في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- حين تصل شاحنة المياه إلى المخيم، تنشط خيام النازحين في قطاع غزة كأنها تستعيد يومها دفعة واحدة؛ هنا طفل يركض بجالون، وهناك أم تسابق الزمن لتجهيز طبختها، وأرملة ستينية تجمع بناتها حول حصة ضئيلة مخصصة لأسبوع.
في مخيمات النزوح، صار وصول صهريج المياه موعدا أسبوعيا تعاد حوله جدولة أعمال البيت من الطبخ والغسل والاستحمام والدواء، ومع دخول الصيف وارتفاع الحاجة إلى الماء، تتحول كميات المياه المحدودة إلى حساب يومي داخل كل خيمة.
كان كنان (9 أعوام) أول من التقط خبر وصول شاحنة المياه مع انتشار صوتها بين الخيام. ترك الصغير ما كان يلهو به، واتجه مسرعا نحو العبوات (الجالونات) الفارغة، فأي تأخير عن الصهريج سيؤثّر في حاجة عائلته لأسبوع كامل.
بدا الطفل وكأنه أكبر من سنه وهو يزاحم بجسده النحيل باحثا عن مصدر الماء. يحمل الوعاء، ويراقب الدور، ثم يعود إلى خيمة تسكنها أسرته المكونة من 11 فردا، والتي نزحت من مدينة بيت حانون، وتعيش على شحنة أسبوعية محدودة، هي حصتها من الماء تتدبر عبرها أمور حياتها.
وكنان نفسه يحتاج إلى ماء محفوظ بعناية لتناول دوائه؛ فهو يعاني -كما تقول والدته نعمة صالح للجزيرة نت- مرضا عصبيا يسبب له تشنجات متكررة، كما أصيب بشظايا قصف إسرائيلي دخلت إلى كبده الصغير، فيما يغيب علاجه المتخصص عن قطاع غزة.
لذلك، تبدأ الأم حساباتها من جسد ابنها أولا، وتخفف من حصص الطبخ والغسيل والتنظيف، وتضع ماء الدواء في مقدمة الاستخدامات اليومية.
وفيما يقف الطفل كنان، يراقب الماء وهو ينتقل من الجالون إلى البرميل الأسود، يبدو المشهد عاديا في ظاهره، غير أنه داخل الخيمة أشبه بعملية حساب دقيقة، وهي 8 قِرَب مياه يجب أن تكفي أسبوعا كاملا للشرب والطبخ وغسل الأطفال وتنظيف الأواني والاستخدام الصحي والنظافة الشخصية والدواء.
يأخذ كل جالون مكانه في زاوية الخيمة، وكل كمية تُحجز منذ البداية لغرض محدد، فالخطأ في التقسيم يعني تأجيل حاجة أساسية حتى موعد الشاحنة التالية.
ووسط هذه الحسابات، تحفظ الأم لابنها المريض حصته أولا، وتقول إن الماء قد يقل في الطبخ أو الغسيل أو التنظيف، أما ماء الدواء فيبقى خارج المفاضلة.
وتضيف وهي تربّت على رأس ابنها "نقلل الماء عن الطبخ والغسيل، ونوفرها للدواء الخاص بكنان قبل كل شيء".
وفي خيمة علاء القبج (38 عاما)، تتحول عبوات المياه إلى خريطة أسبوع كامل؛ كل وعاء له وظيفة، وكل كمية تُحسب قبل استخدامها: قدر للشرب، ومقدار للطبخ، وآخر يذهب لغسل الأطفال، وقليل لتنظيف الأواني والاستخدام الصحي.
هكذا وزعتها زوجته فرح (25 عاما)، التي استقبلتنا في خيمتها بينما كانت تعد وجبة الغداء على نار صغيرة، في لحظة كان فيها المكان كله مشدودًا إلى الخارج. حيث وصلت سيارة المياه التي انتظرتها العائلة أسبوعا كاملا، وصارت الدقائق القليلة قبل مغادرتها جزءا من معركة اليوم.
وعند مدخل الخيمة، بدت الجالونات كأنها عصب الحركة كلها؛ الأطفال يتابعون تدفق الماء، والأب يهيئ الأوعية، وفرح تُمسك بمهمتين في اللحظة نفسها: طبخة يجب أن تكتمل، وحصة مياه لا بد أن تكفي أيامًا قادمة.
بين القِدر والعبوات الصغيرة، كانت فرح تتابع إعداد الطعام بعين، وتلاحق حركة التعبئة بأخرى، فيما تحرك أفراد العائلة كلٌّ نحو مهمته.
وبعد التعبئة، تبدل المشهد سريعا، حمل الأب علاء نصيبه من الماء واتجه إلى غسل أطفاله الصغار من أثر الحر والغبار، بينما عادت فرح إلى طعامها، تضبط كمية الماء التي تحتاجها الوجبة، ثم تجمع الصحون والأواني لغسلها.
في تلك الدقائق، كشف وصول المياه حجم الأعمال المؤجلة داخل الخيمة؛ الوجبة اكتملت بالماء، والأطفال اغتسلوا بعد يوم حار، والأواني وجدت دورها في الجلي، والأم عادت لترتيب عبوات الماء بحذر، كمن يرتب أيام الأسبوع القادمة.
وليس ببعيد عن خيام كنان وفرح، يأخذ مشهد المياه وجهًا آخر في خيمة فتحية حمد (66 عاما) النازحة من بيت حانون أيضا.
هنا تصل عبوات المياه إلى خيمة فقدت رجالها في الحرب؛ زوج فتحية، وعدد من أبنائها وبناتها، وأزواج بناتها، وبقيت الأم مع بناتها ياسمين (41 عاما)، المصابة في قدمها، وسها (37 عاما) ومريم (35 عاما) وأطفالها الأربعة، في بيت مؤقت يقوم يومه على أكتاف النساء وحدهن.
وتبدو الخيمة من الخارج كمساحة صغيرة مشدودة بالشوادر والحبال، ومن الداخل كبيت كامل تحاول 4 نساء الحفاظ عليه قائمًا. وفي الزاوية أوانٍ تنتظر الغسل والتنظيف، وقرب المدخل جالونات مصطفة، وعلى جانب آخر أكياس حطب وأدوات طبخ.
كل شيء في المكان يدل على عمل شاق مستمر يتوزع بين البحث عن الماء ونقله وجمع الحطب، وأطفال يحتاجون إلى طعام واستحمام، وأم تراقب بعناية كمية الماء الموجودة كما تعد أيام الأسبوع القادمة للحصول على حصتها من المياه مجددا.
وعند شاحنة المياه، كانت البنات يتحركن بسرعة من اعتدن حمل ما يفوق طاقتهن، حيث يصل الجالون الفارغ إلى الصهريج خفيفا، ثم يعود ممتلئا بثقل يضغط على الرقبة والكتفين.
وفي الطريق القصير بين الشاحنة والخيمة، يظهر غياب الأب والإخوة والأزواج بأوضح صورة؛ كل وعاء ماء يحتاج يدا ترفعه، وأي كيس حطب يحتاج ظهرا يسنده، وكل طبخة تبدأ برحلة تعب قبل أن تصل إلى النار.
تقول ياسمين، وهي تنظر إلى عبوات المياه قرب مدخل الخيمة: "زمان (من قبل) كان هناك رجال يشيلوا (يحملون) معنا. اليوم نحن نركض إلى الماء، ونحمل الجالونات ونعود لإكمال عملنا في الخيمة".
بدت كلمات ياسمين كخلاصة لحياة تبدلت أدوارها بعد الفقد؛ البنات يحملن الماء والحطب، والأم تدير تفاصيل البيت، والأطفال ينتظرون لا حول لهم ولا قوة، والخيمة كلها معلقة على قدرة النساء على مواصلة نشاطهن ومهامهن المتعددة.
وفي الأثناء كانت سها تحمل قِرَب المياه بيديها الاثنتين، ويميل جسدها من شدة الثقل، حتى صارت آلام الرقبة والظهر جزءا من يومها، وتقول: "نقوم بكل شيء، والوجع صار من الجهد والثقل الذي نحمله على أكتافنا".
لا ينتهي الحمل عند باب الخيمة؛ فبعد وضع الجالونات تبدأ مهمة أخرى: إشعال النار، وترتيب الأواني، وغسل ما تراكم، ومساعدة الأم في تقسيم حصة الماء على حاجات البيت.
أما مريم، فتعيش ثقلا مضاعفا بين أطفالها الأربعة وحاجات الخيمة، وتتابع وصول الماء والحطب والطعام الذي لم يكتمل ووجوه الأطفال التي تسأل عن الغسيل والشراب.
في خيمة كهذه، تدخل الأمومة نفسها في حسابات الماء وتقسيماته؛ كم يكفي للطبخة؟ وللأطفال؟ وكم تستطيع النساء حمله مرة أخرى عند الحاجة؟
وخلال الحديث، عادت إحدى بنات المسنة فتحية حاملة أكياسا من الحطب لاستكمال الطبخة. كان المشهد كافيا لشرح حياة الخيمة كلها: بعض الماء الذي جاد به الصهريج، وشيء من الحطب الثقيل، وأوان مركونة قرب زاوية الطبخ، وأم وبناتها الثلاث يرفعن تفاصيل اليوم بعد استشهاد سند البيت.
في خيمة فتحية، أزمة المياه تتجاوز عدد الجالونات، إنها ثقل عائلي وجسدي تحمله نساء فقدن الأب والإخوة والأزواج، ثم وجدن أنفسهن أمام بيت كامل الاحتياجات المنزلية، لذلك تبدو السبعون لترا أكثر من حصة أسبوعية؛ بل امتحان يومي لقدرة أم وبناتها على حمل خيمة بثقل عائلة كاملة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة