تأتي الزيارة التي أعلنت عنها أمس الرئاسة السورية، للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، كمحطة مهمة في تاريخ العلاقات السورية الفرنسية، التي عبرت محطات بارزة منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
تعد زيارة ماكرون الأولى لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ زيارتي نيكولا ساركوزي في العامين 2008 و2009 إلى دمشق، قبل القطيعة مع نظام بشار الأسد، وهي الأولى لزعيم غربي بعد سقوط النظام قبل نحو عام ونصف.
وأوضحت مديرية الإعلام في الرئاسة السورية أمس الأحد، أن الرئيسين الشرع وماكرون "سيجريان جلسة حوار مستديرة مع الوفدين"، مضيفة أن المباحثات "ستتناول تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، وآفاق التعاون الثنائي في مختلف المجالات، في إطار الحرص المشترك على مواصلة الحوار السياسي وتعزيز العلاقات بين البلدين".
بدأ الانفتاح الفرنسي على الإدارة السورية الجديدة مبكرا، فأرسلت باريس وفدا دبلوماسيا بعد أيام من سقوط النظام السابق للقاء المسؤولين السوريين، ورفع العلم الفرنسي فوق مبنى السفارة الفرنسية في دمشق وذلك للمرة الأولى منذ عام 2012.
وأجرى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مع نظيرته الألمانية أنالينا بيربوك محادثات مع الرئيس الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مطلع يناير/كانون الثاني 2025، وأعلنا من العاصمة السورية نية بلديهما إعادة بعثتيهما الدبلوماسيتين، وفتح صفحة جديدة من العلاقات مع الدولة السورية.
وتقدمت باريس بخطوة إضافية لدعم القيادة السورية الجديدة، فاستضافت مؤتمرا دوليا دعما لدمشق في فبراير/شباط 2025، بمشاركة وزراء خارجية نحو 20 دولة بينها مصر والسعودية وتركيا ولبنان إلى جانب قوى غربية.
واتفقت تلك الدول في بيان على "بذل أقصى جهد لمساعدة السلطات الجديدة في سوريا وحماية البلاد خلال الفترة الانتقالية"، في حين حث الرئيس ماكرون السلطات السورية على الشراكة مع التحالف الدولي لمحاربة " تنظيم الدولة".
وقال المشاركون أيضاً، إنهم سيعملون على "ضمان نجاح الانتقال لما بعد بشار الأسد في إطار عملية يقودها السوريون وتخصهم بجوهر المبادئ الأساسية لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254″.
بدوره أعلن بارو، أن المشاركين في مؤتمر باريس بشأن سوريا "اتفقوا على تشكيل مجموعة عمل، لتنسيق جهود دعم سوريا".
واستقبل الرئيس ماكرون نظيره السوري في قصر الإليزيه في مايو/أيار 2025 خلال أول زيارة رسمية يجريها الرئيس أحمد الشرع إلى دولة غربية بعد توليه السلطة، في خطوة سياسية حملت دلالات مهمة.
وبحث الرئيسان "عددا من القضايا الثنائية والإقليمية"، ومسألة "إعادة الإعمار وآفاق التعاون الاقتصادي والتنمية في سوريا" حسب وسائل إعلام سورية رسمية.
ودعا الرئيس الفرنسي لـ"ضرورة العمل سريعا على رفع العقوبات عن سوريا، التي تحتاج إلى فترة طويلة للتعافي" مضيفا: "هناك قائد وضع حدا للنظام السابق الذي كنا نندد به".
بدوره قال الرئيس الشرع إن فرنسا "كانت من أوائل الدول الأوروبية التي طردت بعثات النظام الدبلوماسية، إثر المجازر المروعة التي ارتكبها، وأول دولة أوروبية تعترف بالمعارضة السياسية، واستثمرت فرنسا في الجهود الإنسانية والسياسية وفي ملفات المساءلة"، مضيفا: "نحن نثمن لها ذلك، ويكفي أن تمتلك دولة ذات رؤية مثل فرنسا تاريخاً من تشكيل مملامح الدولة الحديثة لتدرك وتقدر هذا الحق في دولة أخرى".
ووقعت الحكومة السورية وشركة "سي إم إيه سي جي إم" الفرنسية للشحن والخدمات اللوجستية عقدا لمدة 30 عاما مع سوريا، لتطوير وتشغيل ميناء اللاذقية في مايو/أيار 2025.
كما جرى التوقيع بعد ذلك بعام، على اتفاق مع "سي إم إيه سي جي إم" لتشغيل ميناءين جافين في منطقتي عدرا قرب دمشق وحلب، في خطوة تستهدف إعادة تنشيط البنية اللوجستية والتجارية بعد سنوات الحرب.
ويشمل الاتفاق إدارة وتشغيل الميناءين الجافين داخل المناطق الحرة، دعماً لحركة النقل والخدمات اللوجستية والتجارة الداخلية والخارجية.
وتحمل زيارة ماكرون أبعاداً اقتصادية واضحة مع حضور وفد من ممثلي شركات فرنسية مهتمة بالمشاركة في إعادة تأهيل الاقتصاد السوري، بعد سنوات من الحرب.
وبينت مديرية الإعلام في الرئاسة السورية أن وفدا "يضم مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية يرافق ماكرون"، معتبرةً ذلك مؤشرا على توجه الجانبين لتعزيز التعاون الاقتصادي إلى جانب الملفات السياسية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة