آخر الأخبار

المعركة الأصعب في سوريا لم تبدأ بعد

شارك

تدخل سوريا اليوم مرحلة تختلف، في طبيعتها ومتطلباتها، عن السنوات التي انشغل فيها السوريون بإدارة الصراع وتداعياته. فمع تراجع أولوية المواجهة العسكرية، وصعود الحديث عن إعادة الإعمار، والإصلاح المؤسسي، والانتقال السياسي، تتغير الأسئلة التي ينبغي أن تشغل صنّاع القرار والرأي العام معا.

ولم يعد السؤال الأكثر أهمية هو كيف تُدار المرحلة الانتقالية، بل كيف يمكن أن تتحول هذه المرحلة إلى نقطة انطلاق لبناء دولة قادرة على الاستمرار بعد انتهاء ترتيباتها المؤقتة.

قد يبدو الفرق بين السؤالين محدودا، لكنه في الحقيقة يعكس اختلافا جوهريا في طريقة التفكير. فإدارة المرحلة الانتقالية تعني التعامل مع استحقاقات زمنية محددة، مثل تشكيل الحكومة، وإعداد الدستور، وإجراء الانتخابات، وإعادة تنظيم الحياة السياسية.

أما بناء الدولة، فهو مشروع يتجاوز هذه الاستحقاقات جميعا، لأنه يتعلق بإعادة تأسيس المؤسسات التي ستحمل الدولة لعقود، بغض النظر عن الحكومات التي ستتعاقب أو التحالفات السياسية التي ستتغير.

لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو كيف تُدار المرحلة الانتقالية، بل كيف يمكن أن تتحول هذه المرحلة إلى نقطة انطلاق لبناء دولة قادرة على الاستمرار بعد انتهاء ترتيباتها المؤقتة

وهذا التمييز ليس ترفا فكريا، بل هو أحد أهم الدروس التي كشفتها تجارب الدول الخارجة من النزاعات.

فقد نجحت دول عديدة في تنظيم انتخابات حرة، وأقرت دساتير جديدة، وشكلت حكومات حظيت باعتراف داخلي وخارجي، لكنها عادت بعد سنوات قليلة إلى أزمات سياسية أو أمنية، لأن الدولة نفسها بقيت ضعيفة، ومؤسساتها عاجزة عن تحويل الشرعية السياسية إلى قدرة فعلية على الحكم.

وفي المقابل، استطاعت دول أخرى أن تعبر مراحل انتقالية معقدة لأنها لم تكتف بإعادة تشكيل السلطة، بل أعادت بناء مؤسسات الدولة بالتوازي مع إعادة بناء النظام السياسي.

إعلان

ولعل هذا هو الفارق بين بناء السلطة وبناء الدولة. فبناء السلطة يركز على من يحكم، وكيف يصل إلى الحكم، وما هي القواعد الدستورية التي تنظم انتقاله.

أما بناء الدولة، فيتعلق بالسؤال الأعمق: هل تمتلك المؤسسات القدرة على تنفيذ ما تقرره السلطة؟ وهل تستطيع الاستمرار في أداء وظائفها الأساسية إذا تغيرت الحكومات أو تبدلت موازين القوى السياسية؟

في كثير من الأحيان، يجري الخلط بين الشرعية والقدرة. فالانتخابات تمنح الحكومات شرعية، والدستور يمنحها إطارا قانونيا، لكن أيا منهما لا يضمن، بمفرده، قدرة الدولة على إدارة شؤونها بكفاءة.

فالشرعية قد تفتح باب الحكم، لكنها لا تكفي لإدارة الدولة إذا كانت المؤسسات تعاني ضعفا في الكفاءة، أو نقصا في الموارد، أو تضاربا في الصلاحيات، أو غيابا للمساءلة.

ولهذا، فإن أحد أكبر الأخطاء التي وقعت فيها بعض التجارب الانتقالية كان الاعتقاد بأن الاتفاق السياسي سيقود تلقائيا إلى بناء مؤسسات قوية، بينما أثبت الواقع أن المؤسسات نفسها تحتاج إلى مشروع مستقل لإعادة بنائها وتطويرها.

وفي الحالة السورية، تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة. فسنوات الصراع لم تترك آثارها على البنية التحتية والاقتصاد فقط، بل امتدت إلى الإدارة العامة، وسوق العمل، والخدمات، والبيئة التشريعية، والعلاقة بين الدولة والمجتمع.

إن أحد أكبر الأخطاء التي وقعت فيها بعض التجارب الانتقالية كان الاعتقاد بأن الاتفاق السياسي سيقود تلقائيا إلى بناء مؤسسات قوية، بينما أثبت الواقع أن المؤسسات نفسها تحتاج إلى مشروع مستقل لإعادة بنائها وتطويرها

ولذلك، فإن إعادة البناء لا ينبغي أن تُفهم بوصفها إعادة إعمار للمدن والمنشآت وحدها، وإنما بوصفها إعادة بناء لقدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية بكفاءة وعدالة واستدامة.

ومن هنا، فإن معيار نجاح المرحلة المقبلة لن يكون عدد المؤسسات التي يُعاد افتتاحها، ولا عدد القوانين التي تصدر، بل مدى قدرة هذه المؤسسات على أداء وظائفها.

فالدولة الحديثة لا تقاس بحجم أجهزتها، ولا بعدد العاملين فيها، وإنما بقدرتها على فرض سيادة القانون، وإدارة الموارد العامة بكفاءة، وتقديم خدمات ذات جودة، وحماية الحقوق، وتسوية النزاعات بصورة عادلة، والتخطيط للمستقبل بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات.

ولهذا السبب، لم تعد أدبيات بناء الدولة الحديثة تنظر إلى الدولة باعتبارها مجموعة من الوزارات أو الهيئات، بل باعتبارها قدرة مؤسسية. أي قدرة على اتخاذ القرار، وتنفيذه، ومتابعته، وتصحيحه عند الحاجة.

وهذه القدرة هي التي تفسر لماذا تستطيع بعض الدول مواجهة الأزمات الاقتصادية أو الأمنية بأقل الخسائر، بينما تتعثر دول أخرى تمتلك موارد أكبر، لكنها تفتقر إلى مؤسسات قادرة على تحويل هذه الموارد إلى نتائج.

ولعل ما يحتاجه النقاش السوري اليوم هو الانتقال من التركيز على شكل الدولة إلى التركيز على جودة الدولة. فشكل النظام السياسي، مهما بلغت أهميته، لن يكون كافيا إذا لم يصاحبه إصلاح حقيقي للإدارة العامة، وتعزيز لاستقلال القضاء، وتحديث لمنظومة التشريع، ورفع لكفاءة المؤسسات الاقتصادية، وإرساء قواعد واضحة للمساءلة والشفافية.

إعلان

فالدولة لا تستمد قوتها من اتساع صلاحياتها، بل من جودة أدائها، ومن قدرتها على خدمة المجتمع وفق قواعد مستقرة وعادلة.

وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى الإصلاح المؤسسي بوصفه نقطة الانطلاق التي تنتظم حولها بقية الأولويات. فالإدارة العامة ليست مجرد جهاز بيروقراطي ينفذ التعليمات، وإنما هي الأداة التي تتحول من خلالها السياسات العامة إلى نتائج ملموسة.

بناء الدولة لا ينفصل عن إعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. فالعقد الاجتماعي ليس مجرد مفهوم سياسي، بل هو الإطار الذي ينظم الحقوق والواجبات المتبادلة، ويؤسس لعلاقة تقوم على الثقة والمسؤولية

وإذا بقيت هذه الأداة ضعيفة، فإن أفضل الخطط الاقتصادية، وأفضل التشريعات، وحتى أفضل الاتفاقات السياسية، ستظل عاجزة عن تحقيق أهدافها على أرض الواقع.

غير أن الإصلاح المؤسسي لا يقتصر على إعادة تنظيم الوزارات أو تحديث اللوائح الإدارية، بل يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن.

فالدولة الحديثة لا تُبنى فقط من أعلى، عبر القرارات والتشريعات، وإنما تُبنى أيضا من أسفل، من خلال الثقة التي يكتسبها المواطن في مؤسساتها.

وهذه الثقة لا تُفرض بالقانون، ولا تصنع بالخطاب السياسي، وإنما تتشكل عندما يلمس المواطن أن القانون يطبق على الجميع، وأن الخدمات تقدم بمعايير عادلة، وأن مؤسسات الدولة تستجيب لاحتياجاته وتحاسب على أدائها.

ومن هنا، فإن قوة الدولة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها نقيضا للمشاركة المجتمعية أو توسيع المجال العام. فالدولة القوية ليست تلك التي تحتكر كل الأدوار، وإنما التي تمتلك مؤسسات فاعلة، وتتيح في الوقت نفسه للمجتمع والقطاع الخاص والسلطات المحلية الإسهام في تحقيق التنمية وصنع السياسات ومراقبة الأداء.

وقد أثبتت تجارب كثيرة أن المشاركة المجتمعية لا تضعف الدولة، بل تمنحها شرعية أوسع، وتوفر لها مصادر إضافية للخبرة والرقابة والدعم، ما دامت تجري ضمن إطار قانوني ومؤسسي يحفظ وحدة الدولة ويحدد المسؤوليات بوضوح.

وفي السياق نفسه، تبرز أهمية اللامركزية الإدارية بوصفها إحدى أدوات بناء الدولة، لا مدخلا لإضعافها. فاللامركزية الرشيدة لا تعني نقل السلطة خارج الدولة، وإنما توزيعا أكثر كفاءة للمسؤوليات بين المركز والإدارات المحلية، بما يسمح بسرعة الاستجابة لاحتياجات المواطنين، ويرفع جودة الخدمات، ويعزز المساءلة على المستوى المحلي.

وعندما تُبنى اللامركزية على قواعد دستورية وقانونية واضحة، فإنها تسهم في تعزيز تماسك الدولة، لأنها تجعلها أكثر قدرة على الوصول إلى المجتمع، لا أقل حضورا فيه.

كما أن بناء الدولة لا ينفصل عن إعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. فالعقد الاجتماعي ليس مجرد مفهوم سياسي، بل هو الإطار الذي ينظم الحقوق والواجبات المتبادلة، ويؤسس لعلاقة تقوم على الثقة والمسؤولية.

فالمواطن يحتاج إلى دولة تحمي حقوقه، وتوفر له الأمن والخدمات والعدالة، والدولة تحتاج في المقابل إلى مواطن يحترم القانون، ويسهم في التنمية، ويشارك في الشأن العام. وكلما اختل هذا التوازن، ضعفت قدرة الدولة على أداء وظائفها, حتى وإن امتلكت مؤسسات كبيرة أو موارد وفيرة.

ربما يحتاج النقاش السوري إلى إعادة ترتيب أولوياته، فبدل أن يبقى محصورا في الأسئلة المتعلقة بشكل النظام السياسي أو تفاصيل المرحلة الانتقالية، ينبغي أن يتجه بصورة أكبر إلى السؤال الذي سيحدد مستقبل سوريا بعد 10 سنوات أو 20 سنة: كيف نبني دولة تستطيع أن تستمر بكفاءة، مهما تغيرت الحكومات، ومهما تبدلت التوازنات السياسية؟

ولهذا أيضا، لا يمكن النظر إلى العدالة الانتقالية باعتبارها ملفا قانونيا منفصلا عن مشروع بناء الدولة. فالتعامل مع إرث الانتهاكات، وإنصاف الضحايا، وترسيخ مبدأ المساءلة، لا يهدف فقط إلى معالجة الماضي، وإنما إلى تأسيس علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، قوامها أن القانون هو المرجعية التي يحتكم إليها الجميع.

إعلان

ومن دون هذا الأساس، يصعب بناء ثقة مستدامة في مؤسسات الدولة، أو إقناع المواطنين بأن المرحلة الجديدة تمثل بالفعل قطيعة مع ممارسات الماضي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، كثيرا ما يُطرح سؤال التمويل بوصفه التحدي الأكبر أمام إعادة بناء سوريا. ولا شك في أهمية الموارد، لكن التجارب المقارنة تشير إلى أن المشكلة لا تكمن في حجم الموارد وحده، وإنما في قدرة المؤسسات على إدارتها.

فالدول لا تحقق التنمية المستدامة لأنها تمتلك موارد أكبر، بل لأنها تمتلك مؤسسات أكثر كفاءة في توظيف هذه الموارد، ووضع أولويات واضحة، وضمان الشفافية والمساءلة، وتهيئة بيئة مستقرة للاستثمار والإنتاج.

ولهذا، فإن بناء المؤسسات يسبق التنمية، لأنه يخلق البيئة التي تجعل النمو الاقتصادي ممكنا وقابلا للاستمرار.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل مشروع إعادة بناء الدولة عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بسوريا. فنجاح أي عملية تعافٍ يحتاج إلى محيط يساعد على الاستقرار، ويشجع التعاون الاقتصادي، ويحد من التوترات التي تستنزف موارد الدولة وتعرقل أولوياتها التنموية.

كما أن إعادة الإعمار واستقطاب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا والخبرات تتطلب علاقات خارجية مستقرة وبيئة دولية أكثر قابلية لدعم التعافي.

غير أن العامل الخارجي، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع أن يعوض غياب المؤسسات الوطنية القادرة على إدارة هذه الفرص وتحويلها إلى نتائج ملموسة. فالدعم الخارجي قد يسرع عملية البناء، لكنه لا يستطيع أن يبني الدولة نيابة عن أبنائها.

ولذلك، ربما يحتاج النقاش السوري إلى إعادة ترتيب أولوياته، فبدل أن يبقى محصورا في الأسئلة المتعلقة بشكل النظام السياسي أو تفاصيل المرحلة الانتقالية، ينبغي أن يتجه بصورة أكبر إلى السؤال الذي سيحدد مستقبل سوريا بعد 10 سنوات أو 20 سنة: كيف نبني دولة تستطيع أن تستمر بكفاءة، مهما تغيرت الحكومات، ومهما تبدلت التوازنات السياسية؟

إن المراحل الانتقالية، مهما امتدت، تبقى بطبيعتها مؤقتة، بينما الدولة مشروع دائم، وقد تنجح دولة ما في إدارة مرحلة انتقالية، لكنها لن تحقق الاستقرار إذا بقيت مؤسساتها عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية.

أما عندما تنجح في بناء مؤسسات قوية، وسيادة قانون راسخة، وإدارة عامة كفؤة، وعقد اجتماعي قائم على الثقة، فإنها لا تنجح فقط في تجاوز آثار الصراع، بل تؤسس لدولة قادرة على حماية الاستقرار، وإطلاق التنمية، واحتواء الأزمات المستقبلية.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يوجه التفكير في سوريا اليوم ليس كيف تنتهي المرحلة الانتقالية، بل ماذا سيبقى بعدها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران مصر السعودية

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا