أثار تقريران، أحدهما نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، والآخر صحيفة هآرتس الإسرائيلية مؤخراً، جدلًا واسعًا حول ما تردد عن خطط إسرائيلية لتغيير النظام في إيران. ووفقًا للتقريرين، فقد بحث مسؤولون إسرائيليون، إمكانية الدفع بالرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد ليكون "شخصية واجهة" في مرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية. وأضافا أن هذه التحركات تكثفت خلال الحرب ، وشملت اتصالات سرية جرت في المجر.
كما أفاد التقريران إلى أن دافيد برنياع، الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي، أشرف بنفسه على جزء من جهود التواصل، التي قيل إنها شملت اجتماعًا في بودابست. بينما أضافت صحيفة هآرتس أن هذه التحركات لم تقتصر على أحمدي نجاد وحده، بل شملت أيضًا خططًا للتسلل إلى داخل إيران، واتصالات مع جماعات من الأقليات، فضلًا عن مناقشات بشأن استراتيجية أوسع لزعزعة الاستقرار.
ولاقى التقريران اهتمامًا واسعًا لما تضمنته من تفاصيل لافتة وغير اعتيادية، ما أثار تساؤلات بشأن مدى صحتها وما إذا كانت تعكس تحركات حقيقية أم تندرج ضمن حرب المعلومات الدائرة بين الطرفين. علما أنها لم يؤكد لا الجانب الإسرائيلي ولا الإيراني صحتها.
ما صحة الأخبار المتداولة؟
في المقابل، نفى مكتب أحمدي نجاد ما ورد في هذه التقارير، واعتبر الادعاءات "سخيفة" و"كاذبة تمامًا"، بل اعتبرها رواية "هوليودية". بينما كانت مصادر رسمية إيرانية قد أفادت قبل نحو شهرين، أن أحمدي نجاد نُقل إلى مكان آمن إثر تعرض مجمعه السكني لغارة جوية إسرائيلية في الـ 28 من فبراير/شباط 2026، وهو اليوم الذي وجهت فيه إسرائيل والولايات المتحدة أولى ضرباتها على إيران.
وحول مدى صحة هذه التقارير، يؤكد بابك دوربيكي، المحلل السياسي المقيم في لندن والمسؤول السابق في مركز الدراسات الاستراتيجية الإيراني، في حوار مع DW، بأنه "لا توجد أدلة مستقلة ومتاحة للعامة تؤكد هذه الرواية أو تنفيها بشكل قاطع". لذلك "لا يمكن التعامل معها كحقيقة مؤكدة، كما لا يمكن رفضها فقط استنادًا إلى نفيها".
ولأنه لا يمكن الجزم في الأمر، يشير المحلل السياسي إلى ضرورة الوقوف عند "المكانة الفعلية لأحمدي نجاد على الساحة السياسة الإيرانية حاليًا، ثم إلى الهدف السياسي من تداول هذه الروايات".
أحمد نجاد "مستبعد" من دوائر صنع القرار
استبعد أحمد نجاد عن قائمة المرشحين للانتخابات الرئاسية في الجولات الأخيرة، وهو ما اعتبره الكثيرون داخل إيران رسالة تعكس غياب الرغبة لدى مراكز القوى بالجمهورية الإسلامية في إعادته إلى دوائر صنع القرار. وتقول تقارير محلية عديدة بأنه منذ انتهاء ولايته الرئاسية في عام 2013، تراجعت علاقة أحمدي نجاد، الذي كان قد وصل إلى الحكم عبر التيار المتشدد، مع مؤسسات النظام، سواء تعلق الأمر بمكتب المرشد الأعلى، أو الحرس الثوري ، أومجلس صيانة الدستور.
ومع ذلك يرى دوربيكي، أن أحمدي نجاد "لا يزال يحظى بقاعدة شعبية ولا زال متمسكا بطموح سياسي". بيد أن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكه نفوذًا فعليًا داخل النظام الإيراني. وهو ما يؤكده وحيد هروآبادي، رجل الدين الشيعي المعارض للنظام الإيراني والذي كان مقربا من مكتب أحمد نجاد. وهو يستبعد من قدرة الأخير اليوم على لعب دور سياسي حاسم، لكونه "لا يمثل" قناة اتصال موثوقة، "لا مع الشارع الإيراني ولا مع الأجهزة الأمنية"، مستخلصا بأن "الأشخاص القادرين على لعب دور في حاضر إيران أو مستقبلها هم الذين لديهم ارتباط بالحرس الثوري ".
ويضيف هروآبادي في حواره مع DW، أنه وحتى في حال انهيار النظام، فمن غير المرجح أن تعتمد أي حكومة أجنبية تسعى إلى فرض تغيير للنظام على شخصية شعبوية مثيرة للجدل ومنقسمة الآراء إلى هذا الحد.
من المستفيد من الرواية؟
حسب المحلل السياسي بابك دوربيكي، فإن إيران وإسرائيل مستفيدتان معا من رواية "استقطاب" إسرائيل لأحمد نجاد. فالسلطات الإيرانية قد تستغلها لتعزيز فكرة أن حتى رئيسًا سابقًا يمكنه أن يكون هدفا للتأثير أو الاختراق الأجنبي، بما "يبرر" تشديد الإجراءات الأمنية وتعميق حالة الشك والريبة داخل البلاد.
وكذلك الأمر بالنسبة لإسرائيل ، التي "ستستغل هذه الرواية كهدفٍ استخباراتي" بحذ ذاته، وذلك عبر رسم صورة لها بكونها قادرة على الوصول إلى الداخل الإيراني واختراقه وإثارة الشكوك داخل البلاد.
ولا يمكن متابعة ما جاءت به التقارير المذكورة دون ربطها بحرب معلومات أوسع بين الخصوم، ومنها طرح سيناريوهات لمرحلة ما بعد " الجمهورية الإسلامية ". وحتى وإن بدا بعضها بعيداً عن التطورات الفعلية، إلا أن ذلك يعكس بأن الصراع مع إيران امتد إلى معركة روايات أيضا، قد تحظى بعضها، وحتى وإن لم تكن مؤكدة، بتأثيرٍ كبيرٍ على شريحة واسعة من الجمهور.
تحرير: وفاق بنكيران
المصدر:
DW