حين دمرت الحرب الملاعب والمتنزهات، لم يتوقف أطفال غزة عن اللعب، بل غيّروا أدواته.
صنع بعضهم كرات من القماش، وحوّل آخرون أغطية علب المشروبات الغازية إلى ألعاب صغيرة، بينما باتت الفراغات الضيقة بين الخيام بديلاً عن الحدائق والساحات العامة. أما الألعاب التي كانت تباع بأسعار زهيدة، فأصبحت بعيدة عن متناول كثير من الأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.
منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023 إثر هجوم حماس على جنوب إسرائيل ، فقد أكثر من مليون طفل في قطاع غزة، يشكلون نحو نصف سكانه، معظم المساحات المخصصة للعب والترفيه. إذ تعرّضت ملاعب وحدائق ومنشآت رياضية لدمار واسع، فيما تحولت مساحات عامة أخرى إلى مراكز إيواء للنازحين.
لم تقتصر آثار الحرب على المنازل والمدارس، بل امتدت إلى البنية الترفيهية التي كانت تشكل جزءاً من الحياة اليومية للأطفال. ووفق اللجنة الأولمبية الفلسطينية، تضرّرت 265 منشأة رياضية في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب، بينها 184 منشأة دُمّرت بالكامل و81 أخرى تعرضت لأضرار جزئية. كما تحوّلت حدائق وساحات عامة في أنحاء مختلفة من القطاع إلى مراكز إيواء للنازحين، ما حرم الأطفال من مساحات كانت تشكل متنفسهم اليومي.
تقول عايدة رضوان، النازحة من مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة:
"وين بدنا نودي الأولاد؟ المتنزهات راحت، والبحر صار خطر، وكل مكان ممكن يصير فيه قصف."
آثار هذا الواقع لا تقتصر على الحاضر فقط بل تمتد لتصوغ أيضا ملامح المستقبل في عيون صغار القطاع. فقد أظهرت لقاءات أجرتها منظمة اليونيسف مع أطفال غزة حول أولويات إعادة الإعمار أن الحدائق والملاعب والمساحات المفتوحة جاءت ضمن أبرز مطالب هؤلاء، إلى جانب المنازل والمدارس. فالأطفال حسب المنظمة الأممية لا يطالبون فقط بألعاب جديدة، بل باستعادة الأماكن التي كانوا يلعبون فيها قبل الحرب.
ويلخص نزار الكرد (12 عاماً)، النازح مع عائلته إلى شمال القطاع، واقع جيله بجملة واحدة:
"كنا ندور على مكان نلعب فيه، لكن كل الأماكن صارت خطرة."
إلى جانب فقدان أماكن اللعب، باتت أسعار الألعاب نفسها بعيدة عن متناول معظم الأسر الغزّية.
تقول عايدة رضوان إن الكرة الصغيرة التي كانت قبل الحرب تباع بشيقل أو شيقلين (نحو 0.27 إلى 0.54 دولار)، أصبح سعرها نحو 15 شيقلاً (4 دولارات تقريبا)، فيما ارتفعت أسعار الدمى البلاستيكية من ثلاثة أو أربعة شواقل (نحو 0.81 إلى 1.08 دولار) إلى نحو 60 شيقلاً (قرابة 16.20 دولار).
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن معدلات الفقر والبطالة بلغت مستويات قياسية، فيما يعتمد معظم سكان القطاع على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، لتتراجع الألعاب إلى أسفل سلّم الأولويات.
في مواجهة هذا الواقع، لجأ الأطفال إلى ابتكار بدائل بدائية يصنعونها مما توفّر حولهم من مواد.
يقول محمود شحادة، النازح من مدينة غزة:
"الأطفال صاروا يلعبوا بأغطية علب المشروبات الغازية بدل البنانير. بيقصّوها وبيعملوا منها ألعاب."
أما هند راضي، النازحة من خانيونس، فتصنع لبناتها دمى يدوية من خيوط الصوف وبقايا الملابس، وتقول:
"لمّا أمي ترمي شيء خربان، آخذ منه وأحاول أفرّح الأطفال. المهم ما يحسّوا بالفرق."
لا تنتهي تداعيات الحرب عند فقدان الألعاب أو مساحات اللعب. فدراسات حديثة تشير إلى أن أطفال غزة يعانون من إنهاك جسدي و صدمات نفسية عميقة أثّرت على قدرتهم على ممارسة أنشطة يومية طبيعية ، بما فيها اللعب، مع انتشار أعراض الاكتئاب والعزلة والخوف المزمن وتراجع النمو الاجتماعي والمعرفي.
وتنسجم هذه النتائج مع تحذيرات رئيسة لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة، آن سكيلتون، التي قالت إن الانتهاكات التي يتعرض لها أطفال غزة بلغت مستويات غير مسبوقة، وإن كثيراً منهم فقدوا جزءاً كبيراً من طفولتهم ويعيشون آثاراً نفسية قد تستمر لسنوات طويلة.
وتؤكد اليونيسف أن اللعب ليس ترفاً، بل جزء أساسي من تعافي الأطفال من الصدمات، إذ يساعدهم على التعبير عن مشاعرهم واستعادة شيء من الحياة الطبيعية، ولذلك تدرجه المنظمة ضمن برامج الدعم النفسي والاجتماعي والمساحات الآمنة التي تعمل على توفيرها في القطاع.
ورغم كل شيء، لا يتوقف الأطفال عن المحاولة. ينظم محمود شحادة مباريات كرة قدم صغيرة داخل مخيم النزوح كلما أتاحت المساحة ذلك، للصغار والكبار على حد سواء.
ويقول:
"هدموا كل شيء. ما خلّوا ملعباً ولا منتزهاً. لكن الأطفال لسه بدهم يلعبوا."
وبين صفوف الخيام، يركض نزار ورفاقه خلف كرة مصنوعة من القماش. تتوقف اللعبة حين يضيق المكان بالمارة أو يعلو صوت الطائرات، ثم تعود بعد دقائق. لم يبق للأطفال ملعب قريب ولا حديقة عامة، لكنهم ما زالوا يحاولون إيجاد مساحة صغيرة للعب على قلّتها، كأنهم يتمسّكون بما تبقى من طفولةٍ غيّرت الحربً ملامحها .
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة