في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تداولت حسابات على منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو قيل إنه يوثق طائرة مقاتلة إيرانية داخل الأجواء الإسرائيلية، وهي تنفذ مناورات حادة وسط ما بدا أنه إطلاق صواريخ دفاع جوي باتجاهها.
وجاء انتشار الفيديو في سياق التوترات العسكرية بين إيران وإسرائيل، ما ساعد على تقديمه بوصفه مشهدا حقيقيا من مواجهة جوية مباشرة، وأرفقت حسابات عدة المقطع بتعليقات تشير إلى أن الطائرة إيرانية، وأنها كانت تحاول الإفلات من صواريخ إسرائيلية بعد دخولها المجال الجوي الإسرائيلي.
لم ينتشر الفيديو بصيغة واحدة فقط، بل جرى تداوله بعدة تعليقات زادت من طابعه الدرامي.
فقد نشر أحد الحسابات المقطع مرفقا بتعليق يقول إن الفيديو يظهر "لقطات مذهلة لطائرة مقاتلة إيرانية دخلت الأجواء الإسرائيلية"، مضيفا أن كل المناورات التي نفذتها الطائرة لم تكن كافية لإنقاذها.
وفي نسخة أخرى، نُشر المقطع باللغة الصينية مع تعليق يفيد بأن "مقاتلة إيرانية حاصرتها صواريخ الدفاع الجوي الإسرائيلية، ولم تجد مكانا للهروب"، وهو ما ساهم في انتقال الادعاء إلى جمهور غير ناطق بالإنجليزية أو العربية.
كما ظهرت صيغة أكثر حسما في بعض المنشورات، زعمت أن مقاتلات إيرانية حاولت دخول المجال الجوي الإسرائيلي، وأن منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية اعترضتها وأسقطتها، وفي بعض النسخ، تطور الادعاء إلى الحديث عن أكثر من طائرة، لا عن طائرة واحدة فقط.
انتشر المقطع عبر حسابات عدة على منصة إكس، ثم أُعيد نشره في منصات أخرى، مع تعليقات تصفه بأنه دليل بصري على مواجهة جوية بين إيران وإسرائيل.
وحصدت بعض النسخ المتداولة تفاعلا واسعا، إذ وصلت إحداها إلى أكثر من مليون مشاهدة، وفق الأرقام الظاهرة على المنشور المتداول، وساعدت سرعة حركة الطائرة، وزوايا التصوير، وصوت الصواريخ والانفجارات، في تعزيز الانطباع لدى بعض المتابعين بأنهم أمام مشهد قتالي حقيقي.
ويبدو أن إعادة تدوير المقطع في أكثر من لغة لعبت دورا مهمّا في توسيع نطاق انتشاره، إذ انتقل الادعاء من صيغة "طائرة إيرانية اخترقت الأجواء الإسرائيلية" إلى صيغ أكثر تفصيلا مثل "اعتراض دفاعي" و"إسقاط طائرات إيرانية"، رغم أن المقطع نفسه لم يتضمن أي معلومات مكانية أو زمنية يمكن أن تربطه بإسرائيل أو إيران.
أظهر الفحص الأولي للمقطع عدة مؤشرات تستدعي التحقق قبل التعامل معه كمشهد حقيقي.
أولا، لا تظهر في الفيديو أي معالم أرضية واضحة تساعد على تحديد الموقع الجغرافي، مثل مدن أو قواعد عسكرية أو تضاريس مميزة أو أضواء حضرية يمكن مقارنتها بصور خرائط أو أقمار صناعية.
كما أن المقطع يخلو من أي بيانات مرافقة موثوقة، مثل اسم الجهة المصورة، أو توقيت الالتقاط، أو مصدر عسكري معلن، أو تسجيل آخر من زاوية مختلفة للحادثة نفسها.
بجانب أن حركة الكاميرا والمؤثرات البصرية ومسار الصواريخ تبدو أقرب إلى بيئة محاكاة رقمية منها إلى تسجيل ميداني مباشر، خصوصا في طريقة تتبع الطائرة، وطبيعة الانفجار، وحركة المقذوفات حول الهدف.
توصلت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة، بعد فحص المقطع المتداول ومقارنته بالنسخة الأصلية، إلى أن الفيديو لا يوثق طائرة إيرانية حقيقية اخترقت الأجواء الإسرائيلية، ولا يُظهر عملية اعتراض جوي فعلية.
ويعود المقطع إلى مشاهد من لعبة المحاكاة العسكرية "وور ثندر" (War Thunder)، وهي لعبة قتالية تحاكي معارك جوية وبرية وبحرية، وتنتج مشاهد بصرية قد تبدو قريبة من لقطات الحروب الحقيقية عند اقتطاعها من سياقها الأصلي.
وأظهر البحث أن المقطع منشور على منصة يوتيوب بتاريخ 7 يونيو/حزيران 2026، بعنوان يشير بوضوح إلى أنه مأخوذ من اللعبة، لا من تسجيل ميداني لطائرة حقيقية.
كما أظهرت المقارنة تطابقا بين اللقطات المتداولة والفيديو الأصلي المنشور على يوتيوب، بما في ذلك حركة الطائرة، وزاوية المناورة، ومسار الصواريخ، والمؤثرات البصرية، وتسلسل المشهد حتى لحظة إصابة الطائرة.
تنتشر مقاطع ألعاب المحاكاة العسكرية في أوقات الحروب والتصعيد لأنها تجمع بين 3 عناصر: مشاهد بصرية قوية، وغياب سياق واضح، ورغبة الجمهور في مشاهدة "دليل مرئي" سريع على حدث كبير.
وفي هذه الحالة، جاءت المشاهد متوافقة مع المزاج الإخباري العام المرتبط بالتصعيد بين إيران وإسرائيل، ما جعل بعض المستخدمين يتعاملون معها كأنها امتداد طبيعي للأحداث، دون التحقق من أصلها.
كما أن ألعاب المحاكاة العسكرية مثل "وور ثندر" و"آرما 3″ (Arma 3) و"دي سي إس وورلد" (DCS World) تنتج مقاطع ذات مؤثرات بصرية عالية الجودة، يمكن أن تبدو قريبة من مشاهد الحروب الحقيقية، خصوصا عند إعادة نشرها بعد اقتطاع العنوان، أو حذف ما يشير إلى مصدرها داخل اللعبة، أو تجاهل وصف الفيديو الأصلي.
ليست هذه الحالة الأولى التي تُستخدم فيها مقاطع من ألعاب محاكاة على أنها توثيق عسكري حقيقي، فقد تكررت خلال الفترة الأخيرة حالات مشابهة نُشرت فيها مقاطع من ألعاب قتالية على أنها ضربات صاروخية، أو إسقاط طائرات، أو اعتراض مسيرات، أو معارك بين قوات حقيقية.
وتكمن خطورة هذا النمط في أنه لا يعتمد غالبا على التلاعب التقني المعقد، بل على إعادة وضع مشهد قديم أو افتراضي داخل سياق إخباري محتدم، وبمجرد أن ينتشر المقطع مع تعليق حاسم، يبدأ المستخدمون في تداوله باعتباره خبرا مصورا، لا مادة تحتاج إلى تحقق.
المصدر:
الجزيرة