في منطقة اعتادت العيش على حافة الانفجار، تبدو الحرب الأمريكية الإيرانية وكأنها تتحرك هذه المرة بلا بوصلة واضحة. فبينما كانت الطائرات الأمريكية تُسقط المسيّرات الإيرانية فوق مضيق هرمز، كان الوسطاء يتبادلون مسودات اتفاق مؤقت قد تفتح باب التهدئة.
وفي اللحظة التي لوّح فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإمكانية العودة إلى ساحة المعركة، كانت إدارته نفسها تتحدث عن تقدم "واعد" في المفاوضات مع طهران.
هذا التناقض الحاد بين لغة الحرب وخطاب التسوية بات السمة الأبرز لسياسة ترمب تجاه إيران، وفق ما خلصت إليه تقارير وتحليلات نشرتها صحف أمريكية، وتحديدا نيويورك تايمز، وول ستريت جورنال، وذا هيل، والتي رسمت صورة لإدارة أمريكية تتحرك بين القصف والدبلوماسية والضغوط الاقتصادية دون إإستراتيجية مستقرة المعالم.
بعد 3 أشهر من إطلاق الرئيس الأمريكي شرارة الحرب، بات هذا الأسلوب العشوائي يثير حيرة حلفائه في الداخل والخارج على حد سواء، حيث يتنقل بسرعة بين التهديد بضربات عسكرية ساحقة والسعي الدؤوب لعقد صفقات دبلوماسية سريعة
ففي قراءة تحليلية معمقة لواقع الأزمة، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا لمراسليها من واشنطن، مايكل كراولي وإيريك شميت، أكدا فيه أن نهج الرئيس ترمب في إدارة الصراع مع إيران يتسم بالتأرجح المستمر الذي يبدو مدفوعا بالمزاج واللحظة السياسية بدلا من إستراتيجية واضحة المعالم.
وأضاف التقرير أن الإدارة الأمريكية تعكف حاليا على مناقشة مسودة اتفاق أولي مع إيران يتضمن تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، والدخول في مفاوضات أكثر تفصيلا بشأن البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأمريكية.
لكن الصحيفة تؤكد أن الاتفاق لم يحصل حتى الآن على الضوء الأخضر النهائي من ترمب، كما أن القيادة الإيرانية نفسها لم تحسم موقفها بصورة كاملة.
وأوضحت أنه بعد 3 أشهر من إطلاق الرئيس شرارة الحرب، بات هذا الأسلوب العشوائي يثير حيرة حلفائه في الداخل والخارج على حد سواء، حيث يتنقل بسرعة بين التهديد بضربات عسكرية ساحقة والسعي الدؤوب لعقد صفقات دبلوماسية سريعة.
وتوقفت الصحيفة عند الخطاب المزدوج للرئيس، مستشهدة بمنشور طويل له عبر منصته "تروث سوشيال"، أعلن فيه أن المفاوضات "تسير بشكل رائع!"، ليعود في المنشور نفسه ويحذر من أنه إذا لم يتم التوصل إلى "صفقة عظيمة"، فإن البديل سيكون "العودة إلى ساحة المعركة وإطلاق النار، ولكن بشكل أكبر وأقوى من أي وقت مضى".
هذا التذبذب أربك حتى مؤسسات الأمن القومي الأمريكية نفسها، بحسب نيويورك تايمز ناقلة عن مسؤول عسكري كبير قوله إن أكثر من 50 ألف جندي أمريكي منتشرين في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة باتوا "في حالة ترقب يكتنفها الغموض" مع "تأرجح" ترمب بين الخيارات العسكرية والدبلوماسية.
ونقلت الصحيفة عن الدبلوماسي المخضرم جيمس جيفري، الذي خدم كمنسق لشؤون سوريا في الولاية الأولى لترمب، وصفه للتصريحات الرئاسية بأنها "تُربك الجميع"، مبينا في الوقت ذاته أن العالم اعتاد على هذه الاستعراضات السياسية وبات يجري عليها عملية خصم وتقييم لحقيقتها.
في المقابل، أبرزت الصحيفة رؤية المسؤولين الإيرانيين لهذه التناقضات، حيث نقلت عن نائب وزير الخارجية الإيراني، سعيد خطيب زاده، قوله إن الجانب الأمريكي "يغرد كثيرا ويتحدث كثيرا"، واصفا تصرفات واشنطن بأنها "مربكة وأحيانا متناقضة".
مسودة الاتفاق المؤقت تنص على إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، وهو البند الذي يمثل أولوية قصوى للإدارة الأمريكية بسبب التداعيات الاقتصادية العالمية لإغلاق المضيق
على صعيد الحراك الدبلوماسي، وتحت عنوان منفصل، استعرضت نيويورك تايمز في تقرير ثانٍ ملامح مسودة التفاهم الجاري التي يجري التفاوض حولها بناء على شهادات من مسؤولين إيرانيين وأمريكيين ودبلوماسيين شاركوا في المحادثات.
وأفادت الصحيفة بأن المقترح يرتكز على وثيقة مؤلفة من مرحلتين؛ تتضمن الأولى وقفا مؤقتا للأعمال العدائية لـمدة 60 يوماً لبناء الثقة، تليها مرحلة ثانية تشمل مفاوضات مطولة وشاقة لتحديد مصير البرنامج النووي والعقوبات وإنهاء الحرب رسميا.
وأشارت الصحيفة إلى وجود تباين في التفسيرات؛ إذ ينظر إليها الجانب الغربي كهدنة مؤقتة قابلة للتمديد، بينما يصر المسؤولون الإيرانيون على أنها تتضمن "إعلانا لإنهاء الحرب" على كافة الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية التي شهدت خروقات متواصلة لوقف إطلاق النار إثر تصعيد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله.
كما تنص المذكرة على إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، وهو البند الذي يمثل أولوية قصوى للإدارة الأمريكية بسبب التداعيات الاقتصادية العالمية لإغلاق المضيق.
فمنذ أن أغلقت إيران المضيق فعليا عبر التهديد بالألغام والزوارق المسيّرة والصواريخ، تعرضت أسواق الطاقة العالمية لاضطراب حاد، وقفزت أسعار النفط والبنزين بصورة أثارت قلقا واسعا داخل الولايات المتحدة، خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وفي افتتاحية لصحيفة وول ستريت جورنال بعنوان "أين تقف المحادثات الآن"، قالت هيئة تحريرها إن المفاوضين الأمريكيين باتوا أكثر ثقة باقتراب التوصل إلى اتفاق أولي مع إيران، يقوم أساسا على إعادة فتح مضيق هرمز خلال 30 يوماً، مع إزالة الألغام وضمان عودة الملاحة غير المقيّدة وغير الخاضعة لرسوم.
لكن الصحيفة حذرت من غموض بعض الصياغات، مشيرة إلى أن طهران سبق أن تراجعت مرتين عن تعهدات مشابهة، وقد تحاول لاحقا فرض رسوم أو اشتراط الحصول على إذن لعبور المضيق.
وبحسب الافتتاحية، فإن الاتفاق ينص أيضا على مواصلة المفاوضات لمدة 60 يوماً لحسم مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب.
وترى الصحيفة أن الخطر يكمن في تأجيل التفاصيل الجوهرية المتعلقة بكيفية التخلص من هذا المخزون، محذرة من أن هيكل الاتفاق القائم على مرحلتين يمنح إيران فرصة لإطالة أمد التفاوض.
واعتبرت أن أي اتفاق لا يتضمن التخلص الكامل من اليورانيوم المخصب وإخضاع المنشآت النووية لرقابة صارمة لن يحقق الهدف المتمثل في منع طهران من امتلاك سلاح نووي.
ولفتت هيئة تحرير الصحيفة إلى أن المفاوضين الأمريكيين يدركون أن تخصيب اليورانيوم حتى نسبة 3.67% يمثل 70% من الجهد المطلوب للوصول إلى درجة تصنيع السلاح النووي.
من جانبها، تناولت صحيفة ذا هيل في تقرير لمراسلتها صوفي برامز هذه المعطيات، أكدت فيه نقلا عن مصادر أمريكية أن مسودة الاتفاق المؤقت الحالية تمثل أكبر اختراق دبلوماسي منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير/شباط الماضي، برغم أنها دون الأهداف المعلنة لترمب.
وأوضحت برامز أن مذكرة التفاهم التي تمت صياغتها عبر الوسطاء لا تزال بانتظار التوقيع الرسمي النهائي من ترمب والقيادة الإيرانية، مشيرة نقلا عن وسائل إعلام رسمية إيرانية إلى أن طهران ستعلن موقفها النهائي عبر القنوات الباكستانية.
كما لفتت الصحيفة إلى الوضع المعقد داخل القيادة الإيرانية، مبينة أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أكد أن القرارات الكبرى تعتمد على موافقة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، الغائب عن الأنظار منذ إصابته في ضربة عسكرية باليوم الأول للحرب.
وتطرقت برامز في تقريرها إلى الآثار الاقتصادية الناجمة عن الأزمة، حيث ذكرت أن متوسط أسعار البنزين في الولايات المتحدة بلغ 4.43 دولاراً للغالون، فيما أظهرت استطلاعات رأي أن غالبية الناخبين يحملون ترمب مسؤولية ارتفاع الأسعار.
ولذلك يرى مراقبون أن إعادة فتح مضيق هرمز أصبحت بالنسبة للرئيس الأمريكي ضرورة اقتصادية وانتخابية بقدر ما هي هدف أمني وإستراتيجي.
لكن حتى هذه النقطة لا تزال محل خلاف حاد بين الجانبين. فوفق التصور الأمريكي، سيُعاد فتح المضيق فورا أمام السفن التجارية، بينما يُرفع الحصار البحري الأمريكي عن إيران بصورة تدريجية تبعا لمدى استعادة حركة الشحن إلى مستويات ما قبل الحرب.
أما الإيرانيون، فيصرون على الاحتفاظ بحقهم -بالتنسيق مع سلطنة عمان- في فرض رسوم أو ترتيبات تنظيمية مستقبلية على السفن العابرة للمضيق.
وفيما يتعلق بأبرز مفاجآت المسودة، كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن بند مستحدث يتعلق بإنشاء صندوق استثماري دولي لصالح إيران تقدر قيمته بنحو 300 مليار دولار.
ونقلت عن مسؤول إيراني وصفه للمشروع بأنه "برنامج لإعادة الإعمار" تعويضا عن خسائر القصف، بعد أن كانت طهران تطالب بتعويضات تتراوح بين 300 مليار وتريليون دولار.
وعزت الصحيفة أصل الفكرة إلى مقترحات صاغها المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ومستشار الرئيس جاريد كوشنر، مستغلين خلفيتهما في الاستثمار العقاري بطرح مشاريع استثمارية في طهران كحافز لإبرام الصفقة، وهو ما تلاقى مع عروض إيرانية لإتاحة الفرصة أمام شركات النفط والطاقة الأمريكية الكبرى للاستثمار المشترك.
كما يجري بحث آليات للإفراج التدريجي عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، والتي تُقدّر بنحو 24 مليار دولار.
غير أن هذه النقطة تظل شديدة الحساسية سياسيا بالنسبة لترمب، الذي طالما هاجم الرئيس الأسبق باراك أوباما بسبب الإفراج عن أموال إيرانية خلال اتفاق 2015 النووي.
وفي الداخل الأمريكي، تكشف الحرب والانفتاح الحالي نحو التفاوض عن انقسام حاد داخل الحزب الجمهوري نفسه. فالتيار المحافظ المتشدد يرى أن أي اتفاق لا ينتهي بتفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل يمثل تنازلا خطيرا سيمنح طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها.
في المقابل، يدعو جناح جمهوري آخر إلى إنهاء الحرب سريعا وتجنب التورط في صراع طويل ومكلف. وكتب السيناتور الجمهوري راند بول أن "الحروب تنتهي دائما بالمفاوضات"، داعيا منتقدي ترمب إلى منحه فرصة للتوصل إلى "حل أمريكي أولا".
أما السيناتور ليندسي غراهام، فقد طالب بعرض أي اتفاق نهائي على الكونغرس، في ظل الجدل المتصاعد بشأن صلاحيات الرئيس في رفع العقوبات أو تقديم تنازلات إإستراتيجية لإيران دون موافقة تشريعية.
ورغم استمرار المفاوضات، فإن الميدان لا يزال مفتوحا على احتمالات التصعيد. ففي الأيام الأخيرة، تبادل الطرفان ضربات محدودة شملت إسقاط مسيّرات إيرانية فوق مضيق هرمز، وقصف مواقع إطلاق طائرات بدون طيار قرب بندر عباس، إلى جانب اتهامات أمريكية لإيران بإطلاق صواريخ باليستية باتجاه الكويت.
لكن القيادة العسكرية الأمريكية حرصت، بحسب نيويورك تايمز، على عدم تضخيم هذه المواجهات، خوفا من انهيار المسار التفاوضي بالكامل.
خلاصة القول إن إدارة ترمب تبدو وكأنها تحاول الجمع بين أقصى درجات الضغط العسكري وأقصى درجات البراغماتية الاقتصادية في الوقت نفسه.
غير أن هذا النهج المتقلب يثير تساؤلات متزايدة داخل واشنطن وخارجها حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تقترب فعلا من تسوية تاريخية مع إيران، أم أنها تؤجل فقط انفجارا أكبر قد يكون أكثر تكلفة وخطورة على المنطقة والعالم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة