آخر الأخبار

رئيس مسلم في أوروبا "المسيحية".. لماذا لم يعد مستبعدا؟

شارك

فوز الطبيب المسلم من أصول مصرية، عبد الرحمن السيد (عبدول)، في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ بولاية ميشيغان، زعزع ثقة بعض الأصوات الأمريكية في شيء من المبالغة أن تظل أمريكا "دولة مسيحية".

كان معظم رؤساء الولايات المتحدة مسيحيين. وحتى الآن، لم يشغل البيت الأبيض أي يهودي أو بوذي أو مسلم أو هندوسي أو سيخي، أو أي شخص آخر من غير المسيحيين.

هذا ما حمل أوباما على أن يصرح مرارا وتكرارا بأنه كان ولا يزال مسيحيا. وذلك بعد الادعاء بأنه ألغى اليوم الوطني للصلاة، أو أنه يدعم بناء مسجد بالقرب من موقع مركز التجارة العالمي، للتشكيك في مسيحيته، وما يترتب عليه من استحقاقات -عرفية وليست دستورية- قد تضر بمنصبه.

ما حققه عبدول، اعتبره سياسيون أول عتبة لاحتمال تتويجه سيدا للبيت الأبيض يوما ما، ماذا يمنع ذلك؟ لا شيء، إذ إن رحم الغيب السياسي، يكتظ بما لا يتوقعه أحد مطلقا من مفاجآت. لا سيما أن التشريعات الأمريكية، وعلى رأسها الدستور، لا تضع أي خطوط حمراء، تمنع الناخب الأمريكي من انتخاب رئيس مسلم للولايات المتحدة، أو رئيس ينتمي إلى أي دين يختارونه، حتى لو لم يكن ينتمي إلى أي دين على الإطلاق. فقط يكون مستوفيا ثلاثة شروط أساسية: الحصول على الجنسية بالمولد، والعمر (35 عاما) أو أكثر، وأقام في الولايات المتحدة لمدة 14 عاما.

ورغم صعوبة تخيل ذلك حتى الآن على أقل تقدير، فإن بعض التكهنات كعادة مثل هذه المناسبات، لا تستبعد أسلمة "البيت الأبيض" في أي استحقاق رئاسي لاحق، واعتمدت تلك التكهنات على تفضيلات الناخبين فيما يتعلق بمعتقد المرشح، في مجتمع تتفوق فيه معدلات الإيمان بوجود الخالق بشكل كبير، مقارنة بأماكن مثل أوروبا، وحيث يأتي الإسلام في المرتبة الثانية بعد المسيحية.

الرجل الثاني في أمريكا -جيه دي فانس- لم يستطع السيطرة على انفعالاته، واعتبر فوز عبدول حدثا مزلزلا، واستعاذ بالله من أن "يصبح عبدول السيد رئيسا للولايات المتحدة بعد 3 أعوام".

في الانتخابات التشريعية الفرنسية المبكرة التي جرت في يوليو/تموز 2024، فاز نحو 19 نائبا من أصول عربية وإسلامية بمقاعد في الجمعية الوطنية "البرلمان الفرنسي"، جاء معظمهم ضمن تحالف "الجبهة الشعبية الجديدة" اليساري الذي تصدر النتائج

الحضور الديني -هنا- في الصراع السياسي، على المقعد الرئاسي، لم تخفه الإدانات الأيديولوجية التي عادة ما تشتبك مع مثل هذه التشنجات الدينية، فترمب ونائبه فانس تعمدا ذكر اسم عبدول كاملا "عبد الرحمن محمد السيد"، وهو أسلوب يذكّر بالطريقة التي يستخدم بها ترمب الاسم الأوسط لباراك أوباما: "حسين"، في إشارة لا تخطئها عين المراقب، تحذر ضمنيا من أن يحكم أمريكا رئيس مسلم. وذلك بدلا من التركيز على السياسات والبرامج.

إعلان

لم يخفِ "المكياج" المدني/العلماني، في دولة متعددة الإثنيات والديانات، منطق الإقصاء أو التحيز الديني في المحكات السياسية المفصلية الكبرى، خاصة إذا تماست مع أرفع منصب سياسي في البلاد.

في الانتخابات الرئاسية عام 2015 أثار المرشح الرئاسي "الجمهوري" الدكتور بن كارسون جدلا واسعا في برنامج "ميت ذا برس" على قناة "إن بي سي" "NBC"، حيث قال ردا على سؤال: "لن أؤيد وضع مسلم على رأس هذه الأمة. أنا أرفض ذلك رفضا قاطعا".

ثمة تصريحات اعتبرت خطيرة في حينها، تعقيبا على تصريحات كارسون من أبرزها فتوى مسيحية، أدانت -بالتلميح- وجود رئيس مسيحي في البيت الأبيض واعتبرته يخالف "نبوءات الكتاب المقدس". ثم ألقت بالكرة في ملعب المسلمين الأمريكيين، وقالت إنه يتعين عليهم أن يقرروا فيما بينهم ما إذا كان بإمكان مسلم أن يتولى منصب رئيس الولايات المتحدة أم لا، كما ورد ذلك نصا في موقع عالم الغد "Tomorrow’s World"، وهو المنصة الرسمية لبرنامج تلفزيوني ومجلة دورية يحملان الاسم ذاته، وترعاهما "كنيسة الله الحية" "Living Church of God".

حدث ذلك بالتزامن مع استطلاع رأي أجرته شركة "غالوب" "Gallup" الأمريكية الشهيرة، في اليوم التالي لتصريحات كارسون، وكانت النتائج صادمة وعلى غير كل التوقعات، حيث صرّح 60% منهم بأنهم سيصوتون شخصيا لمرشح رئاسي مؤهل تأهيلا جيدا، حتى لو كان مسلما.

وقد تم قياس المواقف تجاه رئيس مسلم محتمل، ضمن استطلاع رأي أوسع سأل الأمريكيين عما إذا كانوا سيصوتون لمرشح مؤهل تأهيلا جيدا ينطبق عليه أحد عشر وصفا مختلفا. ستة من هذه الأوصاف تتعلق بالدين: الكاثوليكية، واليهودية، والمورمونية، والمسيحية الإنجيلية، والإسلام، والإلحاد.

يكتسب هذا الاستطلاع أهميته من أنه في دولة تتمتع بهوية مسيحية متوسطة إلى عالية. ولا يزال الدين يلعب دورا أكبر في الحياة اليومية للأمريكيين مقارنة بسكان دول غرب وشمال أوروبا.

على الورق -إذن- فإن باب البيت الأبيض، يبقى مواربا لأي رئيس أمريكي مسلم محتمل، ولكن يظل السؤال بشأنه افتراضيا؛ لأن السيناريوهات المتوقعة بهذا الشأن لا تحسمها استطلاعات الرأي، ولا فوز مرشح مسلم هنا أو هناك في أي استحقاق انتخابي محلي أقل أهمية من منصب الرئاسة، فهناك "الدولة الموازية: الدولة العميقة" ومصالحها محسوبة بدقة، وما إذا كانت ستتضرر حال وقع هذا الحدث الدراماتيكي الكبير في واشنطن.

فمنذ أقل من عامين تم انتخاب أكثر من 40 أمريكيا مسلما في الانتخابات الأمريكية لمناصب عامة من نيويورك وفرجينيا إلى ميشيغان ونيوجيرسي وميريلاند وواشنطن وأوهايو وبنسلفانيا ونورث كارولينا. ويصاحب كل مكسب يحققه مرشح مسلم، صخب سياسي هائل، بشأن كل مساحة يستقطعها المسلمون من التمثيل المسيحي في المؤسسات التشريعية والرقابية في أمريكا.

في أوروبا، لم تعد للمسيحية إلا قيمتها الثقافية، إذ تحولت بمضي الوقت من "دين-عقيدة" إلى "هوية-ثقافة"، فإذا أسيء للمسيح في ذاته لا تغضب أوروبا، وإذا شعرت بأنها مهددة في هويتها "المسيحية" تقيم الدنيا ولا تقعدها!

وهذا عكس ما يحدث في دول شمال وغرب أوروبا، والتي تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية الامتداد التاريخي والجيوسياسي لها. لقد تولى مسلمون مناصب وزارية وفوق وزارية: مثل رئاسة الوزراء لحمزة يوسف في أسكتلندا، وساجد جاويد الذي أسند إليه في وقت سابق حقيبة الصحة والداخلية والخزانة في بريطانيا. وتتولى حاليا المسلمة شبانة محمود أرفع منصب أمني بريطاني "حقيبة الداخلية"، وكذلك صادق خان عمدة لندن.

إعلان

في الانتخابات التشريعية الفرنسية المبكرة التي جرت في يوليو/تموز 2024، فاز نحو 19 نائبا من أصول عربية وإسلامية بمقاعد في الجمعية الوطنية "البرلمان الفرنسي"، جاء معظمهم ضمن تحالف "الجبهة الشعبية الجديدة" اليساري الذي تصدر النتائج. وفي ألمانيا فاز 83 مسلما في البرلمان الألماني "البوندستاغ" عام 2022.

الوزن السياسي الإسلامي في أوروبا -إذن- يفوق بمراحل، من حيث الثقل والمكانة والأهمية، مثيله في الولايات المتحدة الأمريكية، ومع ذلك ليس بوسع أي مراقب، أن يسجل إدانات مستفزة لهذا الصعود اللافت والمتنامي في أوروبا، إلا على "هامش" الظاهرة، صادرة عن اليمين الشعبوي المتطرف فقط.

لعل ذلك يرجع إلى الفارق في الوظيفة السياسية والاجتماعية للدين، بين طرفي الأطلسي: أوروبا من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى:

في أوروبا، في المعظم لم تعد للمسيحية إلا قيمتها الثقافية، إذ تحولت بمضي الوقت من "دين-/عقيدة" إلى "هوية-ثقافة"، فإذا أسيء للمسيح في ذاته لا تغضب أوروبا، وإذا شعرت بأنها مهددة في هويتها "المسيحية" تقيم الدنيا ولا تقعدها! وهذه هي أصل مشكلة "أوروبا" مع "الإسلام" الأوروبي.

ولذا فإن الأخيرة لا تبحث عن "الصدام" ولكن عن "التعايش" مع إسلام "خاص" متصالح مع "هويتها" المسيحية، لا يهددها بـ"أسلمة" الشكل، بانتشار الحجاب والمساجد، أو ارتفاع مآذنها على أبراج الكنائس مثلا، ومن ثم سيظل جدل "الأسلمة" في أوروبا في حدود البحث عن صيغة لهذا التعايش، بعيدا عن الصدام "الديني" أو"الحضاري" المباشر.

الدين في الولايات المتحدة الأمريكية يختلف اختلافا حادا عن وظيفته في أوروبا، فإذا كان في الأخيرة- وكما أسلفت- محض عاصم من الذوبان والاختفاء التدريجي، فإنه في الأولى جزء "خفي" من العقيدة السياسية والأمنية الأمريكية، والتي تتمتع بحضور أساسي ومحوري، في وضع الأجندات والسياسات وإدارة الأزمات الدولية.

ثمة تقارير روسية لا تعتمد على أسس موثوق بها، تقول إنه بحلول عام 2050، سيصبح الاتحاد الأوروبي إسلاميا. وتدعي بدء بعض الأشخاص في أوروبا بالفعل باستبدال النجمة التي تعلو شجرة عيد الميلاد بهلال، وهو رمز إسلامي

لذا كان لافتا أن تصدر نظريتا: "صدام الحضارات" و" نهاية التاريخ" من المحاضن الثقافية بالولايات المتحدة، وليس من أوروبا، رغم أن الأخيرة ما انفكت تكابد مشقة كبيرة في الدفاع عن هويتها المسيحية أمام تنامي ظاهرة الإسلام الرمزي في مدنها الكبرى وفي قراها.

تبقى الإشارة -هنا- إلى أن ما يتردد عن "أسلمة أوروبا"، ليس أكثر من سردية أمريكية من جهة وبروباغندا روسية من جهة أخرى، ولكل طرفٍ منهما حاجةٌ في نفسه.

لم يتم تقديم أي دليل لدعم هذا الادعاء. وتُعد هذه الحالة مثالا على السرديات المتكررة الموالية للكرملين حول "أسلمة أوروبا" وتآكل القيم الأوروبية وتهديدها.

من جهة أخرى، كتب الأمريكي الشهير "مارك ستاين" في كتابه "أمريكا وحدها.. نهاية العالم كما نعرفها" عن الوظيفة الدينية للولايات المتحدة الأمريكية، مبينا أنها الوحيدة التي ستحمي المسيحية من الإسلام، بعد أن تختفي أوروبا بالتدرج وتحولها إلى ولايات إسلامية.

وذلك بالتزامن مع وجود مفكرين أمريكيين يتبنون ذات الرؤية، ولا يمكن بحال فصلها عن الثقافة الضاربة في عمق العقل الأمريكي التي تستمد تعاليمها، من التراث الهوليودي، وصورة رامبو -الرجل الأمريكي الأبيض السوبر- الذي أسندت إليه الطبيعة -وحده فقط- مهمة إنقاذ العالم من الأشرار، والإسلام في القلب منه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا