بينما تتجه أنظار العالم إلى حروب الشرق الأوسط وأوكرانيا، تدور في جنوب شرق آسيا حرب أخرى لا تقل دموية، لكنها تكاد تكون غائبة عن الاهتمام الدولي.
وقد تحولت ميانمار -البلد الذي يسكنه نحو 50 مليون نسمة- منذ عام 2021 إلى ساحة حرب مفتوحة، بعد أن أطاح قائد الجيش مين أونغ هلاينغ بالحكومة المنتخبة في انقلاب عسكري أنهى تجربة ديمقراطية قصيرة وأعاد البلاد إلى الحكم العسكري.
وأشعل الانقلاب موجة احتجاجات شعبية سرعان ما تحولت إلى تمرد مسلح واسع النطاق، بعدما واجه الجيش المتظاهرين السلميين بالقوة، مما دفع آلاف المدنيين إلى الالتحاق بجماعات المقاومة المنتشرة في أنحاء البلاد، وفق ما أوردته صحيفتا نيويورك تايمز وإندبندنت .
وتمكنت مجموعات المعارضة من السيطرة على أكثر من نصف أراضي البلاد، وأنشأت مدارس ومستشفيات ومؤسسات محلية في مناطق أطلقت عليها اسم "ميانمار الحرة".
ولكن -طبقا للصحيفتين- ظلت تلك المناطق معزولة وتتعرض لهجمات مستمرة من الجيش الذي يحتفظ بتفوقه الجوي والقدرة على تنفيذ غارات متواصلة باستخدام الطائرات المقاتلة والمروحيات والطائرات المسيرة وحتى الطائرات الشراعية المسلحة.
ولخص تقرير أعدته مراسلة نيويورك تايمز هانا بيتش، حجم الكارثة الإنسانية والعسكرية في ميانمار من خلال مجموعة من المؤشرات والأرقام اللافتة:
وكشف تقرير للمفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة -أوردته صحيفة إندبندنت- عن تصاعد غير مسبوق في الخسائر البشرية بين المدنيين في الأشهر الأخيرة، كما تظهره الأرقام التالية:
وتحذر الأمم المتحدة -في تقريرها- من أن تراجع التمويل الدولي للمساعدات الإنسانية يزيد من معاناة ملايين المدنيين الذين يعيشون تحت القصف أو في مخيمات النزوح.
ويذكر أن أقلية الروهينغيا المسلمة تعد من أكثر الفئات تضررا من الصراع في ميانمار، بعدما تعرض مئات الآلاف من أبنائها للتهجير إلى دول الجوار، خصوصا بنغلاديش، إثر حملات عسكرية وصفتها الأمم المتحدة سابقا بأنها تحمل "سمات الإبادة الجماعية"، وفق تقرير لمراسلي الجزيرة في إندونيسيا.
ولا يزال الروهينغيا يواجهون أوضاعا إنسانية صعبة داخل ميانمار وخارجها، في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة من استمرار تعرضهم للتجنيد القسري والانتهاكات والعنف، إلى جانب تفاقم معاناة اللاجئين بسبب تراجع التمويل الإنساني المخصص لهم.
وسط هذه الخلفية القاتمة، توجهت مراسلة نيويورك تايمز هانا بيتش والمصور دانيال بيرهولاك إلى منطقة أنيار وسط ميانمار، وهي منطقة تسيطر عليها المقاومة المسلحة، ويقول المقاتلون إن أي صحفي أجنبي لم يتمكن من الوصول إليها منذ أن أطاح الجيش بالحكومة المدنية ومحا الإصلاحات السياسية والاقتصادية.
والمفارقة أن منطقة أنيار تقع في قلب مناطق البامار، أكبر المجموعات العرقية في ميانمار، والتي شكلت تاريخيا إحدى أهم قواعد الدعم الشعبي للجيش الذي تهيمن عليه النخبة نفسها، لكن انقلاب 2021 قلب هذه المعادلة، فانتقلت المنطقة من حاضنة تقليدية للمؤسسة العسكرية إلى أحد أبرز معاقل التمرد ضدها.
وتصف المراسلة المشهد بأنه أشبه بعالم ينهار ببطء، فهناك قرى محترقة، وحقول زراعية يعمل فيها نازحون، ومنازل مدمرة بفعل القصف، ويواجه المتمردون والسكان نقصا حادا في الأسلحة والذخائر وحتى الأمل في ظل غياب المساعدات الدولية وشح الموارد.
وبين القرى المحترقة والملاجئ الترابية والطرق التي تراقبها الطائرات المسيرة، التقى صحفيا نيويورك تايمز مقاتلين ومدنيين يعيشون حربا يومية، يقول السكان إنها تجري في الظل بينما ينشغل العالم بصراعات أخرى في أوكرانيا وغزة وإيران ولبنان.
وتنقلت بيتش وبيرهولاك برفقة قائد وحدة للمتمردين الدكتور السابق لون لون، وعدد من عناصر قوات المقاومة المحلية لثلاثة أيام بالسيارات والدراجات النارية والقوارب وعلى الأقدام، متجنبين مواقع الجيش، بينما كانت الطائرات المقاتلة والمروحيات والطائرات المسيرة تحلق باستمرار فوقهم.
وفي إحدى القرى التي زارها الصحفيان، كان رجل يدعى يو سان نياونغ يكنس أنقاض منزله الذي أحرقه الجنود، وأخبرهم أن نحو 200 منزل في قريته تعرضت للتدمير.
وبعد الحرائق جاءت الغارات الجوية التي قتلت ثلاثة أشخاص بينهم راهب بوذي، ولم يكتف الجنود بذلك، بل زرعوا ألغاما قرب المنازل والمعابد قبل مغادرتهم.
وبينما كان الرجل يتحدث لم يتمالك دموعه، وقال مخاطبا الصحفيين "هل يعرف الأجانب ما يحدث لنا؟". ثم أضاف "أعرف ما يحدث في أوكرانيا وغزة وأشعر بالحزن عليهم. نحن نتشارك الحزن نفسه".
أما الطبيب لون لون، البالغ من العمر 41 عاما، فلم يتخيل يوما أنه سيقود قوة مسلحة، وكان يستعد قبل الانقلاب للسفر في جولة إلى أوروبا، لكنه وجد نفسه بعد أشهر يتلقى تدريبات عسكرية إلى جانب موظفين ومدرسين وطلاب حملوا السلاح للمرة الأولى.
ويقول الطبيب "كنت أجيد حمل السماعة الطبية لا البندقية"، ولكن الحرب غيرت حياته بالكامل، فقد انتقل من معالجة المرضى إلى قيادة كتيبة تضم نحو 120 مقاتلا، كثير منهم كانوا طلاب جامعات أو موظفين في شركات خاصة قبل اندلاع الصراع.
ويحكي الجنود عن حياتهم السابقة التي يسمونها "عصر ما قبل الانقلاب"، فأحدهم كان يدرس الفيزياء في الجامعة، وآخر يعمل في التسويق، بينما كان بعضهم لا يزال مراهقا عندما التحق بالقتال.
ووجدت المراسلة أن الجميع تركوا خلفهم حياة طبيعية كانت تضم الدراسة والزواج والعمل والعطلات، واضطروا إلى استبدالها بحياة مطاردة دائمة تحت خطر الصواريخ.
نازحون إثر الحرب الأهلية في ميانمار، 18 يونيو/حزيران 2026 (الفرنسية)لكن المشكلة الأكبر التي تواجههم ليست فقط القصف المستمر -طبقا للتقرير- بل نقص الدعم، فبينما يحصل الجيش على أسلحة من روسيا والصين، يقول المتمردون إنهم فقدوا الأمل في الحصول على دعم غربي مشابه لما حصلت عليه أوكرانيا.
ويقول الطبيب لون لون "نعاني نقصا في الذخيرة، وأشعر بالإحباط لأننا لا نحصل على دعم من الولايات المتحدة وأوروبا رغم أننا نقاتل من أجل ديمقراطية اتحادية".
ومع استمرار الحرب، تتزايد علامات الإنهاك داخل صفوف المقاتلين، فبعضهم فر من الجبهات، وآخرون استسلموا أو انشقوا، وبعد أسابيع من زيارة الصحفيين، خسر المتمردون مواقع مهمة واضطروا إلى التراجع، كما تقلص حجم كتيبة الطبيب لون لون إلى النصف تقريبا.
ورغم ذلك، لا يزال الرجل يحاول التمسك بشيء من الأمل، ففي إحدى الليالي، وبينما كان الصحفيان والمقاتلون معهم ينتظرون انتهاء خطر غارة جوية جديدة، تحدث الطبيب السابق بصراحة عن مستقبله إذا انتهت الحرب من دون انتصار.
مستشفى تضرر في غارة جوية للجيش أسفرت عن مقتل أكثر من 30 شخصا غربي ولاية راخين، 11 ديسمبر/كانون الأول 2025 (الفرنسية)وأخبر المراسلة مبتسما قبل أن يطغى الحزن على ملامحه "إذا لم أستطع الانتصار بالثورة فسأصبح راهبا. أحاول دائما التأمل، لكن ذلك يصبح صعبا أحيانا في هذا العالم".
هكذا تبدو الحرب في ميانمار كما رصدتها هانا بيتش بعدسة دانيال بيرهولاك، بلد يعيش تحت القصف المستمر، ومتمردون يقاتلون بإمكانات محدودة، وسكان يحاولون إعادة بناء حياتهم فيما يسقط الموت من السماء، وكل ذلك في حرب طويلة ومكلفة، لكنها بالنسبة لكثيرين خارج حدود ميانمار تكاد تكون غير مرئية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة