في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تعكس الصحافة الصينية بصورة غير مباشرة تحركات بكين، كاشفة عن إستراتيجية هادئة لبناء شبكة نفوذ تمتد عبر الدبلوماسية والتكنولوجيا والطاقة والممرات التجارية.
وبينما ينشغل العالم بإيران والحرب الروسية الأوكرانية، تتشكل ساحة تنافس جديدة في خليج البنغال، تعكس سعي الصين لتأمين منافذها على المحيط الهندي في ظل اضطراب مسارات الربط البري، خاصة الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني والممر الأوسط عبر إيران.
وبجمع هذه المؤشرات في سياق واحد، تبدو الصين وكأنها لا تسعى إلى تحسين موقعها داخل النظام الدولي القائم فقط، بل لإعادة تشكيل قواعد هذا النظام تدريجيا، عبر ضمان استمرارية الوصول إلى الأسواق وسلاسل الإمداد حتى في أوقات الأزمات، دون ضجيج سياسي موازٍ لحجم التحول.
تظهر وكالة الأنباء الصينية "شينخوا" -في تقريرها حول موقف بكين من الأزمة الهايتية- نمطا صينيا ثابتا في التعامل مع الأزمات الدولية، قوامه الجمع بين الشرعية السياسية والحوار الشامل، والتنمية بوصفها مدخلا للاستقرار.
فقد نقلت عن ممثل الصين لدى الأمم المتحدة بالإنابة إشارته إلى أن كسر الحلقة المفرغة في هايتي يبدأ بتشكيل حكومة شرعية وفعالة ومسؤولة، مع التشديد على الحوار الجامع، وإجراء انتخابات موثوقة، واحترام القانون الدولي، ومنع تدفق السلاح، إلى جانب معالجة الأسباب العميقة للفوضى مثل تراجع التنمية وعجز مؤسسات الدولة.
هذا الطرح لا يقتصر على هايتي وحدها، بل يعكس تصورا أوسع لدور الصين في النظام العالمي كقوة تقدم نفسها بوصفها داعمة للاستقرار المؤسسي، ورافضة للمعالجات الأمنية المجردة، ومؤمنة بأن استدامة الحلول تمر عبر إعادة بناء الدولة وليس عبر معالجة الانهيار فقط.
ومن خلال هذا النوع من الخطاب، تعيد بكين تعريف معنى المسؤولية الدولية بطريقة تمنحها حضورا سياسيا وأخلاقيا متزايدا في قضايا كانت تُدار تقليديا ضمن مقاربات غربية أكثر تدخلا.
توضح صحيفة "الشعب الصينية -في تقاريرها حول بناء نظام عالمي عادل لحوكمة الذكاء الاصطناعي- أن الصين لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه مجرد ملف تقني، بل باعتباره ميدانا مركزيا لإعادة تعريف القيم والمعايير الدولية.
وتشير الصحيفة -الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني– إلى أن التنوع الحضاري أصبح مبدأ أساسيا في المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي التي اقترحتها الصين، مبرزة الدعوات الصينية لجعل الذكاء الاصطناعي انعكاسا "للقيم المشتركة للبشرية" وليس أداة تحتكر توجيهها وضبطها دولة واحدة.
وتكتسب هذه الرؤية وزنا أكبر حين تربطها بكين بخطوات عملية، مثل توفير 5 آلاف فرصة تدريب متخصصة للدول النامية خلال 5 سنوات، وإنشاء مراكز تعاون لتطبيقات الذكاء الاصطناعي مع تكتلات إقليمية متعددة، والدفع نحو معايير أخلاقية وتنظيمية ذات طابع عالمي.
بهذه الطريقة، لا تكتفي الصين بالمشاركة في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل تعمل على تثبيت نفسها كأحد واضعي القواعد الناظمة لها، بما يسمح لها بتحويل التفوق التقني إلى نفوذ معياري وحضاري في آن واحد.
تذهب صحيفة الشعب -في مقال آخر حول المنتجات المؤسسية- أبعد من الخطاب التقليدي عن "مبادرة الحزام والطريق"، إذ تكشف أن الرهان الصيني الحقيقي لا يقتصر على بناء الموانئ والطرق والسكك، بل يمتد إلى بناء ما يمكن تسميته بالبنية المؤسسية المصاحبة لها.
ويشرح المقال بشكل تحليلي أن عملية "الربط الناعم" بين الدول عبر القوانين والأنظمة والمعايير والإدارة لا تقل أهمية عن "الربط الصلب" المتمثل في البناء والاستثمار، بل وتعتبر الضمان الفعلي لاستدامة النفوذ والتكامل طويل الأمد.
وفي هذا السياق، يستدل الكاتب -وهو عميد معهد الاتصالات الدولية بجامعة بكين- بمشروعات مثل "مدينة ميناء كولومبو" في سريلانكا، حيث ترافق المشروع المادي مع أطر قانونية وتنظيمية خاصة، بما يعكس نزعة صينية في جعل الاستثمار مدخلا لإعادة مواءمة البيئة القانونية والإدارية في الدول الشريكة.
كما يركز الكاتب على تصدير الخبرة الإدارية، وتدريب الكوادر المحلية، وتوسيع الاعتراف بالمعايير التقنية الصينية، وهو ما يحول المشاريع العابرة للحدود إلى أدوات لإنتاج فضاء اقتصادي وتنظيمي تدور مكوناته تدريجيا حول المركز الصيني.
بكين لن تبدد احتياطاتها النفطية الإستراتيجية لتخفيف آثار حرب لا تتحكم في أسبابها ولا في مآلاتها
بواسطة آندي شيه
تظهر صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست إحدى ركائز القوة الصينية الجديدة من خلال قدرتها على تحويل التمركز داخل سلاسل الإمداد إلى نفوذ جيواقتصادي واسع.
وتورد الصحيفة في تقاريرها أن الصين تهيمن على حصة كبرى من تعدين العناصر النادرة وتكريرها، وأن الإدارة الأمريكية اتخذت عدة إجراءات لتقليص اعتماد الصناعات الدفاعية الأمريكية على السلاسل المرتبطة ببكين، فيما رفضت السفارة الصينية الاتهامات الأمريكية ووصفتها بأنها تسييس للتجارة والاقتصاد.
المغزى هنا يتجاوز سجال المعادن نفسه، فالصين تدرك أن امتلاك موقع محوري في سلاسل التوريد الإستراتيجية يمنحها قدرة على التأثير في توازنات القوة العالمية، حتى عندما تتجنب التعبير الصريح عن ذلك.
وهي بذلك لا تحتاج إلى استخدام النفوذ استخداما مباشرا، إذ يكفي أن تستشعر الأطراف الأخرى أن الاستغناء عنها مكلف، وأن أي محاولة لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي لا بد أن تمر عبر مواجهة حقيقة تمركز الصين في قلب قطاعات شديدة الحساسية.
ويتعزز هذا المنطق -في مقال آخر للصحيفة ذاتها- يتناول موقف الصين من احتياطيات النفط في ظل الحرب على إيران، فيرى الكاتب آندي شيه أن بكين لن تبدد احتياطاتها الإستراتيجية لتخفيف آثار حرب لا تتحكم في أسبابها ولا في مآلاتها، وأن أولويتها هي حماية أمن طاقتها على المدى الطويل، والاستعداد لسيناريوهات اضطراب ممتد في الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.
يربط الكاتب -الخبير الاقتصادي المتخصص في شؤون الصين وآسيا- بين أمن الطاقة وبين إعادة التموضع في الاقتصاد العالمي، ويشير إلى أن الصين تفكر في بدائل هيكلية، من إبطاء السحب من الاحتياطي إلى توسيع بدائل الطاقة والتكنولوجيا المرتبطة بالفحم والانتقال الكهربائي.
وبذلك يصبح ملف الطاقة -في الرؤية الصينية- جزءا من مشروع أوسع لتخفيف الاعتماد على المسارات والمصادر التي يمكن أن تتحول إلى نقاط ضغط جيوسياسي، وبالتالي جزءا من هندسة الاستقلال الإستراتيجي في عالم مضطرب.
يقدم موقع "آسيا تايمز -في تحليل حول تغير منطق العولمة بفعل صعود الصين- تفسيرا فكريا يجمع كثيرا من هذه المسارات في صورة واحدة، إذ باتت بكين، التي تبدو أكثر ثقة في الخارج، منشغلة بشكل متزايد بتقليل اعتمادها على الشبكات العالمية نفسها التي مكّنتها من الصعود.
وبحسب التحليل، لم تكن العولمة غاية في حد ذاتها بالنسبة لبكين ، بل مرحلة من مراحل مشروع وطني طويل الأمد، وبالفعل نظرت إلى العملية نفسها من منظور مختلف، ورأت في الانفتاح الاقتصادي وسيلة لتوليد الثروة والقدرات التكنولوجية اللازمة للنهوض الوطني من خلال التحديث الصناعي والتحول الاقتصادي.
غير أن نجاح الصين كشف لها حدود العولمة القديمة، لأن الاندماج في الشبكات العالمية لا يمنح القوة فقط، بل يخلق أيضا أشكالا جديدة من الهشاشة الإستراتيجية يمكن للخصوم استغلالها، مما جعل بكين تدرك بشكل متزايد أن القوة الوطنية لا تعتمد فقط على القدرات المحلية، بل أيضا على من يسيطر في نهاية المطاف على التقنيات والشبكات التي تعتمد عليها تلك القدرات.
ولهذا، تتجه بكين اليوم إلى إعادة تشكيل شروط مشاركتها في عولمة أصبحت أكثر انتقائية وإستراتيجية، بعد أن أُعيد تشكيلها وفقا لنماذج التنمية الوطنية المتنافسة، بحيث تحاول الحفاظ على الانفتاح متى كان مفيدا لها، وتقلص الاعتماد على الخارج عندما يتحول إلى تهديد إستراتيجي.
ويرى التحليل أن دعوة شي جين بينغ في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب حوكمة أقوى ودور صيني أكبر في صياغة المعايير العالمية، تجسيد لهذه الرؤية الناشئة، وأن بكين لن تسعى للتخلي عن العولمة، بل تعمل على إعادة صياغة قواعدها.
هذا التحول يظهر أيضا في تحليل آخر على موقع آسيا تايمز، حيث تبدو الصين في طور بناء شبكة اتصال بديلة وأكثر مرونة نحو المحيط الهندي في خليج البنغال.
ويبين المقال أن بكين تعيد تقييم ممراتها البرية والبحرية في ضوء اضطراب الممرات الغربية، وتصاعد المخاطر في باكستان وإيران، وتعقيد المرور عبر مضيق ملقا، ولذلك تدفع باتجاه تعزيز ممر الصين ميانمار بنغلادش الاقتصادي كخيار يمنحها منافذ إضافية أكثر أمنا.
بهذا المعنى، تتعامل الصين مع البنية التحتية كوسيلة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية للاعتماد والمرور والتمركز علاوة على كونها أداة تجارية، فكل ميناء أو خط أنابيب أو ممر بري جديد لا يحقق منفعة اقتصادية مجردة، بل ينسج خيطا جديدا في شبكة نظام عالمي يتشكل على أساس المرونة، وتعدد المسارات، والقدرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية.
وعند تجميع خيوط تقارير الصحف الصينية، تبدو الصين كقوة تعيد تشكيل النظام العالمي الجديد عبر تراكم هادئ دون الحاجة إلى صدام مفتوح، فهي تتحرك في الأمم المتحدة بخطاب الشرعية والتنمية، وفي التكنولوجيا بخطاب الحوكمة والقيم، وفي الاقتصاد عبر القواعد والمعايير، وفي الموارد والطاقة عبر إدارة الاعتماد، وفي الجغرافيا عبر بناء ممرات بديلة وموزعة.
ومن ثم، فإن ما تنقله هذه القراءات يشير إلى عملية عميقة وفعالة لبناء النظام العالمي الجديد من خلال تعديل بطيء ومستمر لقواعد القوة والاتصال والشرعية والمعايير، بحيث يصبح العالم أقل قابلية للسيطرة من قبل مركز واحد، وأكثر اضطرارا للتعامل مع الصين بوصفها أحد مهندسي المرحلة المقبلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة