موسكو – تناولت وسائل الإعلام الروسية تقييمات مختلفة لتصريحات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن استعداد واشنطن وطهران لتوقيع مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز.
وقد طغى التفاؤل الحذر على أغلبية قراءات الصحف والمحللين السياسيين في روسيا بخصوص صمود الاتفاق المحتمل بين البلدين إلى وقت طويل.
لكنها ركزت بشكل خاص على الخسائر التي قد تلحق بسمعة واشنطن والتناقضات الداخلية التي قد يتسبب بها هذا الاتفاق لإدارة ترمب.
صحيفة “كوميرسانت” ركزت على ما وصفتها بالضغوط السياسية الداخلية التي من المرجح أن تتعرض لها إدارة ترمب بسبب الاتفاق مع إيران، فضلاً عن الانتقادات الحادة من السياسيين الأمريكيين المحافظين، الذين يعتقدون أن الاتفاق، في ظل الشروط الحالية، سيكون في غير صالح الولايات المتحدة.
أما صحيفة “رو 360”، فقالت إن بنود وقف إطلاق النار المرتقب لمدة 60 يوما تبدو بمثابة تنازل من البيت الأبيض، حيث تتجه الولايات المتحدة لرفع الحصار البحري وفك تجميد الأصول الإيرانية، ورفع بعض العقوبات.
وتشير الصحيفة إلى أن الإدارة الأمريكية تتجاهل هذه النقاط عمدًا "للحفاظ على ماء الوجه" أمام الناخبين – على حد وصفها.
بدورها، أشارت صحيفة سفوبودنيا بريسا إلى أن ما وصفته بادعاءات ترمب بأن مضيق هرمز قد عاد إلى وضعه السابق غير صحيح.
وحسب رأي الصحيفة، سيبقى المضيق تحت السيطرة الإيرانية، وأن موافقة طهران على السماح لعدد السفن العابرة للمضيق بالعودة إلى مستويات ما قبل الحرب، لا يعني بأي حال من الأحوال "حرية المرور" إلى الوضع السابق.
تناولت صحيفة "إزفيستيا" الموقف الإسرائيلي من الاتفاق المحتمل، وقالت إن الدولة العبرية قد تفكر بشن حملة عسكرية ناجحة ضد إيران، تكون مفيدة للحكومة الحالية نظرًا للانتخابات المقبلة.
لكن الصحيفة تشدد على أنه لن يتحقق إلا إذا أمكن تقديم نتائجها بثقة على أنها نصر. لذا، قد لا يكون هدف إسرائيل الأساسي هو عرقلة المفاوضات بقدر ما هو ضمان ألا يترك الاتفاق لإيران أي مجال للحفاظ على نفوذها.
من جانبهم، يتفق أغلبية المراقبين والمحللين السياسيين الروس على أن واشنطن، في ظل مواجهتها مع طهران، تكبدت هزيمة إستراتيجية أظهرت ضعف عقوباتها وضغوطها العسكرية، بينما نجحت طهران في الدفاع عن نفسها وتعزيز موقعها في الشرق الأوسط.
من هؤلاء – الخبير في الشؤون الشرق أوسطية، أندريه أوتيكوف، الذي يؤكد أن توجه الإدارة الأمريكية نحو تحقيق تفاهم مع إيران تمليه إلى حد كبير الأجندة السياسية الداخلية للقادة الأمريكيين الذين لا يريدون الدخول في صراع حقيقي طويل الأمد قد تصل ارتداداته "الحادة" إلى الداخل الأمريكي.
وبحسب ما يقوله للجزيرة نت، فإن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي ومحاولات عزل إيران لم يُحقق النتيجة المرجوة. وعليه فإن توقف واشنطن "القسري" عن الحرب والضغوط يعد تراجعا إستراتيجيا واضحا.
ويلفت المتحدث إلى ما يسميها بالمزايا الإستراتيجية لإيران وورقتها الرئيسية الرابحة، والمتمثلة بقدرتها على التأثير في سوق الطاقة العالمية والتي دفعت واشنطن للتوجه نحو خيار التسوية والاتفاق معها، حيث أن تهديد زعزعة استقرار مضيق هرمز والهجمات على البنية التحتية النفطية في الشرق الأوسط قيدت إلى حد كبير موقف الولايات المتحدة.
في ذات الوقت، يشير إلى أنه على الرغم من أن تصعيد الصراع وما صاحبه من ارتفاع لأسعار النفط العالمية ساهم في زيادة كبيرة في الميزانية الروسية نتيجة لزيادة عائدات النفط والغاز، إلا أن التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن يعزز موقف موسكو في مقاربة الصراع مع الغرب عموما والحرب مع أوكرانيا بشكل خاص لجهة اكتشاف مواطن الضعف في التكتيكات السياسية والعسكرية للولايات المتحدة والخصوم الأوروبيين.
بدوره، يعتبر الباحث في معهد دراسات السلام والصراعات، فلاديمير جورافليوف، بأن إبرام اتفاق أمريكي إيراني يُقلل من عزلة إيران الدولية، وبالتالي سيعزز المصالح الاقتصادية والجيوسياسية المشتركة لموسكو وطهران.
لكنه يوضح في تعليق للجزيرة نت بأن الاتفاق سيغير في ذات الوقت من طبيعة العلاقات الروسية الإيرانية، إذ سيُقلل توقيع مذكرة التفاهم مع واشنطن من اعتماد إيران الكلي على موسكو.
ويتابع بأنه على الرغم من اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة الحالية مع روسيا، ستبدأ طهران في انتهاج سياسة خارجية متعددة المحاور أكثر توازنا ومرونة.
في مقابل ذلك، سيساهم فتح التجارة الإقليمية في تقليل المخاطر التي تهدد طرق النقل، وبالتالي ستتمكن روسيا من استخدام الطرق الإيرانية وبحر قزوين بشكل أكثر أمانا للوصول إلى أسواق جنوب آسيا.
علاوة على ذلك، من شأن وقف الأعمال العدائية بين طهران وواشنطن أن يسهم في خفض التوترات على الحدود الجنوبية لروسيا، وهو ما يعني القضاء على مصدر للفوضى بالقرب من مناطق نفوذها.
كما يشير إلى أن انتقال إيران إلى اقتصاد قانوني سيؤدي إلى تقليل حاجتها إلى آليات مشتركة مع روسيا للالتفاف على العقوبات الغربية.
كما سيؤدي الرفع التدريجي للحصار المفروض على موانئ مضيق هرمز واستئناف إمدادات النفط الخام الإيرانية الرسمية إلى زيادة المعروض العالمي، وهذا بدوره سيُؤدي إلى ضغط هبوطي قوي على أسعار خام الأورال الروسي وخام برنت.
ويخلص إلى أنه في حال تم رفع العقوبات الغربية عنها، ستتمكن إيران من بيع النفط بشكل قانوني ودون خصم. ونتيجة لذلك، ستفقد روسيا جزءا من أسطول ناقلاتها غير الرسمية وستواجه منافسة شرسة على المشترين في الصين والهند.
المصدر:
الجزيرة