في دراسته «تأخُّر مجلس الشعب السوري.. الأسباب والتداعيات»، الصادرة عن مركز جسور للدراسات، يحاول الباحث وائل علوان تفكيك واحد من أكثر الأسئلة تداولًا داخل سوريا خلال المرحلة الانتقالية: لماذا تأخر تشكيل مجلس الشعب رغم إجراء الانتخابات وإعلان نتائجها منذ أواخر 2025؟ وهل كان الأمر مجرد تعقيدات فنية وأمنية، أم أن السلطة التنفيذية وجدت في غياب البرلمان مساحة أوسع للحركة وإدارة المرحلة الانتقالية دون قيود تشريعية؟
فالورقة لا تتعامل مع التأخير بوصفه حدثًا إجرائيًّا عابرًا، بل باعتباره مؤشرًا على طبيعة التوازنات التي تحكم سوريا الجديدة بعد سقوط نظام الأسد، وعلى شكل العلاقة بين السلطة التنفيذية والشرعية السياسية والمؤسسات الدستورية في مرحلة ما تزال الدولة فيها تُعاد صياغتها من جديد.
يبدأ الباحث من السياق الذي جرت فيه الانتخابات. فالحكومة السورية الجديدة مضت في تنظيم انتخابات مجلس الشعب خلال 2025 رغم استمرار خروج محافظات كاملة عن سيطرتها المباشرة، خصوصًا الحسكة والرقة والسويداء. لكن بينما جرى لاحقًا استكمال الانتخابات في مناطق قسد خلال النصف الأول من 2026، بقي المجلس نفسه معلقًا دون جلسة أولى أو استكمال للثلث الذي يعينه رئيس الجمهورية.
ويرى علوان أن السلطة السورية فضلت تأجيل انعقاد المجلس بدل الذهاب إلى برلمان ناقص الشرعية الجغرافية والسياسية. فدمشق كانت تدرك أن استبعاد المحافظات الشرقية بالكامل سيمنح خصومها المحليين والدوليين فرصة الطعن في شرعية العملية السياسية نفسها، خصوصًا أن الحكومة كانت تحاول إظهار نفسها باعتبارها سلطة انتقالية قادرة على إعادة توحيد البلاد تدريجيًّا.
ولهذا تحولت الانتخابات إلى جزء من التفاوض السياسي مع قسد، لا مجرد استحقاق إداري. فإشراك مناطق الشمال الشرقي لم يكن فقط لتوسيع التمثيل، بل أيضًا لتقليص قدرة قسد على تقديم نفسها ككيان منفصل سياسيًّا عن الدولة السورية.
لكن المسألة، كما يوضح علوان، لم تكن مرتبطة فقط بتحسين صورة التمثيل السياسي، بل أيضًا بضمان وجود كتلة برلمانية أكثر انسجامًا مع توجهات السلطة التنفيذية ورؤيتها لشكل النظام الجديد. فمجلس الشعب لن يكون مجرد هيئة تشريعية تقليدية، بل مؤسسة ستشارك في إعادة صياغة البنية السياسية والقانونية والدستورية لسوريا ما بعد الحرب.
ومن هنا يلمّح الباحث إلى أن السلطة التنفيذية كانت بحاجة إلى مزيد من الوقت لترتيب التوازنات داخل المجلس، بما يضمن عدم تحوله إلى مصدر إرباك أو صراع سياسي في لحظة انتقالية شديدة الحساسية.
واحدة من الأفكار المركزية في الدراسة أن غياب مجلس الشعب منح السلطة التنفيذية هامشًا واسعًا وغير مسبوق للحركة. فالحكومة، في ظل غياب سلطة تشريعية فاعلة، أصبحت عمليًّا الجهة التي تقترح القوانين وتصدرها وتنفذها في الوقت نفسه.
ويرى الباحث أن هذا الوضع أتاح تمرير قرارات وتغييرات كبيرة كانت ستواجه نقاشات أعقد لو وُجد مجلس شعب مكتمل الصلاحيات. ويشمل ذلك:
إعادة تشكيل مؤسسات الدولة تعديل البنية الإدارية تغيير الهوية البصرية استبدال العملة توسيع الهيئات المرتبطة مباشرة برئاسة الجمهورية
كما منح غياب البرلمان السلطة التنفيذية مرونة أكبر في الملفات الخارجية الحساسة، خصوصًا المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل، والتفاهمات الأمنية والاقتصادية مع لبنان، بعيدًا عن التعقيدات البرلمانية أو الجدل السياسي الداخلي.
لكن علوان يلفت إلى أن هذه المرونة جاءت على حساب مبدأ الفصل بين السلطات، وأثارت تساؤلات قانونية حول شرعية بعض المراسيم والقرارات التي يفترض أن تمر عبر سلطة تشريعية قائمة.
لا تنظر الدراسة إلى مجلس الشعب فقط بوصفه مؤسسة قانونية، بل باعتباره عنصرًا أساسيًّا في استكمال شرعية النظام الانتقالي نفسه. فاستمرار غياب السلطة التشريعية لأكثر من عام ونصف ترك انطباعًا داخليًّا وخارجيًّا بأن مؤسسات الحكم ما تزال غير مكتملة.
ولهذا يرى الباحث أن الثقة باستقرار سوريا لن تتعزز فعليًّا إلا مع اكتمال السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. فغياب البرلمان لا يعني فقط غياب النقاش السياسي، بل أيضًا غياب الغطاء التشريعي الكامل للقوانين والاتفاقات والتفاهمات التي تُبرم خلال المرحلة الانتقالية.
كما أن هذا الغياب أضعف الثقة بقدرة الدولة على إنتاج سياسات مستقرة وطويلة المدى، وهو ما انعكس حتى على المناخ الاقتصادي والاستثماري.
الاقتصاد السوري.. الاستثمار يحتاج برلمانًا أيضًا
يتوقف الباحث عند البعد الاقتصادي للتأخير، معتبرًا أن المستثمرين لا ينظرون فقط إلى القوانين الاقتصادية نفسها، بل أيضًا إلى الجهة التي تصدرها ومدى استقرارها المؤسسي.
ورغم إصدار الحكومة قانون استثمار جديد، بقيت حالة التردد مسيطرة على كثير من المستثمرين، لأن القوانين الصادرة عن سلطة تنفيذية منفردة قد تُعدَّل أو تُلغى لاحقًا بعد تشكيل البرلمان أو تغير موازين القوى السياسية.
ومن هنا لا يصبح مجلس الشعب مجرد مؤسسة سياسية، بل جزءًا من الضمانات الاقتصادية والقانونية المطلوبة لإقناع الداخل والخارج بأن سوريا دخلت فعلًا مرحلة استقرار مؤسسي، لا مجرد إدارة انتقالية مفتوحة.
لا يقدم وائل علوان اتهامًا مباشرًا للسلطة السورية بأنها تعمدت تعطيل البرلمان، لكنه يلمّح بوضوح إلى أن التأخير منحها فوائد سياسية وتشريعية كبيرة.
فالحكومة استطاعت خلال هذه الفترة: تمرير تشريعات بسرعة أكبر تقليص مساحات النقاش السياسي إدارة التفاوض الخارجي بمرونة أعلى وإعادة ترتيب مؤسسات الدولة دون رقابة تشريعية حقيقية
لكن الدراسة ترى في المقابل أن استمرار هذا الوضع يحمل مخاطر بعيدة المدى، لأنه قد يرسخ اختلالًا في العلاقة بين السلطات، ويجعل العودة لاحقًا إلى التوازن المؤسسي أكثر صعوبة.
في الخلاصة، يقدّم الباحث تأخير مجلس الشعب بوصفه تعبيرًا عن معضلة أعمق داخل سوريا الجديدة: كيف يمكن بناء مؤسسات شرعية ومتوازنة في بلد خارج من الحرب والانقسام، بينما تحتاج السلطة التنفيذية نفسها إلى هامش واسع للتحرك وإعادة بناء الدولة؟
فالمرحلة الانتقالية، كما تظهر الدراسة، لم تكن فقط انتقالًا من نظام إلى آخر، بل صراعًا على شكل السلطة نفسها، وحدودها، وطبيعة العلاقة بين الشرعية والاستقرار والسيطرة السياسية. ولهذا يبدو مجلس الشعب، في النهاية، أكثر من مجرد برلمان متأخر؛ إنه اختبار لطبيعة النظام السوري الذي يتشكل بعد الحرب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة