أثار حكم قضائي فيدرالي جديد جدلا سياسيا وثقافيا واسعا في الولايات المتحدة بعدما أمر بإزالة اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من مبنى مركز جون كينيدي للفنون الأدائية في واشنطن، كما أفادت صحيفة نيويورك تايمز.
وأوضح الصحيفة -في مقال بقلم زاك مونتاغ وجوليا جاكوبس- أن هذه الخطوة اعتُبرت انتكاسة قانونية كبيرة لمشروع كان ترمب يراه جزءا من جهوده لإعادة تشكيل المؤسسات الثقافية الأمريكية.
وجاء الحكم الصادر عن القاضي الفيدرالي كريستوفر كوبر استنادا إلى قانون أقره الكونغرس عام 1964 عقب اغتيال الرئيس جون كينيدي، نص بوضوح على أن مركز كينيدي يمثل النصب التذكاري الوطني الوحيد للرئيس الراحل في العاصمة الأمريكية ومحيطها.
ونبهت الصحيفة إلى 5 نقاط أساسية تضمنها حكم القاضي الذي أثار غضب الرئيس ورد عليه.
قضى القاضي الفيدرالي كريستوفر كوبر بأن اسم دونالد ترمب يجب أن يُزال من مركز جون إف كينيدي للفنون الأدائية، ورأى أن قرار إعادة تسمية المؤسسة ليصبح اسم ترمب جزءا من هويتها الرسمية يتعارض مع الهدف الذي أُنشئت من أجله ومع الإرادة الأصلية للكونغرس، مؤكدا أن تغيير الاسم لا يمكن أن يتم إلا عبر تشريع جديد يصدر من الكونغرس نفسه.
أوقف الحكم خطة إدارة ترمب لإغلاق المركز مؤقتا من أجل تنفيذ أعمال تجديد واسعة النطاق، واعتبر أن مجلس الإدارة لم يدرس بشكل كاف الآثار القانونية والثقافية والتشغيلية المترتبة على الإغلاق.
شدد الحكم على أن مركز كينيدي أُنشئ بموجب قانون صادر عن الكونغرس كنصب تذكاري للرئيس الراحل جون إف كينيدي، وبالتالي لا يمكن إعادة تسميته أو تغيير طبيعته الأساسية بقرار أحادي من مجلس الإدارة أو السلطة التنفيذية.
ورأى القاضي أن مجلس الإدارة تجاوز صلاحياته عندما جرّد النائبة جويس بيتي من حق التصويت في بعض القرارات المتعلقة بالمركز، معتبرا أن هذا الإجراء يفتقر إلى الأساس القانوني.
وهاجم ترمب الحكم والقاضي بشدة، واعتبر القرار سياسيا وغير عادل، كما أعلن أنه قد يسعى إلى إعادة إدارة المركز بالكامل إلى الكونغرس، مؤكدا أنه لن يواصل المشاركة في المشروع إذا لم يُسمح له بتنفيذ رؤيته الخاصة للمؤسسة.
وذكر المقال بأن جذور النزاع تعود إلى ديسمبر/كانون الأول الماضي عندما صوّت مجلس إدارة المركز الذي أعاد ترمب تشكيله بعد عودته إلى البيت الأبيض، على إضافة اسم ترمب إلى المؤسسة.
وسرعان ما تم تثبيت أحرف الاسم الجديدة على الواجهة الرئيسية للمبنى، كما أُدرج الاسم المعدل في الموقع الإلكتروني للمركز وفي المواد الدعائية الرسمية وحتى في البث التلفزيوني لحفل تكريمات كينيدي السنوي، وهو أبرز فعاليات المؤسسة الثقافية، كما قال الكاتبان.
غير أن هذه الخطوة أثارت اعتراضات واسعة داخل الأوساط الفنية والثقافية الأمريكية، وبالفعل أعرب عدد من الفنانين والمانحين والجمهور عن رفضهم لما اعتبروه تسييسا لمؤسسة ثقافية وطنية ذات رمزية تاريخية، وأدى الجدل إلى إلغاء عدد من الفعاليات والبرامج الفنية، فضلا عن تراجع بعض المساهمات المالية.
ومن المتوقع -حسب الكاتبين- أن يتحول الحكم إلى معركة قانونية جديدة، إذ أعلن مسؤولو المركز نيتهم استئناف القرار والدفاع عن حق مجلس الإدارة في تكريم ترمب، معتبرين أن للرئيس دورا مهما في دعم المؤسسة وإنقاذها ماليا وإداريا، ولكن منتقدي الخطوة يرون أن القضية تتعلق بالحفاظ على هوية المركز التاريخية أكثر من كونها نزاعا سياسيا.
كما سلط الحكم الضوء على طبيعة إدارة المركز خلال السنوات الأخيرة، وانتقد القاضي الطريقة التي اتُخذ بها قرار الإغلاق، مشيرا إلى أن المجلس اعتمد على معلومات محدودة ومنحازة، وأنه لم يستمع بالشكل الكافي إلى الخبراء المسؤولين عن البرامج الفنية وجمع التبرعات والجوانب القانونية للمؤسسة، ودعا إلى إعادة دراسة أي خطط مستقبلية بشكل مستقل ومهني قبل المضي في تنفيذها.
تمثل قضية مركز كينيدي اختبارا جديدا للعلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس والسلطة القضائية في مرحلة تشهد استقطابا سياسيا حادا
ورغم أن المحكمة أوقفت قرار الإغلاق، فإن إعادة الأمور إلى ما كانت عليه لن تكون سهلة -حسب المقال- وذلك لأن المركز بدأ بالفعل الاستعدادات لإغلاق أبوابه، وشهد عمليات تسريح واسعة للموظفين وإلغاء عدد من العروض الفنية الكبرى، كما تعطلت خطط الموسم الثقافي لعامي 2026 و2027. ويخشى مراقبون أن تستمر هذه الاضطرابات، حتى لو تم التراجع رسميا عن مشروع الإغلاق.
وتحمل القضية أبعادا تتجاوز مجرد نزاع حول اسم مبنى ثقافي، لأنها تعكس الصراع الأوسع الدائر في الولايات المتحدة حول دور السياسة في إدارة المؤسسات الثقافية والوطنية، وحدود سلطة الرئيس في إعادة تشكيل هذه المؤسسات وفق رؤيته، كما تمثل اختبارا جديدا للعلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس والسلطة القضائية في مرحلة تشهد استقطابا سياسيا حادا.
وفي الوقت الراهن، يبقى مستقبل مركز كينيدي معلقا بين مسار الاستئناف القضائي المحتمل، وموقف الكونغرس، وقدرة المؤسسة على استعادة استقرارها الإداري والمالي بعد أشهر من الجدل والانقسامات التي وضعتها في قلب واحدة من أكثر المعارك الثقافية والسياسية إثارة للانتباه في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة