في عمق الصحراء الشاسعة غرب موريتانيا، حيث تمتد الرمال بلا نهاية وتختفي الطرق في الأفق، تجلس فاطمة الشيخ محمد بويا داخل خيمتها المصنوعة من القش، تراقب بصبر امتداد الصخور القاحلة على أمل ظهور زوار جدد.
هذه المرأة البالغة من العمر 49 عاما تعيش من سياحة بدأت تعود ببطء إلى بلد كان قد خرج طويلا من خريطة السفر العالمية.
يرسم التقرير الذي نشره موقع الجزيرة الإنجليزية للصحفية شولا لوال صورة لواحدة من أكثر التجارب السياحية جذبا في أفريقيا: محاولات موريتانيا إعادة إحياء قطاع السياحة بعد سنوات من الهجمات المسلحة التي نفذتها جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة في منتصف العقد الأول من الألفية.
في منطقة آدرار شمال غرب البلاد تقع "تشكيلة الريشات" أو ما يعرف بـ"عين أفريقيا"، وهي تكوين جيولوجي هائل يبلغ قطره نحو 40 كيلومترا، ولا يمكن إدراك شكله الدائري الكامل إلا من السماء، حيث يبدو كعين عملاقة محفورة في الصحراء.
هذا الموقع الذي ارتبط في المخيلة الشعبية بأسطورة حضارة أطلانتس المفقودة، أصبح اليوم أحد أبرز نقاط الجذب في بلد يغلب عليه الطابع الصحراوي بنسبة تصل إلى 90% من مساحته.
وتقول فاطمة بويا، التي تمتلك جزءا من الأرض المحيطة بالموقع، إن عائلتها كانت تستقبل الزوار منذ عقود، حيث تقدم لهم المأوى والطعام وحتى "الأتاي" (الشاي) التقليدي وشراب "الزريق" المصنوع من حليب الماعز، في تقليد يعكس ثقافة الضيافة الصحراوية.
وبحسب التقرير، كانت السياحة في موريتانيا تعيش ما يشبه العصر الذهبي في أوائل ومنتصف العقد الأول من الألفية، حين كان نحو 30 ألف سائح يزورون البلاد سنويا، خصوصا من فرنسا، للمشاركة في رحلات الصحراء أو متابعة رالي داكار الشهير.
لكن هذا المشهد تغير جذريا بعد سلسلة هجمات نفذتها جماعات مثل "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" و"الجماعة السلفية للدعوة والقتال"، بينها هجوم ليلة عيد الميلاد عام 2007 الذي قُتل فيه أربعة سياح فرنسيين عند مدخل مدينة "ألاك".
تلك الهجمات دفعت إلى انهيار شبه كامل في القطاع السياحي، حيث تم نقل رالي داكار إلى الشرق الأوسط، وتعليق رحلات الطيران السياحية المباشرة، وتراجع أعداد الزوار بشكل حاد.
استجابة لذلك، اتخذت الحكومة الموريتانية سلسلة إجراءات أمنية واسعة شملت نشر وحدات عسكرية نخبوية في المناطق الحدودية، وتحويل بعض المناطق إلى نطاقات عسكرية مغلقة، إلى جانب تعزيز الرقابة الدينية ومكافحة التطرف، وفق التقرير.
كما تم التركيز لاحقا على البعد الاجتماعي عبر برامج لمكافحة الفقر وتوسيع الخدمات الأساسية في المناطق الريفية، مثل المياه والكهرباء والتعليم والرعاية الصحية، في محاولة لقطع الطريق أمام عودة التطرف.
وتشير البيانات الحكومية التي أوردها التقرير إلى أن البلاد شهدت زيادة بنسبة 166% في عدد السياح بين عامي 2018 و2019 بعد تخفيض رسوم التأشيرات، رغم أن الأرقام ما زالت متواضعة مقارنة بالماضي.
اليوم، تحاول موريتانيا إعادة تقديم نفسها كوجهة مغامرات فريدة في الصحراء، حيث أصبح "قطار الحديد" الممتد لمسافة 640 كيلومترا بين مناجم الزويرات وميناء نواذيبو رمزا سياحيا عالميا يتداوله المسافرون على وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن البنية التحتية لا تزال محدودة. بعض الزوار الذين تحدثوا إلى الصحيفة أشاروا إلى غياب الحراسة في المواقع الأثرية وضعف التنظيم، رغم إعجابهم بجمال التجربة.
سائحة بلجيكية قالت إنها لم تكن تتوقع الكثير لكنها فوجئت بجمال البلاد، بينما أشار سائح إيطالي إلى أن بعض الزوار قد يفضلون وجهات أكثر تطورا مثل المغرب من حيث الراحة والخدمات.
ومع ذلك، يرى خبراء السفر أن ما يميز موريتانيا هو "أصالتها شبه البكر"، حيث لا تزال العديد من المواقع غير مؤطرة سياحيا بشكل صارم، ما يمنح الزائر تجربة أقرب إلى الاكتشاف الحر.
في قلب الصحراء، ما زالت فاطمة بويا تنتظر زوارها تحت الشمس الحارقة، مستعيدة ذكريات أيام كان فيها المستكشفون الأوروبيون يمرون بخيمتها، بينهم الرحالة الشهير تيودور مونو
في العاصمة نواكشوط، بدأت تظهر بوادر تحول جديد مع افتتاح أول فندق تابع لسلسلة شيراتون العالمية، ما يشير إلى بداية دخول الاستثمار السياحي المنظم إلى البلاد.
لكن في قلب الصحراء، ما زالت فاطمة بويا تنتظر زوارها تحت الشمس الحارقة، مستعيدة ذكريات أيام كان فيها المستكشفون الأوروبيون يمرون بخيمتها، بينهم الرحالة الشهير تيودور مونو.
تقول فاطمة إن الوضع تغير اليوم، وأصبح جذب السياح أصعب بكثير: "السياح الآن كأنهم رزق يجب أن نبحث عنه"، مضيفة أنها رغم ذلك لا تزال تحتفظ بعشرات الخيام الجاهزة لاستقبال أي وفود جديدة.
وبين محاولات الدولة لاستعادة ثقة الأسواق الدولية، وتحديات الأمن والتنمية، تقف موريتانيا اليوم عند مفترق طرق. بلد واسع، فقير السكان، غني بالمشاهد الطبيعية الفريدة، لكنه ما زال يختبر توازنا دقيقا بين الماضي المضطرب ومستقبل سياحي لم يتشكل بعد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة