آخر الأخبار

من يقود الاقتصاد البريطاني؟ صراع داخل العمال يسبق ولادة حكومة بيرنهام

شارك

يستعد آندي بيرنهام لتولي منصب رئيس وزراء بريطانيا الجديد عقب زيارته المرتقبة للملك تشارلز الثالث في قصر باكنغهام، ليواجه على الفور أولى العقبات السياسية الكبرى حتى قبل أن تطأ قدماه عتبة مقر الحكومة في داونينغ ستريت رسميا.

وتكشف التقارير الصادرة عن صحف بريطانية -مثل آي بيبر ، وديلي تلغراف ، والتايمز – عن بوادر تمرد واسع النطاق يلوح في الأفق داخل حزب العمال، يتركز حول التعيينات الوزارية المرتقبة لحكومته الجديدة، وتحديدا حقيبة الخزانة المثيرة للجدل.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 التصنيع والحوكمة الدولية.. الصين تطرح رؤيتها لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي
* list 2 of 2 بعد تأميم "بريتيش ستيل".. هل بدأت مواجهة اقتصادية جديدة بين لندن وبكين؟ end of list

فبينما تتجه التوقعات إلى تعيين وزيرة الداخلية الحالية شبانة محمود لتولي مسؤولية وزارة الخزانة، تتزايد الاعتراضات من الجناح اليساري للحزب، في وقت ترى فيه الأسواق أن استبعاد إد ميليباند من المنصب يبعث برسالة طمأنة للمستثمرين.

وتأتي هذه التطورات لتلقي بظلالها على مؤتمر الحزب الخاص المقرر عقده في وسط لندن لإعلان تنصيبه زعيما رسميا، لتثبت أن إدارة دفة الحكم في بريطانيا لن تكون مهمة يسيرة بالرغم من الانتصار الكبير الذي حققه بيرنهام في الانتخابات الفرعية في دائرة ميكرفيلد بمقاطعة مانشستر الكبرى شمال غربي إنجلترا.

نجاح بيرنهام يتوقف على قدرته في تقديم مشروع اقتصادي واجتماعي جديد، محذرا من أن مجرد تبادل المقاعد داخل الحكومة لن يحقق هذا الهدف

بواسطة النائب الهمالي جون تريكيت

تحذيرات واعتراضات

ولم يتأخر اليسار العمالي في توجيه طلقاته التحذيرية الأولى نحو بيرنهام؛ ففي تقرير لكارولين ويلر، المحررة السياسية بصحيفة آي بيبر، دعا النائب العمالي البارز جون تريكيت رئيس الوزراء الجديد علنا إلى إحداث قطيعة حقيقية مع حقبة سلفه كير ستارمر، وعدم الاكتفاء بإعادة توزيع الحقائب الوزارية.

ويرى تريكيت أن أي تغيير شكلي لن يكون كافيا، مؤكدا أن المطلوب هو "تغيير حقيقي في قمة الحكومة" إذا أراد بيرنهام الوفاء بوعوده بإطلاق سياسة جديدة.

إعلان

ويأتي هذا الضغط في وقت يستعد فيه بيرنهام لتشكيل حكومته الأولى، وسط ترجيحات متزايدة بأن تتولى شبانة محمود وزارة الخزانة، بينما يُنقل وزير الطاقة الحالي إد ميليباند إلى وزارة الخارجية، مع احتفاظ عدد من وزراء حكومة ستارمر بمناصبهم أو انتقالهم إلى حقائب أخرى.

وتشير كارولين ويلر في مقالها إلى أن مجرد تداول اسم شبانة محمود لتولي وزارة الخزانة أثار بالفعل اعتراضات داخل الكتلة البرلمانية لحزب العمال، إذ يعتبرها بعض النواب ممثلة للجناح اليميني داخل الحزب، وهو ما يتناقض -برأيهم- مع التغيير الذي وعد به بيرنهام.

وفي مقال تحليلي ينشره جون تريكيت في مجلة "تريبيون" ، ونقلت صحيفة آي بيبر أبرز مضامينه، اعتبر النائب العمالي أن الانتخابات الفرعية في دائرة ميكرفيلد، التي أوصلت بيرنهام إلى زعامة الحزب، لم تكن مجرد هزيمة لحزب الإصلاح البريطاني، بل مثّلت "رفضا لأربع من سياسات اليمين" في بريطانيا، تشمل شعبوية نايجل فاراج، والقومية المتشددة للسياسي اليميني روبرت لوي، وتيار المحافظين النيوليبراليين الذي تمثله زعيمة حزب المحافظين المعارض كيمي بادينوك، إضافة إلى النهج الوسطي والإداري الذي اتبعه كير ستارمر.

ويرى تريكيت أن نجاح بيرنهام يتوقف على قدرته في تقديم مشروع اقتصادي واجتماعي جديد، محذرا من أن مجرد "تبادل المقاعد" داخل الحكومة لن يحقق هذا الهدف.

وفي مقاله يجادل بأنه "إذا نجحت سياسة بيرنهام القائمة على التضامن والدولة الفاعلة، فقد تتمكن بريطانيا من إعادة بناء اقتصاد أكثر توازنا وديمقراطية، أما إذا فشلت فلن يبقى الفراغ السياسي طويلا".

مصدر الصورة الأوساط المالية لا تفضل تولي إد ميليباند (الصورة) وزارة الخزانة (غيتي إيميجز)

ارتياح مشوب بالتحفظ

وفي موازاة السجال السياسي، ركزت صحيفة تلغراف في تقرير مطول أعده 3 من مراسليها، على شخصية شبانة محمود وخلفيتها الاقتصادية، معتبرة أن اختيارها -رغم افتقارها إلى خبرة مباشرة في إدارة المالية العامة- قد يكون أكثر قبولا لدى الأسواق من تعيين إد ميليباند.

ويستعرض التقرير مسيرتها منذ نشأتها في متجر العائلة بمدينة برمنغهام، حيث اكتسبت خبرة مبكرة في إدارة الأموال. وتستعيد شبانة تلك التجربة بقولها إن المتجر كان "أشبه بخدمة اجتماعية"، قبل أن تضيف، متحدثة عن اعتماد الأسرة لاحقا على صندوق نقدي بسيط بعد تعرض المتجر للسرقة مرتين: "أصبحت مهاراتي في الحساب الذهني جيدة جدا".

وتلفت الصحيفة إلى أن شبانة تتمتع بسمعة قوية في أروقة الحكومة بقدرتها الاستثنائية على إنجاز الأمور الصعبة، إذ وصفها أحد المسؤولين السابقين بأنها شخصية "تحسم الأمور"، مضيفا أنها نجحت في تغيير آلية عمل وزارة الداخلية وأدارت ملفي الهجرة واللجوء بحزم.

أما في الأوساط المالية، فقد بدا الارتياح واضحا لاحتمال تعيينها. ونقلت تلغراف عن رئيس إحدى الشركات المالية الكبرى قوله إن الأسواق ستقف في معسكر "أي شخص إلا ميليباند"، مضيفا أن شبانة يُنظر إليها على أنها شخصية مستعدة لاتخاذ "القرار الصحيح لا القرار الأسهل سياسيا".

لكن هذا التفاؤل لا يخلو من التحفظات؛ إذ يشير التقرير إلى أن بعض مسؤولي القطاع المالي يرتابون من محدودية خبرتها الاقتصادية، ويرون أن اختيارها قد يعني عمليا أن بيرنهام نفسه سيكون صاحب النفوذ الأكبر في رسم السياسة المالية.

إعلان

واستعرضت تلغراف مواقف سابقة تكشف ميول شبانة للتدخل في شؤون الاقتصاد؛ فقد دعت خلال جائحة كورونا إلى توسيع الاقتراض الحكومي، قائلة إن "تكلفة الاقتراض منخفضة… ويجب أن نقدم أكبر قدر ممكن من الدعم لإنقاذ الوظائف والشركات".

كما دعمت فرض ضرائب أعلى على أصحاب الدخول المرتفعة، وأيدت إعادة ضريبة الدخل البالغة 50% على الشريحة الأعلى، معتبرة أن خفضها إلى 45% منح الأثرياء "تخفيضا ضريبيا ضخما" في وقت كانت الأسر العادية تعاني فيه من الضغوط الاقتصادية.

يرى عدد من حلفاء بيرنهام أن شبانة لا تمتلك حساً اقتصاديا، وأنها شخصية غير توافقية ويشككون في قدرتها على إدارة وزارة الخزانة

بواسطة صحيفة التايمز

صقر مالي

وفي ذات السياق، تقدم صحيفة التايمز، في تقريرين، صورة أكثر تعقيدا لشبانة محمود، معتبرة أن صورتها كسياسية محافظة ماليا تخفي ميولا اقتصادية أكثر راديكالية.

فرغم أنها استقالت من حكومة الظل بقيادة جيريمي كوربين عام 2015 بسبب خلافات اقتصادية عميقة، فإن مواقفها السابقة تشير إلى دعمها لفرض ضرائب تصاعدية أعلى على الأثرياء؛ حيث طالبت مرارا بإعادة تطبيق ضريبة الدخل القصوى بنسبة 50% على الفئات الأكثر ثراء، وانتقدت خفضها من قبل الحكومات السابقة واصفة إياه بـ "غير العادل والخطأ".

وتكشف التايمز أن الصورة النمطية لشبانة كـ "صقر مالي" صارم قد تخفي وراءها غريزة اقتصادية راديكالية ومؤيدة للتدخل الحكومي.

ويعكس هذا المشهد عمق الفجوة القائمة بين التيارات العمالية، حيث نقلت الصحيفة عن مصادر برلمانية وصفها خطة تفضيل شبانة على ميليباند بأنها غريبة وغير مفهومة.

كما تنقل الصحيفة عن أحد المقربين منها قوله إنها تسعى إلى تبني استراتيجية اقتصادية متماسكة بدلا من القرارات الجزئية التي اعتادت وزارة الخزانة إصدارها، مؤكدا أن نهجها داخل الخزانة سيكون "مختلفا جدا" عن تجربتها في وزارة الداخلية.

لكن هذه الترشيحات نفسها فجرت انقساما حادا داخل حزب العمال، فقد كشفت التايمز في تقرير آخر عن تزايد معارضة الجناح اليساري لتعيينها.

فبحسب التقرير، يرى عدد من حلفاء بيرنهام أنها تفتقر إلى رؤية اقتصادية واضحة، وأنها شخصية غير توافقية. ونقلت الصحيفة عن أحد المقربين من رئيس الوزراء الجديد قوله إن شبانة "لا تمتلك حسا اقتصاديا… وليس واضحا كيف ستقود وزارة الخزانة".

مصدر الصورة النائبة راشيل ماسكل اعتبرت ميليباند الخيار الأنسب لتولي منصب وزير الخزانة (غيتي إيميجز)

ووفق الصحيفة، فإن أفكار شبانة الاقتصادية تقترب من توجهات تيار "العمال الأزرق" (Blue Labour) -وهو تيار فكري وسياسي داخل حزب العمال يجمع بين السياسات الاقتصادية اليسارية والقيم الاجتماعية المحافظة- الذي يدعو إلى دور أكبر للدولة، وإعادة النظر في قواعد الانضباط المالي، وزيادة الضرائب على الثروة والأصول، وإصلاح ضرائب المجالس المحلية، إلى جانب استراتيجية صناعية أكثر نشاطا، وسياسات تهدف إلى خفض أسعار الطاقة وتوسيع بناء المساكن.

أما النائبة اليسارية راشيل ماسكل، فاعتبرت أن تعيين إد ميليباند سيكون الخيار الأنسب، مؤكدة أن خبرته السابقة في وزارة الخزانة وقدرته على توحيد الحزب تجعله أكثر تأهيلا، وأضافت "إد يتفوق على شبانة بوضوح، وسيكون تعيينها خطأ."

في المقابل، يدافع أنصار وزيرة الداخلية الحالية عن سجلها التنفيذي، ويؤكدون أنها أثبتت قدرتها على تنفيذ السياسات بسرعة واتخاذ قرارات صعبة، معتبرين أن هذه الصفات قد تكون ما يحتاجه بيرنهام في ظل تباطؤ الاقتصاد البريطاني واتساع الضغوط على المالية العامة.

وتخلص مجمل التقارير إلى أن معركة وزارة الخزانة تجاوزت مسألة اختيار وزير للخزانة، لتتحول إلى اختبار مبكر لهوية حكومة بيرنهام نفسها.

إعلان

فهل ستواصل الحكومة الجديدة نهج ستارمر مع بعض التعديلات، أم ستتبنى مشروعا اقتصاديا وسياسيا مختلفا يرضي قواعد الحزب دون أن يفقد ثقة الأسواق؟ ويبدو أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل المرحلة المقبلة داخل حزب العمال، وربما مستقبل الاقتصاد البريطاني أيضا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا