في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
حظي اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمس الثلاثاء، في البيت الأبيض بتغطية إعلامية واسعة، وتناولته كبريات الصحف الأمريكية بالتعليق والتحليل، خاصة أنه يأتي في وقت يواجه فيه التحالف الوثيق بين واشنطن وتل أبيب ضغوطا سياسية وعسكرية، لا سيما في الداخل الأمريكي.
فعلى الرغم من اتفاق صحيفتي واشنطن بوست وول ستريت جورنال على أن اللقاء أظهر توافقا في الهدف الإستراتيجي المتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإنه كشف أيضا عن تباينات متزايدة بشأن كيفية إدارة الحرب التي دخلت شهرها الخامس.
وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن اللقاء جرى في وقت يسعى فيه الزعيمان إلى احتواء الفجوة الآخذة في الاتساع بينهما حول كيفية إدارة الحرب في إيران، وذلك بعد مرور 5 أشهر من إطلاقهما معا جهودا لإسقاط النظام هناك.
ويُعَد هذا أول لقاء مباشر بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي منذ بدء الهجوم في 28 فبراير/شباط الماضي، بعدما أقنع نتنياهو ترمب بأن الوقت أصبح مواتيا لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، وفق تقرير الصحيفة.
وأشارت واشنطن بوست إلى أن الحرب التي كان يُفترض أن تستمر أسابيع قليلة، تحوّلت منذ ذلك الحين إلى صراع طويل الأمد، بينما واصل ترمب البحث عن مخرج منها.
وعلى الجانب الآخر، أفاد التقرير بأن المتشددين داخل النظام الإيراني أحكموا قبضتهم على السلطة، حيث لم يعد يلوح في الأفق مسار واضح لإنهاء الحرب، في ظل استمرار إيران في تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميا.
ووفق واشنطن بوست، أصبح الرئيس ترمب أكثر ميلا للبحث عن مخرج دبلوماسي، بعدما تبين أن إسقاط النظام الإيراني أو دفعه إلى الانهيار لم يكن بالسهولة التي افترضتها التقديرات الأولية.
وفي تصريحات سبقت الاجتماع، أقر ترمب بوجود تباين في الرؤى مع نتنياهو حول أسلوب التعامل مع إيران، مؤكدا أن الجانبين "متقاربان جدا لكن بينهما بعض الاختلاف"، في إشارة إلى استمرار التنسيق رغم تباين الأولويات.
وجاء البيان الوحيد الصادر عن ترمب بشأن لقاء الثلاثاء بعد مرور عدة ساعات، إذ كتب على حسابه بمواقع التواصل الاجتماعي تروث سوشيال: "عقدنا اجتماعا ممتازا، وناقشنا بطبيعة الحال العديد من الموضوعات المهمة".
وفي الولايات المتحدة، تراجعت شعبية الحرب بشكل متزايد بين الناخبين المعتدلين الذين سيحسمون السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، لا سيما مع ارتفاع أسعار الوقود.
وفي المقابل، يواجه نتنياهو انتخابات في أكتوبر/تشرين الأول، وقد سعى بدون كلل إلى إقناع ناخبيه بأنه الوحيد القادر على إدارة علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة، وهو ما يجعل أي توتر في علاقته مع ترمب يشكّل خطرا سياسيا عليه، على حد تعبير واشنطن بوست.
وفي مؤشر جلي على موقف ترمب الذي وصفته الصحيفة بأنه يتسم باللامبالاة المتزايدة تجاه إسرائيل، يرغب الرئيس الأمريكي أيضا في بيع مقاتلات "إف-35" المتطورة ل تركيا، وقد يسمح للمملكة العربية السعودية بتطوير الطاقة النووية، "مستخفا بالمخاوف الإسرائيلية من أن تؤدي هذه الخطوات إلى تفاقم وضعها الأمني".
ومن جانبه، قال نتنياهو بعد الاجتماع إن اللقاء كان "ممتازا، ولم يكن مجرد مجاملات شكليّة".
غير أن التصريحات الإيجابية لم تبدد الانطباع بأن العلاقة تمر بمرحلة أكثر تعقيدا مقارنة بالأشهر الأولى للحرب، فقد لفتت وول ستريت جورنال إلى أن عقد الاجتماع نفسه لم يكن محسوما إلا في الأيام الأخيرة، بعدما طالبت الإدارة الأمريكية إسرائيل باتخاذ خطوات تثبت جديتها في دعم جهود السلام التي ترعاها واشنطن في كل من لبنان وقطاع غزة.
وبحسب الصحيفة، وافقت إسرائيل قبل الزيارة على تقليص انتشار قواتها في مناطق تجريبية بجنوب لبنان، كما سمحت بدخول أعضاء من مجلس السلام الذي شكّلته واشنطن لإدارة قطاع غزة، وهي خطوات اعتبرها مسؤولون أمريكيون مؤشرا على الاستجابة للمطالب الأمريكية.
ومن بين المؤشرات التي عكست فتورا نسبيا في العلاقة -حسب رأي الصحيفة- امتعاض ترمب من إعلان نتنياهو عزمه عرض معلومات استخباراتية تتعلق بمنشأة جبل الفأس الإيرانية، وهي موقع تحت الأرض يُعتقَد أنه مأوى شديد التحصين يصعب الوصول إليه ويتبع البرنامج النووي الإيراني.
وقال ترمب في مقابلة مع قناة فوكس نيوز إنه كان يفضّل أن يطلعه نتنياهو على تلك المعلومات مباشرة بدلا من الإعلان عنها إعلاميا، مضيفا أن الموقع "ليس مشكلة كبيرة"، في إشارة فسرها مراقبون على أنها تقليل من أهمية الرواية الإسرائيلية بشأن الحاجة إلى تصعيد جديد.
وزعم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لاحقا أن ملف جبل الفأس لم يطرح خلال الاجتماع، بحسب ما نقلته واشنطن بوست.
وتشير الصحيفة إلى أن ترمب أصبح أكثر استعدادا لإظهار خلافاته مع نتنياهو بصورة علنية، وهو تطور يختلف عن طبيعة العلاقة التي جمعت الرجلين في بداية الحرب، عندما نجح نتنياهو في إقناع الرئيس الأمريكي بأن الهجوم على إيران قد يصنع إنجازا تاريخيا للإدارة الأمريكية.
لكنّ الحرب الممتدة غيّرت كثيرا من الحسابات داخل البيت الأبيض، فبحسب واشنطن بوست، يشعر ترمب بإحباط متزايد لأن النظام الإيراني أثبت قدرة على الصمود، كما أن الضربات الإسرائيلية الأولى أزاحت شخصيات كانت واشنطن ترى أنها قد تمثل بدائل أكثر اعتدالا داخل المؤسسة الإيرانية.
وترافق ذلك مع تداعيات اقتصادية انعكست على الداخل الأمريكي، بعدما أدى استمرار التوتر في مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما انعكس بدوره على أسعار الوقود، في وقت يستعد فيه الأمريكيون لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وترى الصحيفة أن هذه الضغوط الانتخابية تدفع ترمب إلى البحث عن تسوية سياسية تقلل من الكلفة الاقتصادية للحرب، في حين يخوض نتنياهو أيضا معركة انتخابية داخلية مقررة في أكتوبر/تشرين الأول، تعتمد بدرجة كبيرة على صورته باعتباره الزعيم القادر على الحفاظ على العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة.
وفي السياق نفسه، اعتبرت وول ستريت جورنال أن نتنياهو وصل إلى واشنطن وهو أقل نفوذا مما كان عليه خلال زياراته السابقة، بعدما تراجعت مكانته داخل الأوساط السياسية الأمريكية، سواء بين الديمقراطيين أو حتى داخل الحزب الجمهوري.
وأشارت الصحيفة إلى أن وفاة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي كان يمثل أحد أبرز الداعمين لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري، حرمت نتنياهو من شخصية لعبت دور الوسيط مع ترمب طوال سنوات.
كما يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي انتقادات متزايدة داخل الولايات المتحدة بسبب استمرار الحرب، إلى جانب ملفات غزة ولبنان، وهو ما انعكس في تصاعد الأصوات المطالبة بإعادة تقييم الدعم الأمريكي لإسرائيل.
من جانبه، أبرز موقع بوليتيكو الإخباري جانبا آخر من المشهد يتمثل في تنامي قلق تيار "أمريكا أولا" داخل الحزب الجمهوري من احتمال أن يؤدي اللقاء إلى جر الولايات المتحدة نحو انخراط عسكري أوسع في الحرب.
ونقل الموقع عن ستيف بانون، كبير الإستراتيجيين السابق في البيت الأبيض وأحد أبرز رموز هذا التيار، قوله إن كثيرا من أنصار ترمب يشعرون بالغضب من استمرار تأثير نتنياهو على السياسة الأمريكية، معتبرا أن زيارات رئيس الوزراء الإسرائيلي المتكررة للبيت الأبيض لا تخدم شعار "أمريكا أولا".
كما نقل عن مسؤول في البيت الأبيض أيضا تأكيده بأن جميع قرارات الرئيس الأمريكي تستند إلى ما يخدم الأمن القومي الأمريكي أولا، وأن اللقاء تناول الحرب مع إيران، والاتفاق الثلاثي مع لبنان، إضافة إلى توسيع اتفاقيات أبراهام.
ويشير الموقع في تقريره إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت تراجع التأييد الشعبي لاستمرار الحرب بسبب آثارها الاقتصادية، وهو ما يجعل الملف الإيراني حاضرا بقوة في حسابات الانتخابات الأمريكية المقبلة.
وفي السياق ذاته، برزت مواقف لنائب الرئيس جيه دي فانس انتقد فيها بعض المسؤولين الإسرائيليين، متهما إياهم بالسعي إلى إطالة أمد الحرب، في مؤشر على اتساع مساحة النقاش داخل الحزب الجمهوري بشأن مستقبل العلاقة مع إسرائيل.
أما على الأرض، فقد جاء الاجتماع في ظل تطورات ميدانية جديدة، إذ أعلنت القوات الأمريكية تعرض قواعدها في الشرق الأوسط لهجوم إيراني باستخدام صواريخ وطائرات مسيرة، قبل أن تؤكد اعتراض عدد منها والرد على مجموعات مدعومة من إيران في العراق، وفق واشنطن بوست.
ويرى مراقبون أن هذا التطور أعاد التذكير بإمكانية انزلاق الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع، خاصة مع مشاركة قوات سعودية في بعض العمليات الدفاعية ضد الحوثيين في اليمن، بما يعكس حساسية الوضع الأمني في المنطقة.
وفي المقابل، تشير التقديرات التي نقلتها واشنطن بوست إلى أن الطرفين يمتلكان دوافع مختلفة للبحث عن هدنة. فإيران تواجه ضغوطا اقتصادية وعسكرية كبيرة وتسعى إلى إعادة بناء قدراتها، بينما تعاني الولايات المتحدة من استنزاف مخزونها من صواريخ الدفاع الجوي نتيجة الاستخدام المكثف في مواجهة الطائرات المسيرة الإيرانية منخفضة الكلفة.
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل، يبدو أن مستقبل الحرب لن تحدده التطورات الميدانية وحدها، بل ستؤثر فيه أيضا حسابات الداخل السياسي لدى الطرفين.
ومن ناحية أخرى، سلّطت مجلة نيوزويك الضوء على البعد السياسي الداخلي في إسرائيل -من خلال مقال رأي للصحفي دان بيري- رأى فيه أن استمرار ربط الدعم الأمريكي بشخص نتنياهو قد يضر على المدى البعيد بالعلاقة الإستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب.
وذهب الكاتب إلى أن الاستقطاب السياسي داخل الولايات المتحدة، إلى جانب تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل لدى قطاعات من الجمهوريين والديمقراطيين، يجعل أي انحياز أمريكي واضح لطرف في الانتخابات الإسرائيلية عاملا قد يضعف الدعم التقليدي الذي حظيت به إسرائيل لعقود داخل الحزبين.
ورغم أن هذا الطرح يعبّر عن رأي كاتبه، فإنه يعكس نقاشا أوسع بشأن مستقبل التحالف الأمريكي الإسرائيلي في ظل التحولات السياسية داخل البلدين.
وفي خضم هذه التطورات، حرص البيت الأبيض على إبقاء اللقاء بعيدا عن التغطية الإعلامية المباشرة، خلافا لما اعتاده ترمب في لقاءاته السابقة مع القادة الأجانب.
واكتفى الرئيس الأمريكي لاحقا بالقول عبر منصاته إنه عقد "اجتماعا جيدا للغاية" جرى خلاله بحث "موضوعات مهمة"، بينما نشر مكتبا ترمب ونتنياهو صورا تُظهر أجواء ودية بين الجانبين.
خلاصة الأمر أن مجمل المؤشرات تكشف أن الخلاف بين واشنطن وتل أبيب لم يعد يتعلق بالأهداف، بل بوسائل تحقيقها وتوقيت إنهاء الحرب.
فبينما يواصل الطرفان التأكيد على رفض امتلاك إيران سلاحا نوويا، تتزايد الفجوة بينهما بشأن حدود التصعيد العسكري وجدوى الرهان على التسوية السياسية.
وفي ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل، يبدو أن مستقبل الحرب لن تحدده التطورات الميدانية وحدها، بل ستؤثر فيه أيضا حسابات الداخل السياسي لدى الطرفين، بما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة تتراوح بين استئناف الدبلوماسية والعودة إلى التصعيد العسكري.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة