في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
استقر سعر صرف الليرة السورية خلال يوليو/تموز الحالي قرب 13 ألفا ليرة مقابل الدولار الأمريكي، بعدما شهد حالة من التذبذب الحاد خلال يونيو/حزيران الماضي، حيث وصل إلى 14 ألفا و500 ليرة للدولار الواحد منتصف الشهر.
وتطرح إشكالية صعود السعر وهبوطه خلال أسابيع قليلة، تساؤلات حول أسباب الاضطراب في سعر العملة المحلية، في وقت يتجه المصرف المركزي لتعزيز الاعتماد عليها في مختلف الأسواق السورية.
يرى الأكاديمي الاقتصادي الدكتور زياد أيوب عربش أن هذا المشهد "لا يعكس تحسنا" موحدا، بل يكشف عن فجوة متسعة بين السعرين الرسمي والموازي، حيث تحسنت الليرة في السوق الموازية بفعل عوامل عدة، يأتي في مقدمتها تسعير المشتقات النفطية بالليرة السورية حصرا في جميع المحطات، مما خلق طلبا كبيرا على العملة الوطنية وأجبر الكثيرين على تصريف الدولار لتأمين متطلبات المعيشة اليومية.
يضيف عربش لـ"سوريا الآن"، أن تعميم المصرف المركزي قبل نحو أسبوعين، باقتراب انتهاء مهلة تبديل العملة القديمة، دفع كتلا مالية كبيرة مخزنة سابقا إلى الخروج للتداول وزيادة المعروض من الليرة.
كما أسهمت زيارة حاكم المصرف المركزي الجديد لمدينة إدلب، وحديثه عن خطة لسحب الليرة التركية تدريجيا من الأسواق، إلى جانب فتح فرع للمصرف في الرقة مؤخرا، في دمج أجزاء من اقتصاد المنطقة الشرقية بالاقتصاد الوطني، وهو ما انعكس إيجابا على سعر الليرة بحسب عربش.
وتشمل العوامل الأخرى، وفق الأكاديمي السوري، إجراءات السياسة التجارية الهادفة لمحاربة الاستيراد الوهمي، مما قلص الطلب على الدولار في عمليات الاستيراد، إضافة إلى صرف قيمة محصول القمح بالليرة السورية. ولم يغفل عربش دور انخفاض أسعار الطاقة عالميا، مما خفض فاتورة الاستيراد.
من جانبه، يحذر الباحث الاقتصادي ملهم الجزماتي، من التعامل مع التحسن الأخير في قيمة الليرة على أنه مؤشر على تعافٍ اقتصادي، معتبرا أنه مرتبط بإجراءات نقدية وإدارية مؤقتة، مثل عملية استبدال العملة القديمة بالجديدة، وتشديد التعامل بالعملة الجديدة، وتعديل السعر الرسمي، والسماح بمزيد من المرونة في استلام الحوالات.
ويرى أن هذه الإجراءات "قد تزيد الطلب المؤقت على الليرة الجديدة وتخفف المضاربة على المدى القصير، لكنها لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد بدأ ينتج دولارات أكثر، أو أن الصادرات ارتفعت، أو أن الاحتياطيات الأجنبية أصبحت كافية للدفاع عن سعر صرف محدد".
ويشير الجزماتي لـ"سوريا الآن" إلى أن السوق السورية اليوم "حساسة جدا للأحداث، حيث يمكن لأي توتر أمني، أو احتجاجات، أو شائعات، أو تغير في توقعات الناس تجاه الحكومة والمصرف المركزي أن ينعكس سريعا على الطلب على الدولار"، ويعزو ذلك إلى "ضعف الثقة المزمن، وارتفاع درجة الاعتماد على الاستيراد، وعدم تعافي الإنتاج المحلي والصادرات بعد بشكل كافٍ".
ويخلص الجزماتي إلى أن التذبذب الراهن في سعر صرف الليرة، هو نتيجة عاملين متلازمين: سياسة نقدية لم تكتمل أدواتها بعد، وبيئة سياسية وأمنية واقتصادية شديدة الحساسية.
من جانبها، تستبعد الخبيرة الاقتصادية ووزيرة الاقتصاد السورية السابقة لمياء عاصي، إرجاع التذبذب الحاصل إلى سياسات نقدية أو اقتصادية واضحة، مؤكدة أن "المسألة معقدة ومتعددة الارتباط بالناتج المحلي الإجمالي وهيكليته، والصادرات والواردات، ومؤشرات اقتصادية وسياسية أخرى لا يمكن فصلها عن بعضها".
وتوضح عاصي لـ"سوريا الآن" أنه رغم الدور الأساسي والمباشر للمصرف المركزي عبر أدوات نقدية تؤثر على سعر الصرف، كسعر الفائدة والتحكم بعرض النقود وبيع العملات الأجنبية من الاحتياطيات، فإن الوضع في سوريا يحمل خصائص مغايرة، أبرزها "ضعف الاحتياطيات من النقد الأجنبي بشكل رئيسي".
وتستبعد عاصي، في حديثها "قدرة الحكومة السورية على تثبيت سعر الصرف بقرار إداري"، مشيرة إلى أن ذلك يتطلب إمكانيات لتلبية حاجات السوق من العملات الأجنبية اللازمة لعمليات الاستيراد، وهو ما لا يتوفر في ظل احتياطيات نقدية أجنبية غير كافية.
وتلفت إلى أن تجربة لبنان السابقة في تثبيت سعر الصرف كانت مختلفة، إذ استندت إلى نظام مصرفي قوي يجتذب ودائع من كافة الدول، لكنها تؤكد أن "أي دولة لا تستطيع اليوم تثبيت سعر صرف عملتها الوطنية إلا بامتلاك نظام مصرفي قوي واحتياطيات تغطي المستوردات، إضافة إلى صادرات كافية لإعادة تمويل تلك الاحتياطيات".
ويوافقها الرأي الباحث الجزماتي، موضحا أن التثبيت ليس قرارا إعلانيا فقط، بل يحتاج إلى احتياطيات أجنبية كافية، وقدرة على بيع الدولار عند الحاجة، وانضباط مالي، وثقة بالسعر المعلن، وقدرة على منع عودة السوق السوداء.
ويطرح التغير الحاصل بسعر صرف الليرة تساؤلات عن إمكانية تحسن السعر أو تراجعه في المستقبل القريب. ويعرب عربش عن أمله في تحقق السيناريو الأول، لكنه يستدرك بالإشارة إلى غياب المؤشرات الاقتصادية الداخلية والإقليمية لذلك، باستثناء استمرار هبوط أسعار النفط المرتبط بمآل الاتفاق الأمريكي-الإيراني.
بدورها حذرت لمياء عاصي من أن الاهتمام بسعر الصرف منفردا يعد مقاربة خاطئة، لأنه مجرد "أحد الأعراض وليس جذر المشكلة"، مشددة على أن العلاج المستدام يتطلب الاهتمام بالجوانب الإنتاجية التي تساهم في خلق دورات اقتصادية مستدامة، وهو ما لا يمكن تحقيقه "في ظل سياسة حبس السيولة التي يستخدمها المصرف المركزي"، والتي ترى أنها تساهم في ركود الأنشطة الاقتصادية وخنق المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
بينما يرى الجزماتي أن الأولوية "ليست الاختيار بين الاحتياطيات أو الإنتاج أو توحيد السوق، بل ترتيب هذه الأولويات ضمن مسار واحد". ففي المدى القصير، يعتبر أن "الأهم هو توحيد سوق الصرف قدر الإمكان وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق، لأن وجود سعرين يخلق مضاربة ويضعف الثقة".
وبالتوازي، يشدد على بناء احتياطيات أجنبية قابلة للاستخدام، وليس فقط الإعلان عن التزامات أو وعود استثمارية. أما على المدى المتوسط، فيؤكد الجزماتي أن استقرار الليرة يظل رهنا بإنتاج محلي وصادرات حقيقية، وعودة تدريجية للتمويل الخارجي والاستثمار الفعلي.
المصدر:
الجزيرة