في قلب القاعدة العسكرية الجنوبية في صربيا، تتردد أصداء مدرعات وخطوات جنود من حلف شمال الأطلسي ( ناتو) يتدربون جنبا إلى جنب مع عناصر الجيش الصربي.
هذا المشهد الذي يتكرر في إطار مناورات "الذئب البلاتيني" المشتركة، لم يعد مجرد تدريب عسكري روتيني يهدف إلى رفع كفاءة عمليات حفظ السلام الدولية، بل تحول إلى جبهة اشتباك دبلوماسي علني بين موسكو والغرب، يعيد رسم خرائط النفوذ في منطقة البلقان، ويهدد التوازنات التقليدية المقامة هناك منذ عقود.
تُعد مناورات "الذئب البلاتيني" تدريبات عسكرية تكتيكية متعددة الجنسيات، تقام على الأراضي الصربية بقيادة مشتركة بين الجيش الصربي والقيادة الأوروبية للجيش الأمريكي (U.S. EUCOM)، وبمشاركة دول من حلف شمال الأطلسي (ناتو) وشركائه الإقليميين.
وتتركز هذه المناورات -التي تجرى في "القاعدة الجنوبية" وميدان تدريب "بوروفاتس" قرب مدينة بويانوفاتس بأقصى جنوب صربيا- على تطوير مهارات القتال في البيئات الحضرية المكتظة، وتأمين القوافل، وإجراءات المداهمة، بهدف تعزيز الكفاءة التكتيكية ومواءمة العمليات العسكرية للصرب مع المعايير الغربية لعمليات حفظ السلام الدولية.
ومع ذلك، لم يدم هذا التجميد طويلا، إذ استأنفت صربيا هذه المناورات المشتركة مع الطرف الأمريكي وقوات الناتو في يونيو/حزيران 2023 بقرار استثنائي من الحكومة لتلبية متطلبات التزاماتها الدولية، وصولا إلى استمرار انعقادها في يونيو/حزيران الحالي لعام 2026.
تأتي مناورات "الذئب البلاتيني" لتسلط الضوء على عمق التجاذبات الجيوسياسية في خاصرة أوروبا الرخوة.
وتقول صربيا إن هذه المناورات، التي انطلقت في الأول من يونيو/حزيران الجاري، بدعم من القيادة الأوروبية الأمريكية، تهدف إلى تبادل أفضل الممارسات و"تعزيز كفاءة وتفاهم الدول المشاركة"، والتي تضم ثماني دول أعضاء في الناتو.
وفي تعليق شديد اللهجة، اتهمت وزارة الخارجية الروسية الحلف الغربي بممارسة ضغوط مكثفة على بلغراد تشبه "أفعى البوا" التي تلتف حول فريستها، لإجبارها على الانفصال عن حليفتها التاريخية روسيا.
وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا " إنهم يلفون صربيا في حبال حبهم مثل أفعى البوا العاصرة".
ورغم محاولات صربيا إضفاء طابع فني على التدريبات، فإن التوقيت والسياق الإقليمي يعكسان تحولا براغماتيا في العقيدة العسكرية لبلغراد نحو المعسكر الغربي تحت وطأة الضغوط الأوروبية، مما يهدد بتقلص النفوذ الروسي في البلقان، وسط مخاوف من ارتدادات أمنية واجتماعية على بنية السلم الأهلي ومجتمعات الأقليات في المنطقة.
يكتسب الغضب الروسي الحالي أبعادا إستراتيجية تتجاوز تفاصيل المناورة العسكرية، إذ ترى موسكو في صربيا نقطة الارتكاز الأخيرة لنفوذها في جنوب شرق أوروبا، ضمن بيئة جغرافية باتت محاطة بالكامل بدول حلف الناتو أو بأخرى تسعى للانضمام إليه.
وبناء على ذلك، فإن انخراط مئات العسكريين من ثماني دول ينتمي أغلبها للحلف -بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا- يعني عمليا مواءمة التكتيكات الصربية مع المعايير الغربية.
ويعكس تصريح المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إدراكا روسيا متزايدا بأن أدوات القوة الناعمة والمساعدات العسكرية الغربية -حيث جُهزت القاعدة الصربية أساسا بهبات من القيادة الأوروبية للجيش الأمريكي- باتت تزاحم الروابط التاريخية.
وتكشف هذه التطورات عن مناورة براغماتية يقودها الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش لموازنة الضغوط، فهو يرفض الانخراط الكامل في العقوبات الاقتصادية ضد روسيا استجابة لضغط الشارع المحلي المؤيد لموسكو، لكنه يقدم في المقابل هذه التنازلات العسكرية للغرب كإثبات جدية على رغبته في التكامل الأوروبي، ولتخفيف الضغوط الأمريكية والأوروبية في ملف كوسوفو.
وخلف لغة البيانات العسكرية الجافة، تبرز تداعيات إنسانية ومجتمعية داخل صربيا ومحيطها، إذ يثير مشهد جنود الناتو على الأراضي الصربية انقساما حادا وشروخا نفسية لدى قطاعات واسعة من الشعب.
بالنسبة للتيارات القومية والمحافظة، يُعد هذا التقارب تنكرا لتاريخ قريب، حيث ما تزال الذاكرة الجمعية مثقلة بآثار حملة القصف الجوي التي شنها الناتو على يوغوسلافيا عام 1999 خلال حرب كوسوفو وما خلفته من ضحايا مدنيين ودمار في البنية التحتية.
ويستشعر السكان في إقليم سنجق الصربي، والمجتمعات المحاذية في البلقان، قلقا من أن يدفع الغضب الروسي موسكو إلى استخدام أوراق ضغط بديلة لزعزعة استقرار المنطقة، عبر تحريض التيارات الصربية المتشددة في "جمهورية صرب البوسنة" على الانفصال لتشتيت انتباه الغرب.
ويعيد هذا السيناريو إلى الأذهان شبح الصراعات العرقية والدينية الدامية التي شهدتها تسعينيات القرن الماضي، ويضع أمن المدنيين أمام تحد كبير.
يتدرب الجيش الصربي وفق تكتيكات الناتو القائمة على تأمين القواعد وتفتيش القوافل والحصار الميداني، في حين تشير استطلاعات الرأي إلى أن عاطفة المجتمع تسير في اتجاه مغاير ومؤيد لروسيا.
كما تفرض زاوية المزاج الشعبي نفسها من خلال رصد تفاعل الأقليات في البلقان مع التحذيرات الروسية، لمعرفة ما إذا كانوا يرون في الوجود الغربي صمام أمان يحميهم، أم يخشون التحول إلى ساحة خلفية لرسائل الانتقام السياسي بين القوى العظمى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة