آخر الأخبار

معهد دراسات الأمن القومي.. كيف يفكر عقل إسرائيل؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في كل صيف، تنعقد في إسرائيل حلقة نقاش إستراتيجي، حيث يجتمع رؤساء أركان سابقون، ورؤساء أجهزة استخبارات متقاعدون، ووزراء حاليون، وقادة أحزاب، وكبار الباحثين والخبراء، لمناقشة أكثر الملفات إلحاحا على الطاولة الإسرائيلية. ويحدث ذلك في إطار "مؤتمر الأمن القومي" الذي ينظمه معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، أحد أبرز مراكز الفكر الإستراتيجي في إسرائيل وأكثرها تأثيرا في دوائر صنع القرار الأمني.

ولإدراك أهمية هذا المؤتمر، لا بد أولا من التعرف إلى المؤسسة التي تقف وراءه، ومكانتها في دوائر الأمن القومي الإسرائيلي، قبل تناول أبرز ما طُرح في نسخته الأخيرة، التي عُقدت في أواخر يوليو/تموز 2026، وشملت 17 جلسة تناولت مختلف التحديات الأمنية، مع تركيز خاص على رسم خريطة التهديدات التي يُتوقَّع أن تواجه إسرائيل خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة.

مصدر الصورة مقر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (موقع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي)

النشأة والجذور

نشأ معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في سياق المراجعات التي أعقبت حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، بعدما تبلورت داخل إسرائيل قناعة بأن أحد أبرز أسباب المفاجأة إستراتيجية في بداية الحرب هو غياب جهة مستقلة خارج المؤسسة العسكرية والأمنية تتولى اختبار الفرضيات التي تبني عليها الحكومة والجيش تقديراتهما الأمنية. ومن هذا المنطلق، بادرت جامعة تل أبيب إلى إنشاء مركز متخصص للدراسات الإستراتيجية يتولى تقديم تقديرات مستقلة، وإخضاع افتراضات المؤسسة الأمنية للمراجعة والنقد.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 مذبحة المبتدئين.. ما الذي تخفيه أوبن إيه آي وأنثروبيك عن مستقبلك المهني؟
* list 2 of 2 طريق الموت.. رحلة موريتاني إلى آخر الحلم الأمريكي وعودته منه end of list

وأُسندت مهمة تأسيس المركز إلى اللواء المتقاعد أهارون ياريف، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، الذي أصر على أن يتمتع المركز باستقلال عن مؤسسات الدولة، كي يتمكن من أداء دوره النقدي بحرية. وهكذا أُنشئ مركز الدراسات الإستراتيجية عام 1978، ليلعب دور منصة إنتاج تقديرات موجهة لصناع القرار، تسهم في مراجعة الفرضيات الأمنية، وتشكيل الإدراك العام للتهديدات، فضلا عن إضفاء شرعية أكاديمية على بعض التوجهات والسياسات الأمنية الإسرائيلية.

"واجه المركز في سنواته الأولى تحفظا داخل الأوساط العسكرية والأكاديمية الإسرائيلية، لكنه نجح خلال فترة وجيزة في تعزيز مكانته"

وفي عام 1983، سُمي بمركز جافي للدراسات الإستراتيجية بعد حصوله على دعم مالي من رجل الأعمال الأمريكي ميلفين جافي. ورغم أن المركز واجه في سنواته الأولى قدرا من التحفظ داخل الأوساط العسكرية والأكاديمية الإسرائيلية، فإنه نجح خلال فترة وجيزة في تعزيز مكانته من خلال دراسات تناولت أبرز قضايا الأمن القومي، مثل الصراع العربي الإسرائيلي، والقضية الفلسطينية، والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، والحد من التسلح، والعلاقات المدنية العسكرية. ومع مرور الوقت، تراجعت مقاومة المؤسسة الرسمية لمشاركة المركز في النقاشات الأمنية، وأصبح يُنظَر إليه بوصفه ساحة محايدة تجمع العسكريين والدبلوماسيين والأكاديميين لمناقشة القضايا الإستراتيجية بعيدا عن الاعتبارات الحزبية.

مصدر الصورة أهارون ياريف يتحدث في مؤتمر صحفي عام 1970 (غيتي)

شهدت نهاية التسعينيات توسعا ملحوظا في أنشطة المركز البحثية، فأطلق عام 1998 مجلة "التقييم الإستراتيجي"، التي أصبحت من أبرز الدوريات الإسرائيلية المتخصصة في شؤون الأمن القومي. كما طوَّر أنشطته لتشمل المؤتمرات السنوية، والمنتديات المغلقة، وجلسات العصف الذهني، وتحوَّل إلى منصة للحوار بين صناع القرار وقادة الرأي من مختلف الاتجاهات. وحرص المعهد على استضافة الوزراء وقادة الأجهزة الأمنية الحاليين، وزعماء المعارضة، والمرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة، بل وحتى الشخصيات التي تُوجِّه انتقادات للسياسات الحكومية.

إعلان

وبحلول عام 2006 واجه "مركز جافي" أزمة مالية وإدارية تطلبت ضخ رأس مال جديد وإعادة هيكلته، ولذا تواصل إيتمار رابينوفيتش، رئيس جامعة تل أبيب آنذاك، مع رجل الأعمال الأسترالي اليهودي فرانك لوي، الذي تولى رئاسة المركز، وأطلق عليه اسمه الحالي "معهد دراسات الأمن القومي"، وتوسع نطاق عمله ليشمل برامج جديدة عن الصين وروسيا ودول الخليج، إضافة إلى تناول المرونة المجتمعية، والأمن السيبراني، وأمن الطاقة، والتكنولوجيا.

"تكشف مسيرة معهد دراسات الأمن القومي عن الارتباط الوثيق بينه وبين النخبة الأمنية الإسرائيلية"

وتكشف مسيرة قادة المعهد عن الارتباط الوثيق بينه وبين النخبة الأمنية الإسرائيلية. فمنذ تأسيسه، تعاقب على رئاسته أكاديميون ودبلوماسيون وجنرالات بارزون، كان من أبرزهم عاموس يدلين، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، الذي قاد المعهد بين عامي 2011 و2021، قبل أن يتولَّى رئاسته في عام 2024 تامير هايمان، الرئيس السابق لذات الشعبة، ما يعني أن المعهد يلعب دور حلقة الوصل بين المؤسسة الأمنية، والجامعات، وصناع القرار، ويساهم في التجسير بين إنتاج الإستراتيجية وصياغة السياسات في إسرائيل.

مصدر الصورة عاموس يدلين المدير التنفيذي السابق لمعهد دراسات الأمن القومي (الفرنسية)

مؤتمر عام 2026

انعقد مؤتمر الأمن القومي الإسرائيلي لعام 2026 بتنظيم مشترك بين معهد دراسات الأمن القومي وصحيفة يديعوت أحرونوت، في ظرف وصفه القائمون على المؤتمر بأنه استثنائي من حيث تراكم الأزمات: حرب ممتدة منذ نحو ثلاث سنوات في غزة، وجولات قتال متكررة مع إيران، وتصعيد للتوتر في الضفة الغربية ولبنان، وتآكل في العلاقة مع الولايات المتحدة، إلى جانب استحقاق انتخابي في أكتوبر/تشرين الأول المقبل يُوصَف بأنه مصيري. ومن ثمَّ كان المؤتمر فرصة لتقييم أداء إسرائيل طيلة السنوات الثلاث الماضية، كما وفَّر منصة لتقديم آراء المرشحين لرئاسة الحكومة المقبلة أمام الرأي العام وأمام مجتمع الخبراء في آن واحد.

ضم برنامج المؤتمر مزيجا من الجلسات التحليلية المتخصصة، التي تناولت قضايا مثل خريطة التهديدات، والملف النووي الإيراني، وهجرة العقول، ومستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلى جانب جلسات حوارية مع عدد من الوزراء الحاليين المثيرين للجدل، أبرزهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.

كما خُصصت سلسلة من المقابلات تحت عنوان "اختبار القيادة" لاستعراض رؤى أبرز المرشحين المحتملين لقيادة إسرائيل، وشملت رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، ورئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، ووزير الدفاع الأسبق وزعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، ورئيس حزب "أزرق أبيض" ووزير الدفاع سابقا أيضا بيني غانتس، والجنرال احتياط يائير غولان، نائب رئيس الأركان الأسبق وزعيم حزب "الديمقراطيين"، ورئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس. واختُتم المؤتمر بكلمة لرئيس المعهد، تامير هايمان، حاول فيها استخلاص أبرز الاستنتاجات التي أفرزتها جلسات المؤتمر، وصياغة رؤية للتحديات التي تواجه إسرائيل.

مصدر الصورة بيني غانتس زعيم حزب "أزرق – أبيض" (الصحافة الإسرائيلية)

التهديدات الخمسة

افتُتِح المؤتمر بعرض نتائج دراسة أعدَّها فريق بحثي في المعهد بقيادة الباحث الأول يوفال ألون، استندت إلى استطلاع شمل 1000 إسرائيلي، إضافة إلى 150 خبيرا ومسؤولا وصانع قرار، طُلِب منهم تقييم 14 سيناريو تهديد وفق أربعة معايير: مدى خطورة كل سيناريو، واحتمال وقوعه، وحجم الضرر المترتب عليه، ومدى استعداد الدولة للتعامل معه.

إعلان

وأوضح ألون، رئيس الفريق البحثي، أن الدراسة تعمَّدت توسيع دائرة المشاركين لتشمل الجمهور، انطلاقا من قناعة بأن "حكمة الجمهور" قد تكشف زوايا لا ينتبه إليها الخبراء، فضلًا عن أن إدراك الرأي العام لطبيعة التهديدات يمثل عاملا مهما ينبغي أن يضعه صناع القرار في الحسبان عند رسم السياسات الأمنية.

"إسرائيل تواجه منظومة من المخاطر المتداخلة، تتصدرها 5 تهديدات رئيسية"

وخلصت الدراسة إلى أن إسرائيل تواجه منظومة من المخاطر المتداخلة، تتصدرها 5 تهديدات رئيسية: احتمال اندلاع صراع أهلي عنيف داخل المجتمع الإسرائيلي، وامتلاك إيران سلاح نووي، والتعرُّض لهجوم صاروخي واسع النطاق، وتقويض الطابع الديمقراطي للدولة، وأخيرًا تآكل الدعم الأمريكي لإسرائيل.

وقد أوضح "ألون" أن نحو 97% من الجمهور أبدوا قلقًا من التهديدات الداخلية مقارنة بنحو 83% أبدوا قلقًا من التهديدات الخارجية. وتشير هذه النتيجة، إلى انزياح في الوعي الجماعي الإسرائيلي، فبعد سنوات من التركيز على الأعداء الخارجيين، بات الإسرائيليون أكثر قلقًا من الانقسام الداخلي ومما سيعقب الانتخابات من تصدُّعات، وذلك باعتبار أن فقدان الوحدة الداخلية يجعل من الصعب مواجهة التهديدات الخارجية.

كما رصدت الدراسة تصاعدا في مؤشرين لم يكونا ضمن أولويات التقديرات الأمنية الإسرائيلية سابقا. الأول تنامي المخاوف من العزلة الدولية وتآكل الدعم الخارجي، لا سيما الدعم الأمريكي، إذ رأى 25% من المشاركين أن احتمال تراجع هذا الدعم أصبح سيناريو واقعيا، مُحذِّرين من أن تحقُّقه سيضاعف من خطورة التهديدات الخارجية ويُقلِّص قدرة إسرائيل على احتوائها.

أما الثاني فيتعلق بتزايد القلق من تراجع الإنتاجية الاقتصادية في ظل التحولات الديموغرافية، مع اتساع الفجوة بين الفئة السكانية المنتجة التي تعمل وتدفع الضرائب وتؤدي الخدمة العسكرية، وبين فئات أخرى ذات نمو سكاني مرتفع، وفي مقدمتها الحريديم، الذين تنخفض معدلات مشاركتهم في سوق العمل والخدمة العسكرية، بما يثير مخاوف من تداعيات ذلك على قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها الأمنية والاقتصادية على المدى الطويل.

"رصدت دراسة للمعهد تنامي مخاوف الإسرائيليين من العزلة الدولية وتآكل الدعم الخارجي، لا سيما الدعم الأمريكي"

وحين انتقلت الدراسة إلى مستقبل القضية الفلسطينية، طُلب من المشاركين تقييم 3 خيارات: ضم الأراضي الفلسطينية مع منح الفلسطينيين حقوقًا متساوية، أو إقامة دولة فلسطينية، أو تحوُّل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية. وأظهرت النتائج وجود إجماع على اعتبار سيناريو الدولة ثنائية القومية الأخطر، في حين ظل الموقف من الخيارين الآخرين منقسمًا وفقًا للانتماءات السياسية بين اليمين واليسار. وخلصت الدراسة إلى أن أبرز تهديد يواجه إسرائيل هو تزامن عدة تهديدات في ذات الوقت ما يصعب مهمة التصدي لها.

تآكل شبكة الأمان الأمريكية

شكل مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة أحد أبرز محاور المؤتمر، وحظي بنقاش عبر جلستين: الأولى مقابلة مع رئيس المعهد تامير هايمان، والثانية حوار مع العميد احتياط عساف أوريون، الباحث الأول في المعهد، والذي قاد سابقا هيئة التخطيط بالجيش الإسرائيلي.

تحدَّث هايمان عن أن التهديد الإستراتيجي الأكبر الذي يواجه إسرائيل اليوم ليس إيران التي توقَّفت عن تخصيب اليورانيوم نتيجة الضربات الإسرائيلية والأمريكية، إنما هو تراجع الدعم الشعبي والسياسي الأمريكي لإسرائيل، حيث بدأت "شبكة الأمان الأمريكية" التي استندت إليها إسرائيل تتآكل بصورة مقلقة. واستشهد هايمان ببيانات إحصائية تشير إلى أن نحو 86% من الأمريكيين دون سن الخمسين من المنتمين إلى الحزب الديمقراطي يحملون مواقف سلبية تجاه إسرائيل، بينما تصل هذه النسبة إلى 56% داخل الحزب الجمهوري، وتمتد الظاهرة لتشمل أكثر من نصف الشباب الإنجيليين الذين شكَّلوا تاريخيًا قاعدة دعم صلبة لإسرائيل، وكل هؤلاء سيشكلون مستقبل السياسة الأمريكية في العقود القادمة حين يشغل بعضهم المناصب القيادية في البيت الأبيض والحكومة والكونغرس.

إعلان

وأرجع هايمان هذا التراجع في الدعم إلى عوامل داخلية أمريكية، من بينها التغيُّرات الثقافية والسياسية في المجتمع، إلى جانب حملات مرتبطة بالقضية الفلسطينية جعلت الصهيونية مرادفة للفاشية. كما أشار إلى تصاعد مواقف معادية لإسرائيل في أوساط اليمين الأمريكي، في ظل صعود نزعات قومية وهوياتية جديدة. وقد شدَّد على خطورة تغيُّر طبيعة العلاقة من علاقة مؤسسية بين دولتيْن إلى نمط شخصي يعتمد على رئيس بعينه، ما يجعل مستقبل العلاقة رهينة مزاج الرئيس ترمب (ومن يأتي بعده).

"بدأت شبكة الأمان الأمريكية التي استندت إليها إسرائيل تتآكل بصورة مقلقة"

ولمواجهة هذا المسار، دعا هايمان إلى تبني إستراتيجية متعددة المسارات تشمل تعزيز التواصل مع اليهود الأمريكيين، وطرح رؤية سياسية تمنح أفقا للمستقبل وتُظهر إسرائيل بوصفها دولة صغيرة تسعى إلى الأمن والسلام، إلى جانب تعميق العلاقات مع أوروبا باعتبارها مصدرًا مهمًا لسلاسل التوريد العسكرية، والعمل على توسيع نطاق اتفاقيات أبراهام لتعزيز اندماج إسرائيل في محيطها الإقليمي.

أما عساف أوريون، فقد حذر من أن ربط العلاقة مع الولايات المتحدة بشخص الرئيس الأمريكي يخلق حالة من الهشاشة الإستراتيجية. وأشار إلى أن إسرائيل فوجئت في أكثر من محطة بقرارات أمريكية هامة اتُّخِذت دون إطلاعها مسبقا على جميع تفاصيلها، مستشهدًا بمذكرة التفاهم مع إيران، والاتفاق النووي الأمريكي مع السعودية.

وطرح أوريون مجموعة توصيات لصانع القرار الإسرائيلي المقبل، أبرزها إعادة فحص العقيدة الأمنية التي تبلورت منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لمعرفة مدى صلاحيتها، فقد كشفت الحرب الحالية عن الكلفة والقيود التي تفرضها الحروب الطويلة، وأن مواصلة الحرب دون حلول سياسية أمر غير ممكن. كما دعا إلى تعزيز العلاقة مع واشنطن من منظور إستراتيجي طويل الأمد، وتنويع ركائز الدعم الدولي، والحفاظ على العلاقات مع أوروبا، التي تمثل الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، وتجنُّب الدخول في صدامات غير ضرورية معها.

"ربط العلاقات الإسرائيلية الأمريكية بشخص الرئيس الأمريكي يخلق حالة من الهشاشة إستراتيجية لإسرائيل"

كذلك دعا أوريون إلى إعادة صياغة الخطاب الإسرائيلي تجاه الولايات المتحدة، بحيث يجيب عن سؤال ماذا تستطيع إسرائيل أن تقدم للولايات المتحدة، خاصة في ظل انتقال مركز الثقل في الإستراتيجية الأمريكية نحو منافسة الصين. وبرأيه، يتيح هذا الأمر لإسرائيل فرصة لإعادة تموضعها بوصفها شريكا تكنولوجيا وعسكريا في المنافسة العالمية مع بكين. وأكد على أن تآكل المكانة الدولية قد يحدث بسرعة كبيرة، بينما تتطلَّب استعادة الثقة وبناء السمعة سنوات طويلة من العمل المتواصل، مُحذرًا من أن الحفاظ على الشرعية الدولية جزء لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي الإسرائيلي.

مصدر الصورة أوريون حذر من أن ربط العلاقات الإسرائيلية الأمريكية بشخص الرئيس الأمريكي ترمب (يمين) يخلق حالة من الهشاشة الإستراتيجية (أسوشيتد برس)

خطر هجرة العقول

خصَّص المؤتمر جلسة لبحث ظاهرة "هجرة العقول"، بمشاركة البروفيسور تامير شيفر رئيس الجامعة العبرية في القدس، والبروفيسور آري زابان رئيس جامعة بار إيلان، إلى جانب عضو مجلس إدارة المعهد والجنرال احتياط رام أمينوح، الرئيس السابق لقسم الميزانيات في وزارة الدفاع الإسرائيلية.

وانطلقت الجلسة من عدة مؤشرات مقلقة، إذ أظهرت البيانات أن نحو 16% من الإسرائيليين الحاصلين على درجة الدكتوراه يقيمون خارج إسرائيل، بينما ترتفع النسبة إلى أكثر من 25% بين الحاصلين على الدكتوراه في الرياضيات، مع معدلات مرتفعة مماثلة في تخصصات الفيزياء والكيمياء والأحياء. كما أُشير إلى أن نحو ربع خريجي الدكتوراه في معهد وايزمان للعلوم لا يعيشون داخل إسرائيل، في مؤشر على تصاعد نزيف الكفاءات العلمية.

"ربع خريجي الدكتوراه في معهد وايزمان للعلوم لا يعيشون داخل إسرائيل، في مؤشر على تصاعد نزيف الكفاءات العلمية"

وتكتسب هذه الأرقام أهمية في ضوء ما طرحه البروفيسور تامير شيفر، الذي وصف المنظومة الأكاديمية الإسرائيلية بأنها أصل إستراتيجي من الدرجة الأولى لا يقل أهمية عن القدرات العسكرية، نظرًا لدورها المحوري في دعم الأمن القومي، والاقتصاد، والقطاع الصحي، والتفوق التكنولوجي. وحذر شيفر من أن هذا الأصل بات يواجه تهديدا متزايدا نتيجة تداخل عدة عوامل، أبرزها نقص الموارد المالية، وتراجع الدعم السياسي للجامعات، وتصاعد "المقاطعة الأكاديمية الصامتة"، التي تتجلى في الانخفاض الملحوظ في الحصول على المنح البحثية الأوروبية، رغم أن الاتحاد الأوروبي يُعد أكبر مُمول للأبحاث العلمية في إسرائيل.

إعلان

فقد تراجع عدد الباحثين الإسرائيليين الشباب الحاصلين على منح "المجلس الأوروبي للبحوث" من نحو 30 باحثا سنويا في العقد الماضي إلى 11 باحثا فقط في عام 2026، وهو ما كلَّف الجامعة العبرية نحو مئة مليون شيكل في العام الجاري، مع خسارة مضاعفة نتيجة ارتباط كل منحة أوروبية بتمويل حكومي إسرائيلي مواز.

كما أشار المشاركون إلى تراجع الإنفاق الحكومي على التعليم العالي من نحو 3% إلى 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بدول مثل سنغافورة التي تخصص نسبة ثابتة تبلغ 5% من موازنتها العامة للتعليم العالي، إضافة إلى خفض إضافي بلغ 700 مليون شيكل من موازنة التعليم العالي جرى تحويل جزء منه إلى أنشطة إعلامية بوزارة الخارجية.

ورغم هذه الصورة القاتمة، أبدى المشاركون تفاؤلا حذرا مستندين إلى نجاح بعض برامج إعادة استقطاب الباحثين، فقد أعادت جامعة بار إيلان أكثر من 100 باحث خلال السنوات الخمس الأخيرة، مع العلم بأن إعادة باحث واحد تتطلب استثمارا يتراوح بين مليونين وخمسة ملايين دولار لتجهيز مختبره وبنيته البحثية. وقد شدَّد المشاركون على أن العائدين يضعون 3 شروط لا يتنازلون عنها، وهي توافر بيئة بحثية ملائمة بتمويل وتجهيزات كافية، والانفتاح على التعاون العلمي الدولي بعيدًا عن آثار المقاطعة الأكاديمية، وضمان الحرية الأكاديمية وحمايتها من التدخلات والضغوط السياسية.

"أغلب الإنجازات التكنولوجية الإسرائيلية، من القبة الحديدية إلى تقنيات الحوسبة الكمومية، تعود جذورها إلى أبحاث جامعية سابقة"

وربط المشاركون بين هذا الملف وبين الأمن القومي، مستشهدين بأن أغلب الإنجازات التكنولوجية الإسرائيلية، من منظومة "القبة الحديدية" إلى تقنيات الحوسبة الكمومية والأجهزة الطبية، تعود جذورها إلى أبحاث جامعية سابقة، ومن ثم فأي تراجع في التفوق الأكاديمي سيؤدي إلى تراجع في القدرة العسكرية وفقدان التفوق التكنولوجي.

وشدَّد المتحدثون على أهمية الدور الحكومي في تحفيز الابتكار، موضحين أن دعم وزارة الدفاع للشركات يكفي فيه أن تقدم نحو 5% من قيمة الاستثمار، فهذه المساهمة المحدودة تمنح المستثمرين وصناديق رأس المال الثقة لضخ بقية التمويل، بما يضاعف أثر كل شيكل تنفقه الدولة. أما غياب هذا الدعم، فيضعف ثقة المستثمرين ويؤدي إلى خسارة فرص استثمارية وتقنية مهمة لمستقبل الاقتصاد والأمن الإسرائيليين.

المرونة الوطنية

خصَّص المؤتمر إحدى جلساته لمناقشة أوضاع البلدات الإسرائيلية المحاذية للحدود اللبنانية تحت عنوان "تحدي المرونة الوطنية"، بمشاركة موشيه دافيدوفيتش، رئيس المجلس الإقليمي "ماتيه آشر"، وإيديت غيتلمان، الباحثة الأولى في معهد دراسات الأمن القومي، ولي كوهين، نائبة رئيس التخطيط والإستراتيجية في مديرية تيكوما للشمال، وهي هيئة حكومية أُنشئت لتنسيق جهود إعادة تأهيل وتنمية البلدات الشمالية المتضررة من المواجهة مع حزب الله.

كشفت الجلسة عن أزمة ثقة بين سكان المناطق الحدودية مع لبنان والحكومة، تعود جذورها إلى تجربتيْن متتاليتيْن: صدمة السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم خيبة أمل لاحقة بعد وعود حكومية بانتهاء التهديد عقب حرب 2024 ضد حزب الله، قبل أن يتبين لاحقا أن الحزب أعاد بناء بعض قدراته، وتمكَّن من إطلاق صواريخه ومُسيراته مجددا تجاه الشمال.

ووجَّه دافيدوفيتش انتقادات حادة لطريقة إدارة عمليات الإخلاء التي تلت أحداث 7 أكتوبر ، معتبرًا أنها خلقت منطقة خالية من السكان داخل الأراضي الإسرائيلية بدلا من "تعزيز الصمود"، ودعا إلى أن تُدار أي عمليات إخلاء مستقبلية بشفافية أكبر، بحيث يَطَّلِع السكان على حقيقة الوضع الأمني دون مبالغة أو طمأنة غير واقعية، منتقدًا الخطاب الرسمي الذي أعلن مرارًا القضاء على التهديد، في حين استمرت المخاطر الأمنية على الأرض. كما طالب بأن تتحول الوعود الحكومية المتعلقة بإعادة الإعمار، من بناء المستشفيات والمدارس وتطوير البنية التحتية، إلى مشاريع ملموسة، مُحذرًا من تنامي شعور سكان الشمال بأنهم أصبحوا "مواطنين من الدرجة الثانية".

الملف النووي الإيراني

شكَّل الملف الإيراني أحد أهم محاور المؤتمر، إذ خُصِّصَت له جلسة بمشاركة من 3 أبرز المتخصصين في الشأن الإيراني داخل المعهد، من بينهم سيما شاين، الرئيسة السابقة لدائرة الأبحاث في جهاز الموساد، وداني سيترونوفيتش، الرئيس السابق لفرع إيران في شعبة الاستخبارات العسكرية.

وقدَّمت الجلسة تقييمًا تقنيًا وسياسيًا لنتائج العمليات العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، وخلصت إلى أن هذه العمليات ألحقت أضرارًا كبيرة بمواقع التخصيب الرئيسية وببعض الكوادر العلمية، لكنها لم تقض على البرنامج النووي الإيراني من جذوره. فلا تزال إيران تحتفظ بمخزون يقارب 450 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي كمية تكفي نظريًا لإنتاج 10 قنابل نووية، إلى جانب عدد كبير من أجهزة الطرد المركزي، فضلًا عن بقاء الكوادر العلمية والهندسية القادرة على مواصلة المشروع.

اختلفت تقديرات المشاركين حول مدى قُرب إيران من عتبة السلاح النووي، فقد رأت سيما شاين أن الحرب اندلعت لأن إسرائيل اعتبرت أن تراكم القدرات الإيرانية بات يشكل تهديدًا وجوديا يستوجب التحرك، بينما ذهب سيترونوفيتش إلى أن مؤشرات ثلاثة (تحويل مخزون كبير من اليورانيوم المخصب من نسبة 20% إلى 60%، وإعادة تفعيل الفريق الإيراني المسؤول عن تصميم السلاح النووي، وتصريحات إيرانية داعية إلى تغيير العقيدة النووية) تشي بأن إيران كانت على بعد خطوة قصيرة جدًا من امتلاك السلاح، وأن العملية العسكرية كانت ضرورية إستراتيجيا.

"تختلف التقديرات الإسرائيلية حول مدى قُرب إيران من عتبة السلاح النووي"

واتفق المشاركون على أن الخطاب الداخلي الإيراني تغير في الملف النووي؛ فبعد أن كانت طهران تُصِر على البقاء "دولة على عتبة السلاح النووي" استنادا إلى فتوى دينية تُحرم إنتاجه، باتت الأصوات المطالبة بامتلاك القنبلة هي المهيمنة داخل مراكز النفوذ، مستندة إلى منطق مفاده أن إيران تحمَّلت كلفة العقوبات والضغوط والعمليات العسكرية، ومن ثمَّ لم يعد هناك ما يبرر التراجع عن امتلاك وسيلة ردع نووية.

ورغم اتفاق المشاركين على خطورة الوضع، فقد تباينت رؤاهم للحل، فبينما اعتبر بعضهم أن العمل العسكري والاستخباري ضروري لتأخير المشروع النووي، ذهب آخرون إلى أن الاتفاق النووي السابق (JCPOA)، رغم عيوبه، كان الأداة الأكثر فاعلية في كبح المشروع النووي الإيراني، داعين إلى إعادة خيار التفاوض إلى الطاولة بدلا من الاكتفاء بالخيار العسكري.

نتنياهو يحمل خريطة يصف فيها سوريا والعراق وإيران بدول "اللعنة" في الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2025 (الفرنسية)

ما وراء خريطة التهديدات

في جلسة استضافت درور شالوم، الرئيس السابق للدائرة السياسية الأمنية في وزارة الدفاع، والمستشار الحالي في بنك جي بي مورغان، دار الحديث عن استكشاف الفرص المتاحة التي يمكن لإسرائيل استثمارها في المرحلة المقبلة. ووصف شالوم الوضع الإسرائيلي بأنه يحتاج إلى قدر من "التواضع الإستراتيجي"، موضحًا أن إسرائيل حققت على المستوى العسكري إنجازات كبيرة، لكنها لم تحقق حسمًا في أي من جبهاتها المفتوحة، سواء في غزة أو مع إيران، كما تراجعت مكانتها الدولية إلى أدنى مستوياتها.

وانطلاقا من هذا التقييم، دعا شالوم إلى استثمار ما وصفها بالفرصة التاريخية الناشئة عن التطورات الجارية في سوريا ولبنان لبناء تفاهمات جديدة، حتى مع أطراف قال إنه لا يثق بها شخصيا، مثل الرئيس السوري أحمد الشرع، بما يخدم هدف نزع سلاح حزب الله وتعزيز الاستقرار على الجبهة الشمالية. وكذلك دعا شالوم إلى تعزيز العلاقات مع الأردن ومصر، وتوسيع اتفاقيات أبراهام لتشمل مشروعات اقتصادية كبرى، مع تعزيز آفاق التعاون مع دول أوروبية وآسيوية مثل قبرص واليونان واليابان والدول الإسكندنافية.

"إسرائيل حققت إنجازات كبيرة على المستوى العسكري، لكنها لم تحقق حسما في أي من جبهاتها المفتوحة"

وفي الملف الفلسطيني، شدد شالوم على ضرورة استكمال "الإنجاز العسكري" بمبادرة سياسية تجاه غزة بالتعاون مع أطراف إقليمية ودولية، مع مواصلة ملاحقة عناصر حركة حماس حول العالم لمنعهم من إعادة بناء الحركة، ومحذرا من أن القوة العسكرية وحدها، من دون رؤية سياسية، لن تنتج استقرارا.

نهاية أوسلو والبحث عن بديل

شاركت في جلسة "إذا لم يكن الحل إدارة الصراع، فماذا إذن؟" نعومي نويمان، التي شغلت سابقا منصب رئيسة شعبة الأبحاث في جهاز الشاباك، والدكتورة أنات روث، والعميد احتياط عودي ديكل، كبير الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي. وانطلق المشاركون من تشخيص مفاده أن اتفاقيات أوسلو فقدت قدرتها على تنظيم العلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ورأوا أن السياسات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية الحالية تُكرِّس لضم أجزاء من الضفة الغربية.

وحذَّر الثلاثة من أن الاستمرار في هذا المسار سيضع إسرائيل أمام واقع يضم نحو 3 ملايين فلسطيني يعيشون داخل نطاق سيطرتها دون حقوق سياسية، ما اعتبروه نموذجا "غير قابل للاستدامة". واستندوا في ذلك إلى نماذج محاكاة أعدها المعهد بالاستفادة من تجارب دولية مشابهة، خلصت إلى أن مثل هذا الواقع ينتهي عادة إلى أحد مسارين: إما إقامة منظومة أمنية أكثر قمعا تتطلب عددا كبيرا من عناصر الجيش وأجهزة الشرطة، مع ما يرافق ذلك من أعباء سياسية واقتصادية، أو مواجهة ضغوط دولية متزايدة قد تدفع إسرائيل إلى تقديم تنازلات لم تكن مستعدة لها.

في المقابل، رأى المشاركون أن حل الدولة الواحدة القائم على منح حقوق متساوية لجميع السكان يتعارض، من وجهة نظرهم، مع هدف الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية. ودعت الجلسة إلى "خطوات انتقالية" تحفظ إمكانية الفصل مستقبلًا بين الشعبيْن اليهودي والفلسطيني، مع التحذير من تكرار تجربة الانسحاب الأحادي من غزة، وضرورة تبني سياسة تمنع قيام دولة فلسطينية أو قيام دولة ثنائية القومية، بحجة أن تأجيل الحل النهائي خيار أفضل من اتخاذ قرار متسرع يصعب التراجع عنه.

اختبار القيادة.. المرشحون تحت المجهر

مثَّلت سلسلة المقابلات مع القادة السياسيين الجزء الأكثر جذبا للاهتمام الإعلامي في المؤتمر، إذ تحوَّل منبر المعهد إلى منصة لاستعراض برامج المرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة قبيل الانتخابات القادمة.

وقد شدَّد غادي آيزنكوت على ضرورة إعادة الصلاحيات الأمنية إلى الجيش ووزارة الدفاع للحفاظ على وحدة القرار الأمني بعد أن وُزِّعَت الصلاحيات على عدة جهات لاعتبارات ائتلافية، ودعا إلى قانون تجنيد شامل، ورفض الحديث عن إقامة دولة فلسطينية مع تمسُّكه بضرورة الفصل بين المقاومين وسائر السكان الفلسطينيين، وحذَّر من انفجار الوضع في الضفة الغربية، واعتبر أن إيران هي حجر الأساس في التهديدات التي تواجه إسرائيل، وأكد أنه يريد إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية ليبرالية، واعتبر أن بقاء السلطة الفلسطينية أفضل من أن تتحمل إسرائيل مسؤولية إدارة 2.8 مليون فلسطيني.

"اعتبر آيزنكوت أن بقاء السلطة الفلسطينية أفضل من أن تتحمل إسرائيل مسؤولية إدارة 2.8 مليون فلسطيني"

ومن جهته، تحدث رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت عمَّا أسماه "عقيدة الأخطبوط" التي تدعو إلى استهداف "رأس" التهديد الإيراني، وإسقاط النظام في طهران بأدوات عسكرية واقتصادية وسياسية بدلا من الاستنزاف في قتال أذرعه الإقليمية، كما دعا إلى تصنيف قطر "دولة عدوة" في حال توليه رئاسة الحكومة، وتعهد بجعل إسرائيل "غوريلا في الغابة" لردع خصومها، مع الاعتماد على الحروب القصيرة السريعة بدلا من نهج بنيامين نتنياهو بعد 7 أكتوبر ، كما تعهد بتوسيع نطاق اتفاقيات أبراهام لتشمل دولا أخرى في المنطقة وحتى خارجها مثل إندونيسيا.

أما أفيغدور ليبرمان فانتقد ما وصفها بسياسة الاحتواء التي أوصلت إسرائيل إلى حرب استنزاف استمرت 3 سنوات، ودعا إلى بناء قوة صاروخية باليستية إسرائيلية تُقلِّل الاعتماد على الدعم الأمريكي في أي عملية عسكرية مستقبلية، وشدَّد على رفضه نهج "الأرض مقابل السلام"، وشدَّد على أن تكون الحرب القادمة مع إيران هي الأخيرة بحيث تشمل تغيير النظام، وعزا فشل حرب فبراير/شباط 2026 في تحقيق ذلك إلى تنفيذ محاولة إسقاط النظام بطريقة خاطئة. ودعا إلى بناء تحالفات مع ما وصفها بـ"الدول العربية السنية المعتدلة" في مواجهة "التنظيمات المتطرفة داخل العالم الإسلامي"، حسب تعبيره.

وفي المقابل، دعا كل من بيني غانتس ويائير غولان إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، مع التأكيد على ضرورة ترجمة الإنجازات العسكرية إلى مبادرة سياسية. وشدَّد غولان على ضرورة الفصل بين المقاومين والسكان المدنيين في الضفة الغربية، محذرًا من مخاطر ضم ملايين الفلسطينيين على الهوية اليهودية لإسرائيل، ودعا لدعم اتفاق نووي جديد بين الولايات المتحدة وإيران، مع تجنب اللهث وراء أهداف غير واقعية مثل إسقاط النظام الإيراني.

"دعا بيني غانتس ويائير غولان إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة"

وقدَّم وزيرا الحكومة الحاليان سموتريتش وإيتمار بن غفير رؤية مغايرة جذريا، إذ دافع سموتريتش عن سياسة توسيع الاستيطان في الضفة الغربية باعتبارها حزامًا أمنيًا لإسرائيل، وجدَّد حرصه على جلب مليون مستوطن إضافي، وأوضح أن حلمه هو فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة، واصفا نابلس بأنها أرض آبائه وأجداده، وأن ما يفعله اليوم يُمهد الطريق لذلك. أما بن غفير فقد دافع عن سياسته القمعية في إدارة ملف الأسرى، وتحدث عن أهمية تشجيع الهجرة من غزة والضفة، وتحدث عن الفارق بينه وبين سموتريتش قائلا إن الأخير يتوجه إلى فئة محددة ضمن تيار الصهيونية الدينية، بينما هو يتوجه إلى الجمهور الإسرائيلي كله.

وفي جلسة مستقلة، تناول رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس العلاقة بين اليهود والعرب في إسرائيل، مشيرًا إلى ارتفاع نسبة تأييد فكرة مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة الإسرائيلية من نحو 5% إلى قرابة 40% خلال السنوات الأخيرة، وطالب بتوسيع مشاركة المواطنين العرب في الحياة العامة الإسرائيلية، مع دعوته إلى معالجة أزمة العنف والجريمة المنظمة داخل المجتمع العربي بوصفها مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

الرسالة الختامية

اختُتم المؤتمر بمداخلة لرئيس المعهد تامير هايمان، حاول فيها الجمع بين الخيوط المتشابكة التي طُرحت خلال جلساته. ووصف المشهد الإستراتيجي الإسرائيلي بأنه بالغ التعقيد، مؤكدًا أنه لا يمكن تصنيفه ببساطة على أنه جيد أو سيئ، لأن كل جبهة تحمل في الوقت نفسه عناصر قوة وعناصر ضعف. ودعا إلى الانتقال من منطق إدارة الأزمات اليومية إلى بلورة رؤية شاملة للأمن القومي، تشمل الأبعاد العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وشدَّد هايمان على أن أخطر ما يواجه إسرائيل اليوم هو التآكل التدريجي في العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، محذرًا من أن فقدان "شبكة الأمان" هذه قد يكون أول حجر دومينو يؤدي إلى تفاقم بقية التحديات، من الملف النووي الإيراني إلى القضية الفلسطينية. كما دعا إلى عدم الاكتفاء بالعلاقة الشخصية مع الإدارة الأمريكية الحالية، والاستعداد مبكرًا لمرحلة ما بعدها، محذرًا من أن الواقع الحالي جعل حواس إسرائيل الإستراتيجية تتبلَّد.

واختتم هايمان مداخلته بالتأكيد على أن مستقبل الأمن القومي الإسرائيلي يرتبط بقدرة إسرائيل على الاندماج في الشرق الأوسط وتغيير الصورة السائدة عنها بوصفها عاملًا لعدم الاستقرار. ورأى أن بناء شراكات أمنية واقتصادية مع دول المنطقة يتطلب إظهار استعداد سياسي، ولو على مستوى الخطاب، للانخراط في مسار تسوية، مقترحًا البدء باتفاقات أمنية مع سوريا ولبنان بوصفها خطوة أولى نحو بناء منظومة إقليمية للتعاون والأمن المشترك.

ومن خلال تتبع جلسات المؤتمر، يمكن ملاحظة أن العديد من النقاشات انتهت إلى نتيجة واحدة: إسرائيل حققت إنجازات عسكرية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكنها تواجه في المقابل استنزافا يطال أسس قوتها، إذا لم تُعِد النظر في سياساتها الداخلية والخارجية.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا