في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
القدس- لم تعد السياسات الإسرائيلية في مدينة القدس المحتلة مجرد انتهاكات ميدانية، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى إستراتيجية حسم شاملة تسابق عبرها حكومة الاحتلال الزمن لإغلاق الملف السياسي للمدينة "نهائيا" وفق نائب محافظ القدس عبد الله صيام.
وبين مطرقة المخططات الاستيطانية الكبرى التي تسعى لفرض واقع " القدس الكبرى" وخنق التواصل الجغرافي الفلسطيني عبر مشاريع إستراتيجية كمشروع " إي 1"، وسندان عزل المقدسات الإسلامية والمسيحية وملاحقة الرموز الوطنية والدينية بالإبعاد والاعتقال، تعيش العاصمة الفلسطينية مرحلة هي الأشد خطورة وفق تقديرات المؤسسات الرسمية الفلسطينية، حيث تتشابك الإجراءات الإسرائيلية لتهويد الجغرافيا وتغيير الوعي والهوية.
وللوقوف على المشهد السياسي المعقد الذي يواجه مدينة القدس وسكانها الفلسطينيين في ظل التصعيد المتواصل للإجراءات الإسرائيلية، حاورت "الجزيرة نت" عبد الله صيام، نائب محافظ القدس، حول أبرز التحديات بالقدس وأكنافها.
تتخذ سلطات الاحتلال إجراءات حثيثة لتقويض دور المؤسسات الفلسطينية في مدينة القدس، لا سيما الرسمية منها، وذلك في سياق محاولاتها فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المدينة؛ وهو القرار الذي سُنَّت لأجله تشريعات عدة في " الكنيست" لتثبيته رسميا.
وقد تصاعدت شراهة الاحتلال وتغوّله بعد اعتراف الإدارة الأمريكية السابقة بالقدس عاصمة لإسرائيل (عام 2017) ضمن ما عُرِف بـ"صفقة القرن"، إذ بات يتعامل منذ ذلك التاريخ مع أي نشاط فلسطيني سواء كان صادراً عن موقع مؤسسة رسمية، أو فعاليات جماهيرية، رياضية، وفنية، بوصفه مساسا بسيادته المزعومة.
ومن هذا المنطلق، شنت سلطة الاحتلال حربا ممنهجة ضد الوجود الفلسطيني وأصالة المدينة لإضفاء طابع "أسرلة" عليها عبر تسخير القوانين، والمصادرات، وعمليات الهدم، لإحداث خلل ديموغرافي وجغرافي لصالح المستوطنين.
وقانون السيادة في هذا السياق يعد الأخطر في هذا الصدد، إذ تسعى الحكومة المتطرفة من خلاله إلى خلق وقائع جديدة على الأرض لتعميق سيطرتها، واعتبار كل فلسطيني خارج نطاق هذه السيادة. وفي هذا الإطار، جرى إلغاء فعاليات مسرح الحكواتي، والمسرحيات، والمسيرات السلمية، واعتُقلت شخصيات مقدسية، واستُهدف التعليم الفلسطيني عبر فرض المنهاج الإسرائيلي لتشويه ذاكرة أطفالنا وطمس هذه الحضارة والتاريخ العميق.
وعلى الرغم من المشهد العربي والإسلامي الذي يشكل هوية مدينة القدس، إلا أن عمليات التجريف مستمرة لبناء أحياء ومبانٍ شاهقة بنمط التقنية العالية (الهاي تيك) على حساب المدينة، وقد زادت الأمور تعقيداً بفرض 4 أطواق من العزل حول القدس؛ متمثلة في:
إن ما فرضه الاحتلال من قوانين تشرعن "القدس الموحدة عاصمة له" هو مخطط إستراتيجي يسعى لتطبيقه ووضعه في إطار قانوني ليوهم العالم بأن الجهود السياسية المستقبلية لا أفق لها أمام تشريعات نافذة تصبح أمراً واقعاً وتتطلب إجراءات معقدة للتراجع عنها بدعوى "الديمقراطية".
والاحتلال لا يريد القدس بحدودها الحالية فحسب، ويسعى عبر مشروع "القدس الكبرى" إلى مد أطماعه لتصل إلى مشارف نابلس وحدود البحر الميت ممر مائي إستراتيجي، والاستيلاء على 30% من أراضي الضفة الغربية؛ فحدود القدس بالنسبة له هي الحدود التي تصلها الجرافة وآلة الاستيطان.
وعندما يتحدثون عن "المسار الإبراهيمي"، فإن أطماعهم تتجاوز فلسطين وتستهدف أجزاء واسعة من دول عربية أخرى يسعون لفرض السيادة عليها تحت مظلة السياسة الأمريكية الحالية.
يهدف مشروع "القدس الكبرى" للاستيلاء على جغرافيا واسعة تشكل 30% من الضفة الغربية، وإنهاء التواصل الجغرافي تماماً بين شمال الضفة وجنوبها.
تعتبر السفوح الشرقية والبادية الفلسطينية خطاً أحمر في السياسة الفلسطينية، وضياعها يعني فصل جنوب الضفة ( بيت لحم والخليل) عن وسطها وشمالها (نابلس)، وإحداث خلل ديموغرافي خطير يهبط بنسبة الوجود الفلسطيني من 40% سابقا إلى أقل من 17% مستقبلا، وهو ما يقضي على الأمل السياسي الفلسطيني ويحاربه.
إن القدس فسيفساء تجمع المكونات الإسلامية والمسيحية كإخوة في الحاضر والمستقبل، وفي الأمل والألم، ويحيط بها 43 تجمعا بدويا يمثلون ريف المدينة وقناديل صحرائها، واقتلاعهم يعد تهجيرا قسريا.
كما تضم المحافظة 28 تجمعا سكنيا ومخيمات تعد الأكثر اكتظاظاً، مثل شعفاط و قلنديا المحاذي لمطار القدس الدولي، حيث يقطن في مساحة أقل من كيلومتر مربع واحد أكثر من 90 ألف مواطن.
والبدو الذين يشكلون جزءاً من هذا التكوين، يرفضون التهجير رغم مصادرة مراعيهم وحرق خيامهم، ويصرون على حماية نمط حياتهم وثقافتهم النابعة من عقيدتهم ودورهم التاريخي، فليس من حق أحد إجبار البدوي على السكن في الطوابق العليا لجعله مدنيا.
تتعرض مدينة القدس لهجمة استيطانية شرسة تتمدد بشكل متسارع يفوق ما أحدثه الاحتلال في سنوات طويلة مضت بالتزامن مع الحرب المستمرة، حيث يرتكز هذا التمدد على 3 مسارات تدميرية:
أحدث الاحتلال تغييراً جذرياً وتجريفاً واضحاً في فضاء المدينة ومختلف جهاتها؛ فعلى الأرض تحولت الشوارع الكثيرة إلى حدود جغرافية وجدران فصل تحيط بالمدينة ذاتها، وتحت الأرض تتواصل الحفريات والأنفاق وزرع القبور والآثار المزيفة لتشويه عمق المدينة وتاريخها وفضائها.
ومن ينظر إلى القدس من الأعلى، كان يرى قبة الصخرة والقيامة، أما اليوم فقد أقحم الاحتلال نحو 28 قبة إضافية لكنس يهودية مستحدثة تنتشر في البلدة القديمة، وأكبرها "كنيس الخراب" في الجهة الجنوبية الغربية من سور المدينة لتغيير الفضاء، يضاف إليها مشروع "التلفريك" والجسور المعلقة بين منطقة باب المغاربة وحي الثوري المقابل.
يسعى الاحتلال لفرض نمط غربي واضح لا يشبه المدينة، لتكون البلدة القديمة مجرد شيء بسيط أمام كتل استيطانية ضخمة تحيط بها، تماماً كما حدث مع حي "وادي النسناس" في حيفا الذي بات اليوم يحتاج إلى دليل ليوصلك إليه.
تواجه مخططات الاحتلال المستمرة منذ عام 1967 والتي بدأت بهدم وحرق حارة المغاربة، وتحويل بعض المصليات والخلويات في محيط قبة الصخرة إلى مراكز للشرطة، واستهداف التعليم والمباني، ووقف لم شمل العائلات منذ عام 2003، والصمود الأسطوري ورباط وثيق من المواطن المقدسي.
وهو صمود مكلف للغاية، وخاصة خلال السنوات الأربع الماضية التي عاشت فيها القدس عزلة خانقة تداخلت فيها الإجراءات الأمنية مع فترة جائحة كورونا؛ وخلال رمضان الماضي، لم يتجاوز عدد المصلين 60 ألفا بعد أن كان يحتشد في الأعوام السابقة أكثر من 300 ألف مصل، كما تضررت أسواق البلدة القديمة التي كانت تعج بالسياح والحجاج والأهالي.
وحتى كنيسة القيامة في الأعياد الأخيرة، حُرِم المسيحيون من الوصول إليها أو التجمع فيها بسبب التضييقات؛ ومع ذلك، يظل الإصرار على البقاء سيد الموقف، مدعوماً بموقف سياسي صلب عبّر عنه الرئيس الفلسطيني محمود عباس برفضه القاطع لصفقة القرن وتأكيده أن "القدس ليست للبيع".
والقدس هي أمانة الشهداء والأسرى، والثابت الوطني الذي لا يمكن لأحد أن يتنازل عنه. وبالرغم من قانون القومية وقوانين السيادة وسياسات التهجير القسري، استطاع الصمود الفلسطيني الفردي والمؤسساتي منذ عام 1967 وحتى اليوم الحفاظ على وجه القدس العربي الإسلامي والمسيحي؛ لقد أرادوا فلسطين "أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض"، لكن الشعب بقي متجذراً في أرضه، وأصبحت فلسطين اليوم عضواً مراقباً في الأمم المتحدة، ويرتفع علمها في أكثر من 169 دولة.
هذا الصمود، الذي يُخاض بالصدور العارية، ينتظر دوراً عربياً وإسلامياً فاعلاً للتدخل من أجل القدس لتظل بوصلة العمل السياسي والوطني وقبلة للعالم؛ إن خطورة ما يجري في القدس تكمن في أن أي هدم أو تدمير لمعالمها وتاريخها لا يمكن تعويضه أو إعادة بنائه بسهولة، والصراع هناك يدور على "البلاطة المربعة البسيطة"، حيث يشكل الثبات والرباط على مساحة 20 سنتيمترا مربعا تمسكاً ودوراً وطنياً وتاريخياً لحفظ المدينة، حتى تكون القدس عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة.
تؤدي المملكة الأردنية دوراً هاماً ومحورياً تجاه مدينة القدس، متمثلاً في الوصاية الهاشمية التي يتولاها جلالة الملك عبد الله الثاني على المقدسات الإسلامية والمسيحية؛ وهو دور يتكامل وينسجم تماماً مع الموقف السياسي الفلسطيني الرسمي الذي يرى في القدس عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة.
ومن هنا تنبع وحدة الموقف والعمل المشترك لحماية الهوية المقدسة للمدينة وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (2334)، الذي يؤكد أن القدس جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة وأن كل التغييرات الجارية فيها باطلة وغير قانونية؛ ويأتي هذا في وقت شهدنا فيه اعتراف العديد من الدول بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، بما في ذلك دول في الاتحاد الأوروبي كانت تتبنى مواقف متشددة سابقاً.
وتواجه الوصاية الأردنية والدور الفلسطيني تحديات ومخططات خطيرة يحاول الاحتلال فرضها؛ أولها "صفقة القرن"، وثانيها ما يُسمى بـ " المسار الإبراهيمي" الذي تروج له الولايات المتحدة لفرض حقوق مزعومة للاحتلال في المسجد الأقصى المبارك تحت غطاء ديني يخلط الأوراق على قاعدة أن إبراهيم هو أبو الأنبياء جميعاً.
والدور الأردني ينطلق من إيمان راسخ بالواجب ويتحدى كل العقبات، في وقت يواجه فيه الفلسطينيون حصاراً مالياً كبيراً يستهدف القرار والوجود الفلسطيني؛ وبالمثل تُمارس ضغوطات كبيرة على الأردن وتهديدات حقيقية لمحاولة تقويض مسؤوليته عن المسجد الأقصى، إلا أن الرد الأردني يترسخ على الأرض عبر دائرة الأوقاف الإسلامية والشراكة المتينة مع الجانب الفلسطيني.
عند الحديث عن المقدسات، لا يمكن فصل المسجد الأقصى عن كنيسة القيامة وسائر الكنائس داخل البلدة القديمة ومحيطها، وهي التي تشكل مساراً متصلاً مع كنيسة المهد في بيت لحم؛ إذ لا يكتمل حج المسيحيين إلا باستكمال هذا المشوار.
واليوم، يفرض الاحتلال إجراءات تعجيزية ذاتها تحرم أبناء مدينة بيت لحم من الوصول إلى القدس بفعل الحواجز والبوابات وجدار الفصل، وصولاً إلى تحديد أعداد الواصلين إلى كنيسة القيامة في مطلع عام 2026.
إن التعايش والوحدة الإسلامية المسيحية في القدس وفلسطين ترتكز على أساس أن المعاناة واحدة، والألم واحد، والهدف واحد وهو القدس الموحدة عاصمة للفلسطينيين.
على الرغم من قرار وزراء الإعلام العرب بأن تكون "القدس عاصمة للإعلام العربي"، إلا أن المدينة تظل مظلومة جداً في رسالة الإعلام العربي الذي بات يتجه نحو السبق الصحفي في قضايا أخرى ويغفل التغييرات الجوهرية اليومية؛ حيث تمر قضايا الهدم المتسارعة وتشريد العائلات ومعاناة الأطفال وانهيار الاقتصاد المحلي كأنها أحداث عابرة دون توثيق كافٍ.
لا ينبغي للأخبار العالمية أن تحوّل بوصلة الإعلام ويُترك الملف لوسائل التواصل الاجتماعي فقط. يجب أن لا ينجو الاحتلال بجرائمه، والتوثيق مسألة غاية في الأهمية حتى لا تضيع القدس في العتمة كما ضاعت فلسطين سابقاً حين غُيبت جرائم العصابات الصهيونية.
وهنا نتساءل: أين هم مراسلو الإعلام العربي في القدس؟ ألا تستحق المدينة أن يكون لكل مؤسسة مراسل ينقل رسالة الرباط اليومي؟ فهناك 1480 تاجرا مقدسيا يعانون منذ 4 سنوات، وهناك 25 ألف منزل مهدد بالهدم، وكل فلسطيني هناك يرفض التهجير ويعيش حالة رباط إيماني ونضالي وطني.
إن الدور الفلسطيني الكامل الذي يقوده الرئيس محمود عباس يستند إلى قيادة تؤمن بأهدافها في إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، ومواطن يصمد ويصبر في مرحلة أعلنا فيها بوضوح أنها "مرحلة الصبر والصمود".
هذا الصمود هو الواجب الذي تضطلع به مؤسساتنا وبلداتنا الفلسطينية المحاصرة التي تواجه أزمة الرواتب والتمويل، والبلديات التي مرت بالسنوات الأربع الماضية دون أن تتمكن من تقديم المشاريع التي يستحقها المواطن بسبب هذا الحصار.
إن الهدف من هذا الحصار والمعاناة التي يفرضها المجتمع الدولي هو فرض ثمن سياسي على الفلسطينيين لإجبارهم على القبول بالإملاءات والتنازل؛ ونحن نؤكد مجدداً على مسألة مبدئية واحدة: لا يوجد قائد فلسطيني واحد يمكن أن يتنازل عن حقنا الثابت في القدس كعاصمة أبدية للدولة الفلسطينية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة