدة للهجرة من مناطق وجنسيات مختلفة وأصبحت كذلك معقلا للمهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء الذين يستغلون الفرصة لاقتحام مدينة سبتة، مما حول المدينة إلى وضع استثنائي".
قوات الشرطة المغربية تراقب مهاجرين أفارقة بمرتفعات مطلة على مدينة الفنيدق.صورة من: AP Photo/picture allianceويرى أن ذلك انعكس على اقتصاد المدينة والسياحة داخلها فضلا عن تأثير ذلك على صورة المدينة وسمعتها. وقال إن "الفنيدق ليست مجرد نقطة عبور نحو سبتة. فموقعها الجغرافي جعلها تاريخيا مرتبطة بالمدينة المجاورة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وعائليا بحكم المصاهرة، كما أن قربها من الحدود جعلها تتأثر مباشرة بكل تغير يطرأ على حركة العبور والهجرة".
ويسترسل عزوز حديثه، قائلا "لم تعد الهجرة مجرد أحداث متفرقة وإنما أصبحت معطى له أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية، في مدينة تعيش أصلا مرحلة انتقالية عميقة أصبحت فيها الهجرة جزءا أساسيا من صورتها ووظيفتها".
ويضيف أن استمرار الوضع الحالي يفرض البحث عن "بدائل اقتصادية حقيقية للمدينة"، خصوصا أن تداعياتها تصل أيضا إلى السكان والتجار والعاملين في السياحة، ويرى أن استمرار هذا الوضع دون بدائل اقتصادية حقيقية قد يجعل "الهجرة جزءا دائما من المشهد".
يؤكد منير حمدوش أنه لم يفكر في الهجرة لارتباطه بأسرته وعمله، معتبرا أن القناعة والصبر عاملان أساسيان.صورة من: Zhor Baki/DWويرى خبراء في دعوات الخامس عشر من أغسطس أنها أضافت عنصرا جديدا إلى ظاهرة الهجرة؛ إذ إن الكثير من الشباب الذين وصلوا إلى الفنيدق لم يتلقوا دعوة من تنظيم معلن، وإنما تابعوا ما كان ينتشر على هواتفهمالمحمول عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
بالنسبة لأحمد الدافري، الباحث في الإعلام والتواصل، فإن ما يحدث في الفنيدق يمثل "نموذجا جديدا من التعبئة الرقمية ، لا يحتاج بالضرورة إلى قائد واحد أو جهة مركزية تدير التحرك".
ويشرح الدافري أن منصات مثل تيك توك وفيسبوك وتطبيقات المراسلة يمكن أن تتحول إلى ما يشبه "قائدا افتراضيا"، عبر نشر الرسائل والفيديوهات وتبادل معلومات وتشجيع أشخاص على الانضمام إلى "تحرك جماعي"، على حد وصفه.
ويقول الدافري إن هذا النوع من المحتوى يمكن أن "يصنع واقعا افتراضيا يشعر فيه الفرد بأنه خارج المجموعة إذا لم يلتحق بها".
وأضاف أنه "حين تنتشر مقاطع فيديو بشكل مكثف، خصوصا تلك التي توثق محاولات سابقة نجح فيها أفراد في العبور، فإن ذلك يخلق شعورا بأن الجميع يرغب في الهجرة، وأن لا أحد يريد البقاء".
تحرير: محمد فرحان
المصدر:
DW