طهران- "تتأرجح المنطقة على حافة الهاوية بين مسارين: دبلوماسي يكتسب زخما غير مسبوق، وعسكري لم تبرد نيرانه بعد"، هكذا يعلق المواطن الإيراني علي رضا (72 عاماً – متقاعد) على الساعات الأخيرة من الوقت المتاح للدبلوماسية. إذ يعتقد أنه في المشهد المعقد الراهن أضحى السؤال عما إذا "ستنتصر الدبلوماسية أم أن المنطقة على موعد مع انفجار كبير؟" سيد الموقف في طهران.
وفي الساعات الأخيرة قبل انقضاء المهلة الأمريكية للتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، يتمنى علي رضا -في حديثه للجزيرة نت- أن توافق طهران على الصيغة النهائية للاتفاق الذي تنقله الوساطات الإقليمية إليها أو "ترد بما تمتلك من قدرات عسكرية وغيرها لإبعاد شبح الحرب عن شعبها"، ثم يصمت قليلا ويواصل "يا ترى ما الذي تبقى في جعبتها للردع بعد حربين فرضت عليها؟".
وفي جولة ميدانية أجرتها الجزيرة نت في عدد من مناطق طهران، يبدو أن حالة من الترقب الحذر تخيم على المدينة، يخالطها قلق شعبي متصاعد من انزلاق البلاد إلى جولة ثالثة من الحرب.
تقدم آوينا (31 عاماً) وهي طالبة مرحلة الدكتوراه بجامعة طهران، تشخيصا مقلقا للوضع في بلادها بالقول إن "الفضاء الاقتصادي والاجتماعي في إيران غارق في حالة اللاحرب واللاسلم"، محملة السياسات المتبعة مسؤولية مضاعفة الأزمة.
وتضيف آوينا في حديثها للجزيرة نت، "إذا كان من طريق للخروج من عنق الزجاجة، فيتعين علينا بصرف النظر عن المعضلة الكبرى المتمثلة في المطالب الأمريكية، أن نعمل بجد على تعزيز الجبهة الداخلية، وأن تثمن السلطات المعنية صمود الملايين في التجمعات الليلية بالساحات العامة، لا أن نبقى أسرى الحديث الدائم عن رسائل الوساطات وحدها".
ثم تتساءل: ما الذي يمنع أن نتفاوض مع العدو وجها لوجه؟ محذرة من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى إثارة موجة جديدة من الاحتجاجات.
وبينما تضيء شاشات التلفزيون الرسمي بعناوين تدعو إلى "الوحدة الوطنية في وجه التهديدات"، تستذكر زميلتها إلهة (28 عاماً) مشاهد دامية من الاحتجاجات الماضية، مؤكدة أن "ثمة أحداث شبيهة يمكن أن تتكرر بين ليلة وضحاها، وهذا ليس احتمالا بعيدا"، مشددة على أن صانع القرار الإيراني لا يمكن أن يراهن على صبر الشارع إلى ما لا نهاية.
وتختم إلهة تصريحها -للجزيرة نت- بدعوة صريحة إلى قراءة المشهد الإيراني من زاوية مزدوجة: "ضغوط عسكرية من الخارج وضغوط اقتصادية من الداخل"، مضيفة أن الرهان الحصري على المفاوضات مع أمريكا لتحسين الوضع المعيشي دون إعادة بناء الاقتصاد الحقيقي لن يجدي نفعا حتى لو أثمرت عن اتفاق.
أما الرجل الخمسيني جعفر وهو صاحب متجر كبير وسط طهران، يقول "الأميركيون والإسرائيليون يريدون تجريدنا من كل شيء ..ضربوا منشآتنا النووية ولم يعد لدينا ما نخيفهم به إلا مضيق هرمز، لكني أخشى التفريط بهذه الورقة كما فعلنا مع الملف النووي".
ويتابع بصوت خفيض وكأنه يخشى أن يسمعه أحد: "في الجولتين السابقتين من المواجهة اكتفينا بضربات شكلية. وإذا تكرر الأمر وشاركت أطراف أخرى في عمليات إعادة فتح المضيق، فالتهاون في الرد هذه المرة سيعني خسارة الورقة المتبقية".
سألنا جعفر عن سبب اعتباره مضيق هرمز ورقة بلاده الأخيرة، قال إنها "ليست الوحيدة لكنها السلاح الأقوى المتبقي بيد طهران"، لكن سرعان ما يستدرك "لكن سلاح ذو حدين.. إغلاق المضيق قد يؤدي إلى تصعيد عسكري لا يُحمد عقباه، كما أن التفريط بها دون استخدام فعلي، أو عبر تهديدات غير قابلة للتصديق، سيجرد إيران من أي أوراق ضغط مستقبلية".
في سياق متصل، تقدم الباحثة السياسية عفيفة عابدي قراءة تحليلية مغايرة للمشهد، ترى فيها أن التصعيد الكلامي الأمريكي ليس بالضرورة مقدمة لحرب شاملة، بل أداة تفاوضية لتحسين شروط واشنطن على الطاولة، معبرة عن اعتقادها أن تزايد الاتصالات والوساطات في ظل تصاعد الخطاب الأمريكي العدائي ضد إيران، يكشف عن حقيقة مفادها أن العديد من الفاعلين الأساسيين في هذه الأزمة لا يرغبون فعلا في استئناف القتال.
وفي حديثها للجزيرة نت، ترى عابدي أن واشنطن وتل أبيب، وعلى الرغم من التصعيد الخطابي الظاهر، "تدركان تماما أن جولة حرب جديدة لن تحقق لهما مكاسب سريعة، وأن أي حرب طويلة الأمد ستكلفهما ثمنا إستراتيجيا باهظا"، مضيفة أن الكثير من التهديدات العلنية ليست سوى محاولة لرفع سقف المساومة في المفاوضات، وليس إعلانا فعليا عن حرب وشيكة.
وفي مقابل التهديدات الأمريكية، ترى عابدي وجود أسباب موضوعية تجعل طهران غير متحمسة للعودة إلى مربع الحرب منها:
ووسط هذا الجمود الميداني والتباين في المواقف، تتوقع عابدي سيناريو براغماتيا يحظى بأكبر قدر من التوافق، موضحة أنه بسبب هذا الانسداد في الميدان، اتجه الطرفان إلى تبادل الرسائل والمفاوضات غير المباشرة، لأنها ببساطة أقل كلفة للجميع.
وتتوقع الباحثة ذاتها أن يتمخض هذا المسار عن "اتفاق مؤقت، على الأقل في المدى القصير، يقضي بتمديد فترة المفاوضات بدلا من اتفاق شامل أو انهيار كامل للمسار الدبلوماسي".
لكن وبرغم هذه التوقعات الحذرة بتمديد المسار التفاوضي، لا تستبعد عابدي بروز "عراقيل من لون آخر"، محذرة من أنه "يبقى احتمال التدخلات التخريبية الرامية إلى إفشال مسار المفاوضات قائما وبقوة".
وتؤكد على حقيقة جيوسياسية مفادها "أي نوع من الاتفاق لن ينهي حالة العداء والخصومة المزمنة بين الأطراف، وبالتالي فإن أي تسوية محتملة لن تكون أكثر من أداة لإدارة التوتر والتكاليف الباهظة، وليس حلا سحريا يطوي صفحة الصراع".
وبين تلويح أمريكي باستئناف القصف على إيران خلال ساعات أو أيام إن لم يتم التوصل إلى اتفاق، ووعيد إيراني بتوسيع دائرة القتال إلى خارج الإقليم، يرى الخبير السياسي سعيد شاوردي أن إيران "لن تتراجع عن برنامجها النووي قيد أنملة" مهما بلغت الضغوط العسكرية والدبلوماسية، مؤكدا أن الهجمات العسكرية والاغتيالات لا تجدي نفعا مع إيران التي تمتلك المعرفة والقدرة التقنية على ترميم ما دمّرته آلة الحرب.
وفي حديثه للجزيرة نت، يعتبر شاوردي أن الإصرار الأمريكي على تصفير التخصيب وتفكيك البرنامج النووي ليس مطلبا تفاوضيا فحسب، بل محاولة لانتزاع "عصا الردع" التي تحمي الشعب الإيراني من تهديدات وجودية، لا سيما بعد حربين شرستين عاشتها طهران في غضون أشهر.
ومن هاتين الحربين، يستنتج الباحث الإيراني درسا مفاده أن "لا أحد سيأتي للدفاع عن إيران"، ويكشف عن قناعة بأن البرنامج النووي حتى في إطاره السلمي، هو الرادع الوحيد الذي حال دون استخدام واشنطن وتل أبيب أسلحة غير تقليدية، وهو ما تعززه سياسة "الغموض النووي" التي تنتهجها طهران بشأن الوضع الحقيقي لقدراتها بعد الحربين.
أما الورقة الثانية، وفق المتحدث نفسه، تتمثل في مضيق هرمز، حيث لم تكتفِ طهران بالسيطرة على الممر الحيوي منذ الحرب الأخيرة بل وضعت آليات معلنة لعبور السفن، ونجحت تدريجيا في إدارة الرأي العام العالمي ونزع فتيل المعارضة الشديدة من قبل الدول الأخرى، فيما فشلت واشنطن في إعادة فتحه بالقوة وتورطت في مأزق دفعها للبحث عن مخرج.
ولفت شاوردي إلى أن طهران باتت قادرة اليوم على استخدام المضيق لفرض عقوبات مضادة على الدول المنخرطة في العقوبات الأمريكية، مما يضاعف من استحالة التخلي عن هذه الورقة.
ويخلص إلى أن إصرار واشنطن على إعادة هرمز إلى ما قبل الحرب وتصفير التخصيب هما العقبتان اللتان قد تقودان المفاوضات إلى طريق مسدود، محذرا من أن تفريط طهران بورقة المضيق والبرنامج النووي معا سيعني تحديات وجودية بعد أي اتفاق، إذ يتعين عليها الإمساك بهما لتحصد آثارهما الإيجابية على الأمن والاقتصاد والمكانة الإقليمية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة