في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مع مرور أكثر من 1000 يوم على الحرب الإسرائيلية، أفردت وسائل الإعلام العبرية بمختلف توجهاتها، وبمشاركة واسعة من كبار المراسلين العسكريين، والمحللين السياسيين، والخبراء، مساحات واسعة لتغطية هذا اليوم الرمزي والمؤلم في الوجدان الإسرائيلي، كما وصفته.
ولم تكن التغطية مجرد رصد للأرقام، بل تحولت إلى محاكمة علنية للإستراتيجية الإسرائيلية، وإجماع غير مسبوق على وجود فجوة هائلة بين "الإنجازات التكتيكية" للجيش، والفشل الإستراتيجي والسياسي الذريع في تحقيق الأهداف التي وضعها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وعلى رأسها "النصر المطلق".
في قراءة نقدية لما آلت إليه الأوضاع، يبرز صوت النخب الفكرية والعسكرية التي بدأت تحذر من تداعيات أخلاقية وبنيوية تعصف بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وفي هذا السياق، سلّط الباحث الإستراتيجي شموئيل مئير الضوء على ما أسماه "التدهور الأخلاقي" الذي بات يشكل خطرا حقيقيا على جيش الاحتلال.
واستناداً إلى التحليلات العسكرية الرصينة، لا سيما ما كتبه المحلل البارز عاموس هاريئيل في خلاصة "حرب الألف يوم"، فإن سياسة الانتقام الممنهجة في قطاع غزة أدت إلى قتلا جماعيا للمدنيين؛ حيث تشير المعطيات الموثقة إلى أن ثلثي الضحايا الفلسطينيين (من بين نحو 72 ألفا) كانوا من المدنيين العزل.
ويقول الكاتب إن هذا التآكل القيمي، وفقا للقراءة الإسرائيلية الداخلية، لم يعد مجرد انتقاد توجهه جهات خارجية، بل أضحى اعترافا داخليا بخطورة السلوك العسكري الذي يهدد الهوية المؤسسية للجيش.
عكست البرامج الحوارية المركزية حالة من الإحباط والتشاؤم الصادم مقارنة بالتوقعات التي سادت في الأيام الأولى للحرب، ففي برنامج "الأخبار" الذي يقدمه الإعلامي يعقوب إيلون عبر "قناة الكنيست 99″، دار نقاش معمق كشف عجز الدولة عن صرف "الشيكات العسكرية" في بنك السياسة.
العقيد في قوات الاحتياط حنوخ داوبا، الذي قاتل في غزة، صرّح بمرارة قائلًا: "قبل ألف يوم كنت في غلاف غزة، ولم أكن أتخيل في مخيلتي أننا سنصل إلى هذه النقطة الزمنية ونتيجتها خطان أصفران بائسان في الشمال والجنوب"، موضحاً أنه على الرغم من التدمير الهائل وقتل وهدم البنى التحتية تكتيكيا، إلا أن الوضع الإستراتيجي "ليس جيداً على الإطلاق".
من جانبه، ورغم محاولته إبراز بعض "الإنجازات مثل إضعاف حماس وحزب الله وإيران" مقارنة بليلة " الكرياه" الأولى، اتفق الكاتب التلفزيوني روعي عيدان مع "داوبا" في أن "النصر المطلق" لا يزال بعيد المنال، معبراً عن قلقه الشديد من عودة الأنظمة العسكرية والاستخباراتية إلى "أنماط سلوكية غير صحية" سادت قبل الفشل الكبير، دون التعلم الكافي من التجربة المستمرة.
قدّم المراسل العسكري المخضرم ألون بن ديفيد عبر القناة 13 الإسرائيلية جردة حساب سوداوية لألف يوم من القتال المتواصل على سبع جبهات، وهي الحرب التي حصدت أرواح 2042 إسرائيليا وأصابت عشرات الآلاف جسديا ونفسيا.
أبرز بن ديفيد الفشل الإسرائيلي في ترجمة الضربات العسكرية إلى واقع سياسي مستدام عبر المحاور التالية:
وخلص بن ديفيد إلى أن إدارة الحكومة للحرب أضرت بأهم الأصول الإستراتيجية لإسرائيل وهي "العلاقات مع الولايات المتحدة"، مؤكداً أن الوضع الإستراتيجي الحالي أسوأ مما كان عليه عشية 7 أكتوبر/تشرين الأول.
من منظور اليمين الإعلامي، حاول الكاتب العسكري والأمني هيلل بيتون روزين عبر القناة 14 الإسرائيلية تبرير الفجوة بين الإنجاز العسكري والهدف السياسي، مشبهاً الوضع بمباراة كرة قدم تفوز فيها إسرائيل عسكريا بنتيجة (10-0) في كل جبهة، لكنها تخسر بالمعايير السياسية.
وأقر روزين بأن الأهداف السياسية المتمثلة في تفكيك حماس، طرد السكان الداعمين لها، تفكيك حزب الله، وتغيير النظام في إيران، لم تتحقق بعد.
ودعا روزين إلى مواصلة الضغط العسكري في لبنان وغزة محاولاً الحفاظ على الثقة بالقيادة السياسية الحالية، مع التأكيد على أن الشارع الإسرائيلي لا يزال يطمح إلى "الانتقام والأمن المطلق".
وفي سياق آخر، هاجم روزين تصريحات رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت حول خشية السنوار منه، معتبراً إياها ادعاءات لا أساس لها استخباراتيا، ومؤكداً أن فترة حكومة بينيت كانت الوقت الذي شحذت فيه حماس سيوفها للضربة الكبرى.
رسم محرر الشؤون الفلسطينية في هيئة البث الإسرائيلية، إليئور ليفي، لوحة قاتمة لتحولات الشرق الأوسط خلال الأيام الألف الماضية، وزعم ليفي أنه قبل ألف يوم، كانت إسرائيل على بعد خطوة واحدة من التطبيع مع السعودية، لكن وثائق حماس التي تم الكشف عنها أثبتت أن الاندفاع نحو هذا التطبيع هو الذي حدد "ساعة الصفر" لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، ليتبخر هذا الأمل تحت غبار الحرب.
وعلى الجبهة اللبنانية، وصف ليفي الأحداث بـ "القطار الأفعواني التناقضي"؛ فبعد اغتيال نصر الله وتصفية القيادة عبر عملية "زئير الأسد"، فرض نعيم قاسم (الذي كان يُنظر إليه في إسرائيل كبديل باهت) قواعد لعبة "جديدة – قديمة" على تل أبيب.
وفيما يخص غزة، أبدى ليفي دهشته من أن حماس، بعد ألف يوم من هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، لا تزال تُعامل كلاعب إقليمي شرعي تُدار معه المفاوضات في العواصم العربية، مؤكداً: "ليس هكذا يبدو التطبيع، وليس هكذا يبدو انهيار المحور، وليس هكذا يبدو النصر المطلق".
وفي تشخيص دقيق لغياب المحاسبة والشفافية، لخص دورون كادوش، المراسل العسكري لإذاعة الجيش الإسرائيلي، الأزمة الإسرائيلية في قائمة من الأسئلة الجوهرية والحارقة التي لا تزال تبحث عن إجابات بعد 1000 يوم من الإخفاق، وأبرزها:
تجمع وسائل الإعلام الإسرائيلية في ذكرى الـ 1000 يوم على أن إسرائيل تخوض حرباً بلا أفق سياسي واضح، وأن "البطولات التكتيكية" للجنود في الميدان يتم هدرها على أعتاب العجز السياسي والهروب من الأسئلة المصيرية.
وتشير إلى أن "حرب الألف يوم" لم تغير وجه الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، بل وضعت الدولة العبرية أمام مرآة مهشمة تعكس عمق أزمتها الإستراتيجية، وفقدانها للأمن، وتآكل مكانتها الدولية والإقليمية، دون أي بادرة لنهاية قريبة.
المصدر:
الجزيرة