في مقابلة استمرت أكثر من 90 دقيقة مع الصحافي الإيراني جواد مغوي، قال عراقجي إنه كان صباح اليوم الأول للحرب داخل مجمع المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، حيث كان يراجع مع علي أصغر حجازي، مدير مكتب المرشد، تقريراً بشأن المفاوضات النووية، قبل أن تقطع الانفجارات الاجتماع فجأة.
ووصف المشهد قائلاً إن الانفجار الثالث أصاب المبنى مباشرة، ما أدى إلى انهيار أجزاء واسعة منه، بينما سقط السقف والجدران فوق الموجودين. وأضاف أنهم تمكنوا من الخروج وسط العوارض الخشبية والركام، فيما كانت المياه تتساقط من السقف وتتردد نداءات الاستغاثة في المكان.
وأوضح أن حجازي نجا من الانفجار، بينما قُتلت سكرتيره على الفور، قبل أن تنقله عناصر الحماية على عجل إلى وزارة الخارجية في سيارة مدنية صغيرة بعدما تعرضت سيارته الرسمية للقصف.
وأشار عراقجي إلى أن المسؤولين الإيرانيين بقوا ثلاثة أيام معزولين عن بعضهم بعضاً، يحاولون معرفة من بقي على قيد الحياة ومن قُتل، مضيفاً أن إسرائيل كانت تعتقد أن استهداف القيادة سيشل مؤسسات الدولة، "لكنها فشلت"، على حد تعبيره.
لم يخفِ وزير الخارجية الإيراني قناعته بأن إسرائيل امتلكت معلومات دقيقة عن أماكن اجتماعات كبار المسؤولين وتحركاتهم، معتبراً أن ذلك يكشف عن "ثغرة أمنية لا تزال قائمة ويجب معالجتها".
وأضاف أن التحقيقات لا تقتصر على احتمال وجود اختراق بشري أو سرقة بيانات، بل تشمل أيضاً تأثير تلك الثغرات في آليات صنع القرار والبيئة النفسية داخل مؤسسات الدولة.
وكشف عراقجي أن السلطات الإيرانية كانت قد وضعت مسبقاً خطط طوارئ تحسباً لاستهداف القيادة، من بينها سيناريو حمل الاسم الرمزي "الرمز 110"، وهو مرتبط بالمادة 110 من الدستور الإيراني التي تحدد صلاحيات المرشد الأعلى، ويتضمن الإجراءات الواجب اتخاذها في حال اغتياله.
وقال إن المسؤولين غادروا مكاتبهم الرسمية عقب الضربات واعتمدوا مواقع بديلة، لكنه أقر بأن "لا مكان آمناً" في ذلك الوقت باستثناء الأنفاق، التي أوضح أنها لا تصلح للاستخدام السريع لأنها تفرض البقاء فيها أياماً عدة.
كما كشف أنه طلب أكثر من مرة من عناصر حمايته الابتعاد عنه، قائلاً إنهم قد يُقتلون من دون أن يتمكنوا من حمايته في حال استهدافه بصاروخ.
في الجانب السياسي، أكد عراقجي أنه لم يكن متفائلاً بإمكانية نجاح المفاوضات مع الولايات المتحدة، لكنه رأى أن الاستمرار فيها كان ضرورياً لإثبات أن طهران استنفدت المسار الدبلوماسي، مؤكداً أن إيران قدمت خلال الجولة الأخيرة من المباحثات في جنيف عرضاً بشأن برنامجها النووي، قبل أن يبلغه وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي بأن الموقف في واشنطن أصبح أكثر تشدداً.
وأشار إلى أن طهران أجرت اتصالات مكثفة مع قادة ومسؤولين في العراق وتركيا وإقليم كردستان، بينهم رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، لمنع استخدام الأراضي العراقية أو الكردية منصة لأي هجمات ضد إيران، مؤكداً أن أنقرة لعبت "دوراً مهماً" في هذا الملف.
وأضاف أن إيران أبلغت دول الجوار بأنها سترد على أي هجوم يستهدفها بضرب قواعد أمريكية في المنطقة ومنشآت إسرائيلية، كما هددت بإغلاق مضيق هرمز ومنع تصدير النفط من المنطقة إذا تعرضت منشآتها النفطية لهجمات.
كما قال إن بلاده تسعى إلى استغلال التباينات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبراً أن "هناك أحياناً اختلافاً في الأهداف والمواقف يمكن الاستفادة منه".
وفي تقييمه لسير الحرب، رأى عراقجي أن إيران حققت أهدافها الاستراتيجية خلال الأسبوعين الأولين، معتبراً أن الجمهورية الإسلامية أثبتت أنها "لا يمكن إخضاعها". كما ألمح إلى انتقاد قرار مواصلة القتال، قائلاً إن الإنجازات كانت ستبقى قائمة لو جرى تنفيذ وقف إطلاق النار قبل عشرة أيام من موعده.
وكشف أيضاً أنه لم يلتقِ حتى الآن المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي ، مشيراً إلى أن قلة قليلة فقط تمكنت من رؤيته، وهو ما يعكس، بحسب مراقبين، مستوى السرية المحيط بقيادة البلاد بعد الحرب.
فجّرت تصريحات عراقجي موجة انتقادات واسعة داخل التيار المحافظ الإيراني، إذ اعتبرت وسائل إعلام مقربة من الحرس الثوري وأنصار الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي أنه كشف معلومات حساسة تتعلق بالأمن القومي.
ووصف محلل سياسي في التلفزيون الرسمي المقابلة بأنها "كارثة على صعيد العلاقات العامة"، معتبراً أن تصريحات عراقجي تعكس "افتقاراً إلى التفكير الاستراتيجي".
كما انتقدت صحف محافظة حديثه عن الثغرات الأمنية وخطط الطوارئ والأنفاق العسكرية، معتبرة أن هذه المعلومات كان ينبغي ألا تُكشف للرأي العام، فيما تساءلت عن سبب اختياره إجراء المقابلة مع صانع أفلام وثائقية ومنشئ محتوى، بدلاً من صحافي متخصص في الشؤون السياسية والأمنية.
ورأت صحف أخرى أن الكشف عن تفاصيل الهجوم الذي أودى بحياة علي خامنئي، والإقرار بعدم لقاء المرشد الجديد مجتبى خامنئي، إضافة إلى التطرق إلى مواقع الأنفاق والمنشآت الحساسة، قد يوفر معلومات ثمينة لأجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية أكثر مما يخدم الرأي العام الإيراني.
المصدر:
يورو نيوز