كابل- أعلنت الحكومة الأفغانية تنفيذ ضربات عسكرية عبر الحدود مع باكستان. ويأتي هذا التطور في وقت يشهد فيه ملف الأمن الحدودي بين الجانبين تصعيداً متسارعاً، على خلفية اتهامات متبادلة تتعلق بإيواء جماعات مسلحة تنشط في هذه المناطق، وفي مقدمتها حركة طالبان باكستان و تنظيم الدولة الإسلامية ولاية خراسان.
ويثير هذا التطور تساؤلات أوسع حول ما إذا كانت الضربات الأخيرة تمثل تحولا في قواعد الاشتباك بين البلدين، أم أنها تندرج ضمن ردود محدودة في إطار التصعيد المتبادل الذي تشهده العلاقة بينهما منذ أشهر، وسط غياب آليات فعالة لاحتواء الأزمات الحدودية أو منع تمددها.
وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأفغانية، عناية الله خوارزمي، للجزيرة نت، إن القوات الجوية التابعة للوزارة نفذت سلسلة ضربات استهدفت مواقع قالت إنها تابعة لتنظيم الدولة بخراسان داخل إقليمي بلوشستان وخيبر بختونخوا في باكستان.
وأوضح أن تلك المواقع كانت، وفق معلومات استخباراتية لدى الوزارة، "تُستخدم في التخطيط والتنسيق لهجمات تستهدف الأراضي الأفغانية"، مشيراً إلى أن بعض هذه البنى استُخدمت سابقاً في الإعداد أو تنفيذ عمليات دامية داخل أفغانستان.
ومن بين المواقع المستهدفة -حسب خوارزمي- مراكز في منطقة غلستان بمديرية قلعة عبد الله، ومنطقة شكر آب التابعة لمديرية شاغي في إقليم بلوشستان، إضافة إلى موقع في منطقة قمبرخيل بإقليم أوركزي، مؤكداً أن العملية جاءت في إطار "حماية الأمن القومي الأفغاني" ومنع التهديدات العابرة للحدود.
وشدد على أن كابل "لن تتهاون بعد الآن مع أي تهديد يمس أمنها واستقرارها"، وأنها ستستخدم "جميع الوسائل المتاحة" للتعامل مع ما وصفه بالمصادر الخارجية للتهديدات الأمنية.
ولم توضح وزارة الدفاع الأفغانية نوع الوسائط الجوية المستخدمة في العملية، إلا أن تقارير دولية تشير إلى أن كابل تعتمد بصورة متزايدة على الطائرات المسيرة في عملياتها العابرة للحدود، في ظل عدم امتلاكها طائرات مقاتلة نفاثة عاملة.
تشهد العلاقات بين أفغانستان وباكستان منذ مطلع العام الجاري حالة توتر متصاعدة، بدأت بخلافات سياسية وانتقلت تدريجيا إلى احتكاكات أمنية مباشرة على الأرض، مع تزايد الاتهامات المتبادلة بشأن إيواء جماعات مسلحة تنشط عبر الحدود.
وخلال يونيو/حزيران 2026، تصاعدت حدة التوتر بعد تقارير عن ضربات باكستانية داخل الأراضي الأفغانية في ولايات كونر وخوست وبكتيكا، قالت كابل إنها أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، في حين أكدت إسلام آباد أن عملياتها استهدفت مواقع لمسلحين.
في المقابل، مثّل الإعلان الأفغاني في 19 يونيو/حزيران الجاري عن تنفيذ ضربات في إقليمي بلوشستان وخيبر بختونخوا تطورا لافتا في مسار المواجهة، باعتباره أول إعلان رسمي من كابل عن عمليات عابرة للحدود في هذه المرحلة من التوتر.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن هذا التصعيد جاء في سياق سلسلة متبادلة من العمليات والاتهامات بين الجانبين خلال العام الجاري، ما أدى إلى مقتل وإصابة مئات الأشخاص، وسط غياب آليات فعالة لإدارة الأزمات الحدودية، وفشل جهود وساطة إقليمية، بينها وساطة صينية، في احتواء التوتر المتصاعد بين الطرفين.
ويرى مراقبون أن هذا النمط من المواجهة يعكس انتقال العلاقة بين البلدين إلى مرحلة "الردع المتبادل المحدود"، في ظل غياب قنوات تنسيق أمنية مستقرة بين الجانبين.
من جانبه، يرى الخبير العسكري الأفغاني، الجنرال المتقاعد عتيق الله عزيزي، أن أهمية العملية لا تنبع فقط من طبيعة الأهداف التي استُهدفت، بل من كونها المرة الأولى التي يُعلن فيها رسميا عن تنفيذ ضربات خارج الحدود عبر بيان صادر عن وزارة الدفاع الأفغانية، وهو ما يمنحها بعداً يتجاوز الطابع العسكري إلى دلالات سياسية واضحة.
وأضاف للجزيرة نت أن هذا الإعلان يعكس تحولا محدودا في العقيدة الأمنية الأفغانية، من التركيز على الدفاع داخل الحدود إلى مفهوم أوسع للردع خارجها، من دون أن يصل إلى مستوى إستراتيجية هجومية ثابتة، مرجحاً أن الهدف الأساسي يتمثل في إعادة ضبط قواعد الاشتباك مع التهديدات العابرة للحدود.
وتمثل هذه العمليات في جوهرها -وفق الخبير عزيزي- محاولة لإعادة تعريف حدود الردع لدى كابل، بحيث لا يقتصر على احتواء التهديد داخل الجغرافيا الأفغانية، بل يمتد إلى استهداف مصادره المحتملة خارج الحدود عند الضرورة. كما يلفت إلى أن الإعلان العلني عن العملية يتمثل في الرسائل السياسية الموجهة، سواء للجماعات المسلحة أو للجانب الباكستاني، بما يعكس رغبة في فرض معادلة جديدة في إدارة ملف الأمن الحدودي.
من جهته، يرى الباحث في شؤون جنوب آسيا سيد محمد علي أن هذه الضربات تأتي ضمن سياق تراكم طويل من التوتر بين البلدين، هي تطور من الخلافات السياسية إلى احتكاك أمني مباشر على الأرض. وقال للجزيرة نت إن غياب آليات تنسيق فعالة على الحدود يجعل أي حادث قابلاً للتوسع، ما يرفع من احتمالات استمرار التصعيد.
أما الباحث في العلاقات الدولية وحيد شعيب، فيعتبر -في حديث للجزيرة نت- أن ما يجري يحمل أبعادا سياسية بقدر ما هو عسكري، إذ تسعى كابل إلى توجيه رسائل ردع وإثبات قدرتها على التعامل مع مصادر التهديد خارج حدودها، إلى جانب تعزيز موقعها في أي مسار تفاوضي مستقبلي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة