أعادت الوفاة المفاجئة للسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام فتح باب التساؤلات حول ملابسات رحيله، وسط دعوات لإجراء تحقيق شامل في أسباب الوفاة، وتكهنات انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي بشأن احتمال وجود دور روسي، من دون ظهور أي أدلة معلنة تؤكد هذه الفرضيات.
وفي أعقاب وفاة غراهام، طالبت ميغان موبس، ابنة كيث كيلوغ، المبعوث الأمريكي السابق إلى أوكرانيا خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، بإجراء تحقيق موسع، معتبرة أن الاكتفاء بتفسير سبب الوفاة بـ"السكتة القلبية" لا يرقى إلى مستوى الإجابة المطلوبة في هذه الحالة.
وجاء في بيان صادر عن مكتب السيناتور الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية "توفي السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام مساء السبت 11 تموز/ يوليو، إثر مرض مفاجئ لم يدم طويلا"، مضيفا أن "عائلته (...) تطلب احترام خصوصيتها خلال هذه الفترة العصيبة".
وذكرت شبكة "إن بي سي نيوز" أن خدمات الطوارئ تلقت مساء السبت بلاغا بخصوص حالة "سكتة قلبية" في منزل غراهام في حي كابيتول هيل في واشنطن ، وفق تسجيلات لاتصالات الشرطة اطلعت عليها الشبكة ووسائل إعلام أخرى.
وقالت موبس، في منشور على منصة "إكس"، إن طبيعة التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة، وهوية خصومها، فضلا عن الدور المحوري الذي لعبه غراهام في مواجهة هذه التحديات، تجعل من حق الأمريكيين معرفة الحقيقة كاملة. ودعت موبس، وهي محاربة قديمة في الجيش الأمريكي وترأس مؤسسة تقدم الدعم لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب الروسية عليها، إلى إجراء تشريح جنائي شامل، والحفاظ على العينات البيولوجية ذات الصلة، وإخضاعها لفحوصات دقيقة، إلى جانب إشراك أجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات في عملية التحقيق.
وفي تطور لاحق تناقلت تقارير إعلامية أن النتائج الأولية للطب الشرعي في مقاطعة كولومبيا أظهرت أن غراهام توفي بسبب تمزق الشريان الأورطي الناجم عن مرض تصلب الشرايين والأوعية الدموية، وفقا لبيان أصدره مكتبه يوم الأحد.
وجاء في البيان أيضا أن شهادة الوفاة ستظل معلقة حتى يتم الانتهاء من جميع فحوصات السموم والفحوصات المجهرية. وعند هذه النقطة، سيجري تحديث شهادة الوفاة لتعكس سبب الوفاة وتصنيف طريقة الوفاة بشكل مناسب.
وأشعلت هذه التصريحات موجة من التكهنات بين بعض المعلقين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين ذهبوا إلى حد طرح فرضية تعرض غراهام، البالغ من العمر 71 عاما، للتسميم. غير أن هذه المزاعم لا تستند حتى الآن إلى أي معلومات رسمية أو أدلة معلنة. وكان غراهام أحد أبرز الأصوات المؤيدة لأوكرانيا داخل الحزب الجمهوري، ومن أكثر أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي دعما لكييف. فقد ضغط من أجل استمرار تدفق المساعدات العسكرية والمالية إلى أوكرانيا، كما دعم فرض عقوبات أشد على روسيا.
وعبّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن حزنه العميق لرحيل غراهام، واصفا إياه بأنه "مدافع حقيقي عن الحرية". وقال إن السيناتور زار أوكرانيا عشر مرات منذ بدء الحرب، وإن التواصل بينهما ظل قائما باستمرار، مشيرا إلى أنه التقى به مرتين خلال الأسبوع الأخير قبل وفاته.
وفي موسكو، أثارت وفاة غراهام ردود فعل مختلفة، إذ نشر ألكسندر كوز، أحد أبرز المدونين العسكريين الروس، تعليقا حادا عبر تطبيق "تلغرام"، وصف فيه السيناتور الأميركي بأنه من أكثر الشخصيات السياسية الأميركية عداء لروسيا.
واتهمه بأنه لعب دورا في الدفع نحو استمرار الضغوط على موسكو وإطالة أمد الحرب. وأشار كوز إلى أن غراهام كان قد أعلن قبل وفاته بيوم واحد أنه نسّق مع البيت الأبيض مشروع قانون جديد لفرض عقوبات إضافية على روسيا، لكنه لم يتمكن من استكمال مساره.
من جهتها، أوضحت موبس لاحقاً أنها تلقت مخاوف من أشخاص ذوي خبرة وعلاقات واسعة بشأن توقيت وفاة غراهام وظروفها، مؤكدة في الوقت نفسه احتمال أن تكون الوفاة طبيعية. وشددت على أن الشفافية والكشف الكامل عن الحقائق يمثلان أفضل وسيلة لمواجهة الشائعات ونظريات المؤامرة.
وبخصوص وفاة السيناتور، قال ترامب إن غراهام سياسي بالفطرة ويعمل بجد، ومتمرّس في التعامل مع ممثلي كلا الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة. وأضاف ترامب أن غراهام "كان رائعا وفريدا من كل النواحي". وأشار إلى أنه تحدّث إليه مساء السبت، لدى عودة السيناتور الجمهوري من رحلته إلى أوكرانيا، وقال إن الأخير بدا متعبا ولفت إلى الإعداد للقاء بينهما كان يمكن أن يُعقد الأحد. وتابع "ربما كانت تلك كانت آخر مكالمة له".
ترامب: غراهام سياسي بالفطرة ويعمل بجد، ومتمرّس في التعامل مع ممثلي كلا الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدةصورة من: Lenin Nolly/NurPhoto/picture allianceوخاض غراهام سباقا فاشلا للفوز بترشيح الحزب الجمهوري لرئاسيات عام 2016، محذّرا آنذاك من دعم دونالد ترامب الذي وصفه بأنه "محرّض على الانقسام العرقي وكاره للأجانب ومتعصّب دينيا". كما شهدت العلاقة بين الرجلين توتّرا عقب الهجوم على مبنى الكابيتول في السادس من كانون الثاني/ يناير 2021، حين قال غراهام مخاطبا زملاءه الجمهوريين "لقد طفح الكيل".
إلا أن غراهام عاد وصوّت لاحقا ضدّ إدانة ترامب في محاكمته الثانية بهدف عزله، ودعم مساعيه للفوز بولاية رئاسية ثانية، ممّا أعاد ترميم العلاقة بينهما. وعُرف عن غراهام تأييده للحرب على إيران ودعمه القوي لإسرائيل، وقد نعاه رئيس حكومتها بنيامين نتانياهو، ووصفه بأنه "أحد أعظم أصدقاء" الدولة العبرية.
وقال نتانياهو في بيان صادر عن مكتبه "كان ليندسي يدرك أن أمن إسرائيل والولايات المتحدة لا ينفصل أحدهما عن الآخر... لقد فقدت إسرائيل أحد أعظم أصدقائها. وفقدت الولايات المتحدة وطنيا عظيما. أما أنا فقد فقدت صديقا عزيزا".
يشار إلى أن غراهام عمل محاميا عسكريا، وبلغ رتبة عقيد في سلاح الجو، وهي تجربة أسهمت في تشكيل مواقفه في السياسة الخارجية المؤيّدة لتدخل الولايات المتحدة. وفي عام 2002، صوّت دعما لغزو العراق في أعقاب هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، كما أيّد لاحقا الإبقاء على وجود عسكري أميركي طويل الأمد في أفغانستان.
ويُعدّ غراهام من أبرز منتقدي سياسات الرئيس الأسبق باراك أوباما الخارجية، إذ وصفه عقب توقيع "خطة العمل الشاملة المشتركة" بين إيران ومجموعة الـ"5+1" في العام 2015 بأنه "خصم ضعيف للشر".
المصدر:
DW