آخر الأخبار

سكين فوق عنق الصين.. لماذا تنشر أمريكا صواريخها قرب مضيق لوزون؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يتأهب لزيارة بكين في مايو/أيار الماضي، كانت القوات الأمريكية على مرمى حجر من الصين في مناورات "باليكاتان" التي تشهدها الفلبين كل عام تقريبا، وهي عبارة عن تدريب دوري تشارك فيه الولايات المتحدة إلى جانب الفلبين وحلفاء آخرين. أقيمت النسخة الحادية والأربعين من المناورات بين 20 أبريل/نيسان و9 مايو/أيار 2026، ويعني اسمها بلغة التغالوغ، اللغة الوطنية في الفلبين، "كتفا بكتف".

ولكن هذه المرة كانت المناورات هي الأكبر على الإطلاق منذ أن بدأت عام 1991 (عقدت نسخ سابقة في الثمانينيات تحت أسماء وأطر مختلفة)، بمشاركة أكثر من 17 ألف جندي منهم 10 آلاف من القيادة الأمريكية للمحيطين الهندي والهادئ، صحبة جنود من دول أخرى مثل أستراليا ونيوزيلندا وفرنسا. كما شهدت مناورات باليكاتان 2026 مشاركة فعالة من جانب اليابان، بدلا من الاكتفاء بدور المراقب كما جرت العادة سابقا. فما دلالات مناورات هذا العام على الوضع الجيوسياسي في بحر جنوب الصين؟

مصدر الصورة مناورات باليكاتان 2026 (رويترز)

اليابان.. عود على بدء

لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شاركت قوات يابانية بنشاط في مناورات هذا العام، بعد أن انضمت طوكيو بصفة مراقب إلى باليكاتان عام 2012. وساهمت قوات الدفاع الذاتي اليابانية (الجيش) بنحو 1400 جندي، بعد أن وقعت مع الفلبين اتفاقية العام الماضي للوصول المتبادل، والتي تسمح للبلدين بخوض مناورات مشتركة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 اكتتاب سبيس إكس.. كيف باع إيلون ماسك أكبر "خدعة" في تاريخ وول ستريت؟
* list 2 of 2 محنة أدوبي وأخواتها.. لماذا تنهار إمبراطورية البرمجيات؟ end of list

وقد شاركت القوات اليابانية بصواريخ أرض-بحر "تايب-88" المضادة للقطع البحرية، من إنتاج ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة، ومزودة بمحرك تحفيز بالوقود الصلب مهمته الإطلاق الأولي، وآخر من النوع النفاث لإيصال الصاروخ لمداه الذي يبلغ نحو 180 كيلومترا، كما أنها مزودة بنظام توجيه ذاتي يعتمد على رادار من النوع النشط في مراحل الصاروخ الأخيرة. ووفق صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية، فإن اليابان تدرس تصدير هذه المنظومة إلى الفلبين.

مصدر الصورة صاروخ "تايب-88" أرض بحر المضاد للقطع البحرية في هوكايدو في يونيو/حزيران 2025 (قوات الدفاع الذاتي اليابانية)

يمثل ذلك جزءا من إستراتيجية اليابان العسكرية الجديدة التي أقرتها عام 2022، التي تتخلى فيها طوكيو عن عقيدتها الدفاعية الصرفة، وتدفع باتجاه تطوير أسلحة هجومية، كجزء من الاستجابة للصعود العسكري الصيني. بالإضافة إلى ذلك، شاركت اليابان بمجموعة من أبرز القطع البحرية لديها، في هذه المناورات.

إعلان

على رأس القطع المشاركة المدمرة متعددة المهام "جي دي إس أيس" (JDS Ise)، وهي مدمرة من طراز هيوغا تعمل مضادة للغواصات وحاملة مروحيات في الوقت نفسه، وواحدة من اثنتين فقط في البحرية اليابانية من هذا الطراز الذي يُعد أول طراز حاملات مروحيات يابانية منذ الحرب العالمية الثانية. وشاركت كذلك سفينة "جي إس شيموكيتا" (JS Shimokita)، وهي سفينة إنزال بري تقوم بنقل الدبابات والقطع البرية الثقيلة وإنزالها على السواحل.

"في عام 2022 تخلت اليابان عن عقيدتها الدفاعية الصرفة، واندفعت باتجاه تطوير أسلحة هجومية، كجزء من الاستجابة للصعود العسكري الصيني"

ليس الأمر بالنسبة لليابان مجرد التزام بالتحالف مع الولايات المتحدة، بل إن اهتمامها بإبراز حضورها العسكري مؤخرا يأتي في سياق بناء تحالف دفاعي يضم جيران الصين الذين يخشون نفوذها، لا سيما أن اليابان أيضا لديها خلاف حدودي مع الصين على جزر سينكاكو. وتتمتع اليابان بقدرات اقتصادية وتكنولوجية هائلة، برغم حرمانها من تطوير قدرات عسكرية منذ الحرب العالمية الثانية، ومن ثم يمكن أن تكون صاحبة مساهمة فعالة في التحالفات العسكرية في بحر جنوب الصين.

كما تمثل هذه المناورات فرصة لليابان لإنهاء عزلتها العسكرية والانطلاق نحو لعب دور جيوسياسي فعال. عكست العزلة المفروضة سابقا على اليابان بسبب دورها في الحرب العالمية الثانية مخاوف الدول المجاورة مثل كوريا الجنوبية من ذاكرة الاحتلال الياباني وتحفظها على محاولات التسلح اليابانية فضلا عن الدخول في تحالفات عسكرية مع طوكيو. ولكن بما أن الفلبين تخلت مؤخرا عن هذا التحفظ بسبب خوفها من الصين، فإن طوكيو فيما يبدو لديها فرصة تاريخية لترميم علاقاتها بدول شرق آسيا، التي تبحث عن دولة صناعية ثقيلة تخلق توازنا مع الصين.

الفلبين والولايات المتحدة.. حلف من نوع خاص

كانت الفلبين حتى استقلالها عام 1946 واحدة من المستعمرات الأمريكية القليلة حول العالم، وخاضت القوات الأمريكية هناك حربا ضروسا في مواجهة اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1951 وقع البلدان اتفاقية دفاع مشترك، وفي أثناء الحرب الباردة كانت الفلبين حليفا مهما لواشنطن، ومثلت درعا لاحتواء الشيوعية في آسيا، لا سيما في سنوات حرب فيتنام والعداء السياسي التام بين واشنطن والنظام الشيوعي في الصين.

علاوة على ذلك فإن الفلبين جزء مما بات يعرف بـ "سلسلة الجزر الأولى"، وهي خط جغرافي افتراضي يمتد من جزر الكوريل واليابان شمالا مرورا بتايوان والفلبين وصولا إلى إندونيسيا جنوبا، ويُعد الحاجز الطبيعي الذي يفصل الصين عن المحيط الهادئ. ويمثل أهمية إستراتيجية لكل من الولايات المتحدة، التي تراه خط احتواء الصين الأول، وللصين نفسها، التي تعتبره مانعا بينها وبين البحار المفتوحة، التي تستهدف توسيع وصولها إليها.

"العلاقة بين الفلبين والصين متوترة منذ سنوات، رغم أن هذا التوتر لا ينزلق إلى مواجهات صريحة إلا نادرا"

في الوقت نفسه فإن العلاقة بين الفلبين والصين متوترة منذ سنوات، رغم أن هذا التوتر لا ينزلق إلى مواجهات صريحة إلا نادرا. فهناك نزاعات بين البلدين في بحر جنوب الصين حول عدد من الجزر الصغيرة، بالإضافة إلى ما تحتويه المياه المحيطة بها من مصادر الطاقة والثروات الطبيعية. وتدعي الصين امتلاكها لمياه معظم بحر جنوب الصين بموجب ما تطلق عليه "خط القطاعات التسع"، إلا أن محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي قضت في عام 2016 بأن مزاعم الصين حول البحر ليس لها أساس قانوني، وأن الفلبين يمكنها أن تمارس سيادتها في مناطقها الاقتصادية الخالصة الممتدة لـ200 ميل بحري بموجب قانون البحار.

مصدر الصورة خريطة توضح موقع جزر سكاربورو المتنازع عليها في بحر جنوب الصين (الجزيرة)

تعد السفينة العسكرية الفلبينية القديمة "بي آر بي سييرا مادري" الراسية منذ عام 1999 على شعاب "سكند توماس شول" واحدة من رموز الصراع البحري الرئيسية بين البلدين. قامت مانيلا بتثبيت السفينة في موقعها كنقطة عسكرية أمامية، وترسيخا لمطالبتها بالسيادة في المنطقة وتقوم بتزويدها بالإمدادات بشكل دوري.

"تعد السفينة العسكرية القديمة سييرا مادري واحدة من رموز الصراع البحري بين الصين والفلبين"

كما يشتعل الصراع بين البلدين أيضا حول شعاب سكاربورو التي تشهد مناوشات بحرية بين الحين والآخر (تقع الشعاب على مسافة 240 كيلومترا غرب جزيرة لوزون في الفلبين، ونحو 900 كيلومتر من جزيرة هاينان الصينية). وفي العام الماضي، أعلنت بكين خططا لإنشاء محمية طبيعية في المنطقة كشكل من أشكال فرض السيادة، وردت الفلبين على ذلك بمضاعفة نطاق دورياتها في بحر جنوب الصين ثلاث مرات، من أجل تأكيد مطالباتها البحرية.

إعلان

لم تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي بطبيعة الحال، إذ أشارت مذكرة صادرة عن خدمة أبحاث الكونغرس في مارس/آذار الماضي أن واشنطن يجب أن تدعم الفلبين في مواجهة الضغوط الصينية في بحر جنوب الصين بشتى الطرق. إلا أن محللين يرون الآن أن الفلبين تنتقل الآن إلى مرحلة "الردع النشط" بدلا من الاكتفاء بالاستناد على التحالف الأمريكي، وأن "باليكاتان 2026" بمثابة لحظة مفصلية في هذا الاتجاه، وعلامة فارقة في الوقت نفسه في سياسة الولايات المتحدة التي تتجه نحو المزيد من الالتزام بالدفاع عن الفلبين.

مصدر الصورة طائرات "إف-16" ومنظومة هيمارس ودبابة أبرامز (غيتي)

مضيق لوزون.. سيف على عنق الزجاجة الصيني

يربط مضيق لوزون بين بحر جنوب الصين من جهة والمحيط الهادئ من جهة أخرى ويفصل جغرافيا بين تايوان وجزيرة لوزون الفلبينية. ويمثل المضيق الذي ضمن سلسلة الجزر الأولى ممرا حيويا للصين لأنه المعبر الذي تمر منه بحريتها لتوسيع نفوذها في المحيط الهادئ. في المقابل، يعد المضيق حيويا لجهود الولايات المتحدة لاحتواء الصين، والتصدي لأي عملية غزو محتملة لتايوان.

وقد شهدت المناورات الأخيرة تنفيذ تدريبين في أرخبيل باتانيس الواقع في مضيق لوزون. وعلى بعد 155 كيلومترا من تايوان، شهدت إحدى جزر الأرخبيل تدريبا مشتركا على ما وصفته قيادة الهندي-الهادئ الأمريكية بأنه هجوم جوي بحري طويل المدى يستهدف السيطرة على نقطة إنزال جوي وجعلها مهبطا للقوات وتأمين محيطها وتنصيب صواريخ مضادة للسفن، بشكل يرفع من الجاهزية للتدخل السريع في أي نقطة.

في هذا السيناريو نصبت القوات المشاركة منظومة راجمة الصواريخ "إم 142 هيمارس" التي يصل مداها إلى 300 كيلومتر، وتعتبر واحدة من أنجح القطع العسكرية الأمريكية التي أثبتت فعالية عالية في العديد من المسارح. وفي جزيرة أخرى انصب التدريب على الاستيلاء على أحد المطارات وتهيئته للعمل العسكري، علاوة على نصب منظومة صواريخ "نميسيس" (منظومة صاروخية أمريكية جديدة)، المعروفة بقاتل السفن ومداها نحو 185 كيلومترا، أي أنها تستطيع استهداف أي سفينة في مضيق لوزون.

مصدر الصورة راجمة الصواريخ "إم 142 هيمارس" أثناء المناورات (وزارة الدفاع الأمريكية)

ويعد نشر القطع البحرية الأمريكية على جزر صغيرة وهامشية بمثابة تغيير كبير في إستراتيجية الولايات المتحدة البحرية نحو اعتماد مفهوم "العمليات البحرية الموزعة" ، وهو مفهوم عملياتي جديد يتمحور حول توزيع الأسطول في شكل وحدات صغيرة موزعة على مساحة كبيرة، بدلا من تمركز الأسطول الكبير في مكان واحد. وذلك استجابة لزيادة القدرات الدفاعية لقوات الخصوم فيما يتعلق بكفاءة إطلاق الصواريخ والذخائر.

لقد طورت الصين في السنوات الماضية قدرات ضخمة في مجال فرض مناطق محرمة داخل سلسلة الجزر الأولى، منها صواريخ مضادة للسفن وصواريخ باليستية، ومنظومات مستشعرات دقيقة لمراقبة الوضع في بحر جنوب الصين ومضيقي تايوان ولوزون. هذه الزيادة في القدرات الرادارية الصينية تمنح الأساطيل الصغيرة ميزة نسبية، إذ لا يمكن كشف مجموعة صغيرة من القوات بالسهولة ذاتها التي تُكتشف بها الأساطيل الكبيرة، وحتى لو كشفت فإن الخطر لن يطال القوات كلها في آن واحد كما هو الحال مع الأساطيل الكبيرة.

"القدرات الرادارية الصينية تمنح الأساطيل الصغيرة ميزة نسبية، إذ لا يمكن كشف مجموعة صغيرة من القوات بسهولة"

وتصر الصين على أن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضيها، بينما ترفض تايوان والولايات المتحدة الضم القسري من جهة الصين. وإذا قررت الصين غزو تايوان، فإن السيناريو العسكري المطروح يشمل على الأرجح عملية إنزال بري على الشواطئ التايوانية، وقصف صاروخي وإغراق بالمسيّرات. وهذه المناورات لعلها تدريب على ما يمكن أن تكون خطة أمريكية للتصدي لـ"غزو صيني محتمل".

إعلان

المسافة بين باتانيس وبين تايوان صغيرة كما أسلفنا، ولم يكن اختيارها عبثا في ظل التوترات في مضيق تايوان. وقد سبق أن شهدت جزيرة بالاوان الواقعة جنوب غرب الفلبين يوم 27 أبريل/نيسان الماضي تدريبات استُخدمت فيها قوات متكاملة برية وجوية لصد هجوم افتراضي من البحر، مركزة على عنصر التكامل بين القوات.

من بين أهم القطع التي استخدمتها قوات مشاة البحرية الأمريكية، مركبة الدفاع الجوي قصير المدى ماديس (MADIS)، التي دخلت الخدمة عام 2022، وهي مخصصة للتصدي لأسراب المسيرات والطائرات العمودية، وتدمج مدفع دفاع جوي قصير المدى ومنصة إطلاق صواريخ ستينغر. ومن اللافت أن الوحدة القتالية تتكون من مركبتين إحداهما للاشتباك (MK2)، والأخرى للاستطلاع والتحكم (MK1)، والأخيرة مزودة بمدفع خاص بها، لكنهما ليستا متماثلتين، إنما تتكاملان في العمل والوظائف.

بالنسبة لليابان تحديدا، فهذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها بفعالية في هذه المناورات (رويترز)

البحث عن عقيدة بحرية جديدة

ضمنت الولايات المتحدة "استقلال" تايوان وحرية الملاحة في بحر جنوب الصين على مدار عقود، ومع صعود الصين وزيادة قدرتها على فرض مناطق "حرمان الوصول" (Area Denial)، أي مناطق تمنع فيها الصين وصول قوات أجنبية، بدأت واشنطن ترى في بكين خصما صريحا لها في منطقة المحيط الهادئ.

تحمل الولايات ذاكرة خاصة تجاه هذه المنطقة منذ تعرضت قواتها البحرية لهجوم مفاجئ من اليابان في الحرب العالمية الثانية، ولذا تعتقد واشنطن أنها لابد وأن تحتفظ بنفوذها وقوتها في المنطقة، وتمنع صعود أي خصوم يهددون تفوقها. وقد أكدت إستراتيجية الدفاع الوطنية الأمريكية لعام 2022 على هذا التوجه، وعلى التزامها بالدفاع عن حرية قواتها في العمل بمنطقة غرب الهادئ، مشيرة إلى الصين بوصفها التحدي الأكبر للجيش الأمريكي في العقود المقبلة.

وتعاني الولايات المتحدة من تراجع بحريتها في السنين الأخيرة، وذلك بسبب أن الأسطول بات أصغر مما ينبغي، حيث تقلص الأسطول الأمريكي من أكثر من 400 سفينة إلى حوالي 272 سفينة على مدار العقود الثلاثة الماضية. كما أنه بات مشغولا بمسارح متعددة بسبب الحروب التي دخلتها واشنطن. ولذا تحتاج واشنطن إلى نهج جديد، بحسب الباحث جوناثان بانتر بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، يتضمن تقليص انتشارها المبالغ فيه حول العالم، والتركيز على مسرح الهندي-الهادئ.

تمثل الصين التحدي الأكبر للقوات الأمريكية في المحيط الهادئ (الجزيرة)

من هنا نشأت الحاجة إلى تطوير رؤية جديدة تتكيف مع الوضع الجيوسياسي الجديد. فمنذ تسعينيات القرن الماضي اعتمدت الولايات المتحدة عقيدة "الحضور البحري الأمامي"، التي تقوم على نشر قوات بحرية قتالية في كل أنحاء العالم لردع الخصوم وطمأنة الحلفاء والتدخل في الأزمات. غير أن هذه العقيدة أفضت إلى إرهاق الأسطول وتقليصه تدريجيا على مدى عقود. ويرى بانتر أن الحل لا يكمن في مزيد من الانتشار، بل في تقليصه؛ إذ يجادل بأن تخفيف الأعباء العملياتية عن البحرية وتحرير مواردها من مهام الشرطة البحرية العالمية هو الطريق الوحيد لإعادة بناء الاستعداد الهيكلي اللازم لردع الصين أو مواجهتها في حرب طويلة الأمد.

"الولايات المتحدة يجب عليها أن تختار بين الاستمرار في التواجد في مناطق النزاعات وبين الاستعداد لحرب مع الصين"

يرى بعض خبراء البحرية أن الولايات المتحدة يجب عليها أن تختار بين الاستمرار في التواجد في مناطق النزاعات وبين الاستعداد لحرب مع الصين، وأنه لا يمكن الجمع بين الخيارين. في الجهة المقابلة، يرى بريان كلارك من معهد هدسون أن هذا اختيار زائف، وأن المشكلة ليست في الانتشار ذاته بل في نوع القوات المنتشرة.

وبدلا من ضخ المزيد من الأموال في حاملات الطائرات والمدمرات الضخمة، يدعو كلارك إلى إعادة توازن الأسطول بالاتجاه نحو سفن ساحلية أصغر قادرة على العمل قرب الشواطئ ومواكبة وحدات مشاة البحرية المنتشرة عبر جزر الفلبين واليابان، بما يزرع الشك المستمر لدى القادة الصينيين في قدرتهم على تنفيذ أي غزو لتايوان. ومن هذه الزاوية، فإن الردع الفاعل لا يتحقق بانتظار المعركة الفاصلة عند مضيق تايوان، بل بحملات يومية مستمرة في المناطق الساحلية تربك التخطيط العسكري الصيني. وتأتي "باليكاتان 2026" لتؤكد تمسك الولايات المتحدة بهذا النهج في غرب المحيط الهادئ.

إعلان

يترافق ذلك مع التخلي عن فكرة وجود قواعد كبرى قليلة لصالح توزيع القوات على مساحة أكبر في مجموعات أصغر، على أن تعمل تلك الوحدات سوية باستغلال تقنيات الشبكات والاتصالات المتقدمة، وذلك لتفادي استهدافها جميعها في وقت واحد. وذلك بالتزامن مع التخلي عن إستراتيجية "الوقوف خارجا" (Stand-off)، التي تعني إبقاء القوات الأمريكية خارج مناطق التوتر حتى تستدعي الحاجة تدخلها، وهي إستراتيجية حكمت الوجود الأمريكي في أوروبا أثناء الصراع مع الاتحاد السوفيتي. وفي المقابل تعدل الولايات المتحدة مفاهيمها العملياتية نحو نشر قوات داخل المناطق المتوترة، وهي الإستراتيجية المعروفة بـ"البقاء في الداخل" (Stand-in).

انزعاج الصين

من جانبها التقطت الصين الإشارة، إذ وجهت انتقادات لاذعة للفلبين وحلفائها متهمة إياهم باللعب بالنار واصفة المناورات بأنها ضارة بالاستقرار الإقليمي. كما نقلت "غلوبال تايمز" الصينية انتقادات حادة لليابان بسبب نشرها منظومة صواريخ هجومية لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، منتقدة ما أسمته "تصاعد النزعة العسكرية في اليابان".

ولم يقتصر الأمر على الانتقاد الإعلامي، بل إن الصين أجرت تدريبات في شعاب سكاربورو. كما دفعت الصين بمجموعة من القطع البحرية لتدريبات شرق مضيق لوزون، فيما وصفته القيادة الجنوبية في سلاح البحرية في جيش التحرير الشعبي بأنه "استجابة للأوضاع الراهنة"، في إشارة إلى مناورات باليكاتان.

حاملة الطائرات الصينية لياونينغ تشارك في تدريب عسكري غرب المحيط الهادئ (رويترز)

حركت البحرية الصينية أيضا حاملة الطائرات لياونينغ عبر مضيق تايوان باتجاه بحر جنوب الصين مصحوبة بعدد من المدمرات. وتنبع مخاوف الصين من أن تسهم المناورات في بلورة قوة أمريكية تحول بينها وبين المحيط الهادئ، بمعنى أن الولايات المتحدة إذا رممت خط الجزر الأول، فإنها سوف تشكل عائقا أمام طموح الصين لمد نفوذها في المحيط الهادئ. كما ترى بكين التواجد الأمريكي في المنطقة عائقا أمامها فيما يتعلق بجهودها "لإعادة توحيد البلاد عبر ضم تايوان".

"تتحفظ الصين على تنصيب الولايات المتحدة منظومات تطلق صواريخ توماهوك قادرة على الوصول إلى سواحلها"

من أكبر المشكلات بالنسبة للصين أيضا تنصيب الولايات المتحدة منظومات صاروخية متطورة تطال البر الصيني الرئيسي، الأمر الذي تعتبره بكين خطا أحمر، حيث نصبت واشنطن إبان المناورات المنظومة الصاروخية تايفون التي تستخدم صواريخ أرض-أرض من نوع توماهوك بمدى يتراوح بين 1500-2500 كيلومتر، وهو ما تخشاه الصين التي يبعد أقرب سواحلها عن الجزر الفلبينية بنحو 800 كيلومتر فقط.

وسبق للصين أن اعترضت على تنصيب تلك المنظومة في كل الدول المحيطة بها، ففي عام 2025 صدرت "الورقة البيضاء للأمن القومي" عن مكتب معلومات مجلس الدولة الصيني. وانتقدت الورقة "تصاعد التوترات الجيوسياسية" و"عودة عقلية الحرب الباردة" على خلفية تنصيب منظومة الصواريخ في الفلبين. ومع ذلك لم تلق هذه الإنذارات آذانا صاغية لدى مانيلا حيث تعتزم واشنطن وضع المزيد من هذه الصواريخ هناك.

وعلى ذلك ربما تشي مناورات "باليكاتان" الأخيرة بأننا أمام المزيد من التوترات في بحر جنوب الصين، لا سيما أن الإدارة الأمريكية تولي أهمية كبيرة لتقوية علاقاتها بجيران الصين مثل الفلبين. كما أنها تبعث رسالة سياسية مفادها أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بأمن تايوان حتى لو كانت مهتمة في الآن ذاته بعلاقات جيدة مع الصين.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا