في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يعد الحديث عن مضيقي هرمز وباب المندب بابا في دروس الجغرافيا أو مجرد عنوان للأزمات السياسية في الصراع الجيوسياسي بين الدول، بل تحول إلى معادلة يومية تُحسب على وقعها فواتير الوقود، وأقساط تأمين الناقلات، وأسعار الخبز في أسواق تبعد آلاف الكيلومترات عن هذين الممرين.
فبين مياه هرمز التي لا يتعدى اتساعها 39 كيلومترا تفصل إيران عن عُمان، ومياه المندب المتشعبة بين اليمن ودول بالقرن الأفريقي، يمر ما يقارب خُمس نفط العالم ومثله من غازه المسال من جهة، وأكثر من عُشر تجارته البحرية الشاملة من جهة أخرى، في معادلة لا تحتمل انقطاعا طويلا من دون أن يشعر بها كل بيت في آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وقد كشفت الأشهر الخمسة الماضية عن أن هذين الشريانين لم يعودا مجرد تهديد في يد القوى الفاعلة بالمنطقة أو من خارجها، بل باتا ساحة فعلية للتصعيد وتصدير الأزمات نحو العالم كله؛ فحين تراجعت تدفقات النفط عبر هرمز بنسبة 30% خلال الربع الأول من 2026 إثر المواجهة مع إيران، قفز خام برنت أكثر من 45% ليتخطى حاجز 100 دولار للبرميل.
وحين أعلنت جماعة أنصار الله ( الحوثيين) في يوليو/تموز الماضي حصارها البحري على السعودية واستهدافها ناقلتين محمّلتين بالنفط، تحولت المخاوف من احتمال نظري إلى واقع تشغيلي غيّرت على إثره 8 ناقلات مساراتها خلال يومين فقط.
وما بين موجة تصعيد وهدنة هشة، ومحادثات أميركية إيرانية لا تزال نتائجها معلقة حتى صباح اليوم الخميس حول مصير حرية الملاحة في هرمز، وانعكاس ذلك في باب المندب، يبقى السؤال الملح: أي الممرين يملك فعلا مفتاح أمن الطاقة والتجارة العالميين؟ وأيهما أقدر على إحداث الصدمة الأعمق حين يتوقف الإبحار فيه؟ وهذا التقرير يجيب عن ذلك في 5 نقاط.
تفرض الطبيعة البنيوية للمضيقين دورا محوريا في صياغة الاقتصاد العالمي، حيث يتحول مضيق هرمز إلى "خزان الطاقة الأهم عالميا" الذي لا تقبل أهميته القسمة على بدائل متوفرة حاليا أو حتى في المدى القريب. بينما يبرز باب المندب كجسر لوجستي عابر للقارات يربط مصانع الشرق بأسواق الغرب.
وهذا التباين الوظيفي يجعل من الأول صمام أمان للصناعة العالمية، ومن الثاني نبضا لحركة السلع الاستهلاكية وسلاسل الإمداد التي لا تهدأ.
ويستند مدير معهد الكربون لأبحاث الطاقة والمناخ كريم الجندي في تحليله لخصوصية مضيق هرمز إلى كونه الممر الوحيد الذي يضخ نحو 20% من صادرات الغاز المسال العالمية، مما يجعل أي اضطراب فيه نذيرا بفقدان 30 مليون طن من الغاز هذا العام وحده إذا استمر الاضطراب.
وبينما تتجه الأنظار نحو هرمز كشريان طاقة، يرى خبير الشؤون الإستراتيجية والأمن البحري اللواء محمد عبد الواحد أن باب المندب يمثل "مضيق ترانزيت" بامتياز، إذ يمر عبره ما بين 8.7 و9.3 ملايين برميل نفط يوميا، لكن الكتلة الأكبر من حمولاته تتركز في تجارة الحاويات والسلع الغذائية وسلاسل الإمداد الصناعي.
وهذه الأهمية تزداد خطورة في تحليل الباحث في الشؤون العسكرية والإستراتيجية علي الذهب عندما يؤكد أن خطورة هرمز تنبع من كونه يمرر خُمس إمدادات الطاقة العالمية في ممر ضيق لا تملك الأنابيب البديلة حوله القدرة على امتصاص صدمة توقفه، حيث لا تتجاوز طاقة المناورة عبر الخطوط السعودية أو الإماراتية أو العراقية كميات محدودة جدا مقارنة بحجم التدفقات الأصلية، وهو ما يمنح هرمز ثقلا اقتصاديا يفوق أي ممر آخر.
تتحول الممرات البحرية عند اندلاع الأزمات من قنوات للتبادل إلى أدوات للضغط الاقتصادي وصفقات على طاولة المفاوضات، حيث تتجاوز التداعيات مجرد تأخير الشحنات لتصل إلى إعادة هيكلة كلف الشحن والتأمين العالمية.
وبينما يؤدي التوتر في هرمز إلى زلزال في أسعار الطاقة، يتسبب الاضطراب في باب المندب في اختناق سلاسل الإمداد وارتفاع كبير في كلفة المعيشة حتى ولو على بعد آلاف الكيلومترات من الشرق الأوسط.
ويرسم الجندي -في تصريحاته للجزيرة نت- صورة قاتمة لتبعات المواجهة في هرمز، مشيرا إلى أن أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب قفزت من 0.25% إلى نحو 10% من قيمة السفينة، مما يعني أن الناقلة الواحدة باتت تدفع نحو 10 ملايين دولار للرحلة الواحدة مقابل 250 ألف دولار سابقا.
وإذا كان هرمز يضرب عصب السعر، فإن باب المندب يضرب مرتكزي الوقت والكلفة التشغيلية معا، ويوضح مستشار الاقتصاد والنقل الدولي زياد الهاشمي -في تصريحات للجزيرة- أن شركات النقل والتأمين كانت تراقب منذ بداية المواجهة الأميركية الإيرانية تطورات المضيقين معا، مؤكدا أن انتقال التوتر إلى باب المندب زاد الضغوط على أسواق الطاقة العالمية ورفع مستويات المخاطر أمام شركات الشحن والتأمين.
ويشير الهاشمي إلى أن المخاطر لا تزال حتى الآن ضمن حدود يمكن إدارتها، مبينا أن نحو 27 سفينة، بينها ناقلات نفط وسفن تجارية، واصلت عبور باب المندب في يوم واحد رغم التهديدات، وهو ما يعكس استمرار الثقة النسبية في إمكانية مواصلة الملاحة.
وتكشف التقارير المقارنة أن التكلفة الإجمالية المباشرة لتحويل السفن بعيدا عن باب المندب تُقدر بين 15 و20 مليار دولار سنويا، بينما قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب من 10 آلاف دولار إلى ما بين 150 و500 ألف دولار للرحلة، وارتفع مؤشر شنغهاي لأسعار شحن الحاويات بنسبة تتجاوز 149% ليتخطى 3600 دولار للحاوية.
وهذا الفارق بين المضيقين انعكس بوضوح أيضا في أرقام تحويل الشحنات؛ فإعادة توجيه شحنات النفط من ميناء ينبع السعودي عبر رأس الرجاء الصالح تضيف نحو 3000 إلى 4000 ميل بحري للرحلة (أو نحو 10 آلاف ميل وفق بيانات رويترز)، أي ما بين 10 و14 يوما إضافية من الإبحار، وترفع كلفة الوقود وحدها بين 200 و400 ألف دولار للرحلة (3 إلى 5 ملايين دولار سنويا للسفينة الواحدة)، إضافة إلى نحو مليون دولار رسوم عبور قناة السويس للسفينة الواحدة.
ويرى اللواء محمد عبد الواحد أن هذه الأرقام تعكس حجم الضغط على الاقتصاد العالمي الذي بات يواجه ارتفاعا في كلف الوقود والرسوم، خاصة مع إضافة نحو 400 ألف دولار ككلفة وقود إضافية لكل رحلة تضطر للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.
وبعيدا عن الجوانب الاقتصادية، فإن المضيقين تتصادم فيهما إستراتيجيات أمنية وعسكرية متباينة، وتقف وراءها طبيعة الفاعلين والقوى المسيطرة على الأرض.
فمضيق هرمز -كما يشرح خبير الشؤون الإستراتيجية والأمن البحري في تصريحاته للجزيرة نت- تحكمه معادلة "ردع تقليدي" بين دول وجيوش نظامية؛ فالجهة المهددة معروفة الهوية، والجغرافيا محدودة بطول لا يتجاوز 167 كيلومترا وعرض يتراوح بين 33 و90 كيلومترا، مما يجعله "أسهل تكتيكيا من حيث التأمين أو السيطرة العسكرية المباشرة" في ظل وجود تحالف دولي وخطوط حمراء واضحة.
أما باب المندب فتحكمه معادلة "الحرب غير المتماثلة"؛ إذ تمتد التحديات إلى مساحات واسعة من جنوب البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي، ويضاف إلى ذلك العدد الكبير من الجزر اليمنية والإريترية على ضفتيه، مما يضيف مزيدا من التعقيد.
والأهم من ذلك -حسب العميد علي الذهب في تصريحاته للجزيرة نت- أن السيطرة الفعلية على المضيق تتوزع بين فاعلين غير نظاميين كالحوثيين والقراصنة من جهة، وقواعد لجيوش نظامية (الأكثر كثافة في العالم بواقع نحو 8 قواعد دائمة إضافة إلى وجود عسكري "عائم") من جهة أخرى.
ويعمق الذهب تحليله بأن "تهديد إيران يتجاوز تهديد الحوثيين بسبب موقعها الجغرافي المسيطر على المضيق وقوى النفوذ التي تستمدها من تنوع قدراتها". ويرى أن مهمة مكافحة القرصنة قرب باب المندب "جزء من أولويات القواعد الأجنبية وليست كل أولوياتها"، وأن الجريمة البحرية "لا يمكن القضاء عليها بالكامل" لأن مصادر التهديد الحقيقية تكمن في البر، في معاقل الجماعات المسلحة داخل اليمن والصومال والسودان.
وهذا الاختلاف الجغرافي والسياسي يجعل من هرمز ساحة لـ "صراع الإرادات" ومن باب المندب حقل تجارب لـ "تكتيكات الاستنزاف".
تضع التحديات الأمنية الراهنة عقدة التأمين العسكري أمام عدة مآزق، وتتوزع بين الأخلاق والاقتصادي والسياسي والعسكري، حيث تفقد الأسلحة الثقيلة فعاليتها أمام المسيرات زهيدة الثمن، وتتحول القواعد العسكرية من مراكز قوة إلى نقاط مراقبة لوجستية محدودة التأثير. وهذا الخلل في ميزان الكلفة يجعل من حماية الملاحة عملية "استنزاف مالي" تفوق في تبعاتها كلفة الأزمات ذاتها.
ويشير اللواء عبد الواحد إلى مفارقة صارخة في باب المندب، حيث تُجبر القوى الدولية على استخدام صواريخ دفاعية بكلفة 4 ملايين دولار لإسقاط مسيرات لا تتجاوز قيمتها 20 ألف دولار، وهو ما يصفه بـ "الخلل الجوهري" في معادلة الردع.
ويؤكد خبير الأمن البحري أن معظم القواعد العسكرية في جيبوتي، رغم كثافتها، تفتقر للتنسيق الكامل وتغلب عليها الصبغة اللوجستية، مما يجعل أساليب التأمين التقليدية مثل مرافقة القوافل غير مجدية وعرضة للاستهداف المباشر.
النقطة الأكثر وضوحا في إبراز الاختلاف بين الممرين تكمن في أولويات الانتشار العسكري للدول الكبرى، حيث يتحدد ذلك بناء على حجم جدية الأطراف الفاعلة والقوى المسيطرة ميدانيا بالإضافة إلى التأثير في مصدر التهديد، وهو ما يفسر تركز الاستجابة الدولية تاريخيا حول هرمز أكثر من وجودها حول باب المندب، حسب ما قاله الباحث في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية.
ويخلص العميد الذهب إلى نتيجة إستراتيجية تفيد بعدم القدرة على التأمين الكامل لكلا الممرين، معتبرا إياهما "أوراقا سياسية" تُستخدم للابتزاز والضغط الدولي.
ويرى أن تركيز الاستجابة الدولية حول هرمز تاريخيا يعكس حجم الجدية في التعامل مع التهديدات الإيرانية مقارنة بمهام مكافحة القرصنة في المندب، مؤكدا أن هرمز سيظل "خنجرا" في خاصرة أمن الخليج ما لم تُحسم الملفات السياسية الكبرى بحكمة تتجاوز لغة البوارج العسكرية.
وتكشف أحداث الأسابيع الأخيرة عن أن توفر البدائل يظل العنصر الأبرز في المقارنة بين الممرين، وهنا يتقاطع تحليل الخبراء الثلاثة حول نتيجة واحدة: باب المندب يملك بديلًا كاملًا وإن كان مكلفًا، بينما هرمز لا يملك بديلًا حقيقيًا على الإطلاق.
فبالنسبة لهرمز، يوضح مدير معهد الكربون لأبحاث الطاقة والمناخ أن له بدائل جزئية للنفط عبر خطوط الأنابيب، لكنها لا تغطي أكثر من ثلث ما كان يمر عبر المضيق، أما ما يتعلق بسوق الغاز المسال فلا بديل سريع له على الإطلاق، إذ لا يمكن نقله عبر الأنابيب، ولا يوجد أي مسار بديل قادر على تعويض الشحنات العالقة في المدى القصير.
والأرقام تؤكد هذا التحليل، حيث إن إجمالي طاقة البدائل المتاحة لمضيق هرمز لا تتعدى مجتمعة 3.5 إلى 4.4 ملايين برميل يوميًا؛ أي أن إغلاق هرمز الكامل يترك أكثر من 16 مليون برميل يوميا دون أي منفذ فعلي إلى الأسواق.
والأمر نفسه يؤكده اللواء عبد الواحد، مبينا أن هذه البدائل "لا تنقل إلا كميات ضئيلة جدا"، وبالتالي "لا توجد مناورة للاستغناء عن هرمز، ولذلك أي تهديد فيه مؤثر ومرهق ومؤلم".
والأخطر -حسب الجندي- أن بديل هرمز التقليدي كان دائما مضيق باب المندب نفسه عبر إعادة توجيه الشحنات من ميناء ينبع السعودي، لكن التصعيد في الشهر الماضي أغلق هذا "الباب الخلفي" أيضا، وباتت مصافي التكرير الآسيوية تدرس مسارا استثنائيا عبر قناة السويس والبحر المتوسط ثم رأس الرجاء الصالح.
والنتيجة النهائية أن إغلاق المضيقين معا يلغي هامش الأمان الذي ساعد في صمود أسواق الطاقة العالمية منذ بداية مارس/آذار الماضي.
وفي المقابل، يظل البديل قائما وجاهزا لباب المندب، وهو طريق رأس الرجاء الصالح؛ إذ يمكن لأي سفينة، كما يؤكد اللواء عبد الواحد، أن تبحر في هذا الطريق رغم كلفته الباهظة على الوقود وأجور البحارة واستهلاك المراكب، وهو ما يمنح السوق العالمية "قدرة على امتصاص صدمة أي أزمة" فيه، فميزة باب المندب الحاسمة -حسب خبير الأمن البحري- أنه يمتلك "القدرة على المناورة"، وهي الميزة الغائبة تماما عن هرمز.
والخلاصة التي يخرج بها تحليل الخبراء تفيد بنتيجة واحدة: لا تنافس حقيقيا بين الممرين بقدر ما هناك تكامل في نوعية الخطر الذي يفرضانه؛ فهرمز يمثل أزمة الطاقة الفورية التي لا يحتمل الاقتصاد العالمي تحمّلها لأكثر من أسابيع من دون وقوع تداعيات تضخمية، وليس له بديل حقيقي يعوّض ما يفقده السوق.
أما باب المندب فوقوع الاضطرابات فيه تمثل صدمة الكلفة والزمن التي يمكن للعالم أن يمتصها لسنوات عبر بديل جاهز وإن كان باهظا، وسيتحمل المستهلك والدول المصدرة على السواء ثمن ذلك.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة