آخر الأخبار

هل دخل العالم في زمن "الفترة"؟

شارك

ماذا حدث بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والوفد الضخم المرافق له إلى الصين؟ وما الذي تغير في العالم عقب لقاء القوتين العظميين؟ الجواب باختصار: لم يتغير شيء.

فلم تنتهِ الحروب في أوكرانيا وإيران، التي تعد أخطر الأزمات العالمية، ولم تُطو أزمة الطاقة، ولم يعلن حتى عن أي جهود جدية في هذا الاتجاه.

كما لم يتم التوصل إلى أي اتفاق بشأن تايوان، التي تمثل بؤرة توتر، ولم نشهد كذلك أي جهود رامية إلى نظام عالمي أكثر عدالة، أو توزيع أكثر إنصافا للدخل، أو انفتاحٍ تجاه الدول الفقيرة، أو (مبادرات) لصالح المحتاجين.

بينما تنهار القوة القديمة، لا تولد قوة جديدة

إن عبارات المجاملة المبالغ فيها التي صدرت عن ترمب خلال الزيارة، وكلماته التي تمجد الصين ورئيسها شي جين بينغ، إضافة إلى التصريحات الصادرة، تعكس أن الولايات المتحدة هي الطرف الأضعف على الطاولة.

ويبدو أن واشنطن تدرك تراجع نفوذها المهيمن بالتوازي مع تناقص قوتها في الاقتصاد العالمي.

ولا شك أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية العظمى في العالم، بيد أن ذلك لم يعد كافيا وحده لفرض كلمتها في النظام الدولي. فما القيم التي تقدمها؟ وكيف توجه السياسة العالمية المتأزمة؟ وما هو البديل الذي تقدمه في مواجهة تآكل القيم الإنسانية؟ وأي رؤية اجتماعية أو ثقافية تطرحها؟

وعند المقارنة بين الولايات المتحدة اليوم وبين مكانتها قبل ثلاثين عاما، يتجلى الفارق بوضوح، ويمكن القول إن واشنطن تفقد قوتها وتتجه نحو التراجع.

ولهذا السبب تتبنى الإدارة الأمريكية سلوكا عدوانيا وهجوميا ومزعزعا للاستقرار وتبالغ في استعراض القوة، فلا توجد دولة تثق بإمكاناتها وتبلغ ذروة قوتها تتصرف بهذه الطريقة.

ومن الحديث عن شراء غرينلاند، إلى محاولة السيطرة على نفط فنزويلا، ومن السعي لإخضاع كوبا إلى تهديد أوروبا، تعكس هذه التحركات دولة تشعر بأن زمام القوة يفلت من يدها وتتصرف بردود فعل عشوائية.

إعلان

وفي مقابل ذلك، (يبرز السؤال التالي): هل ستملأ الصين مكان الولايات المتحدة في النظام العالمي الجديد؟

الصين ليست قوة مهيمنة

ومثلما أن الجيش الأمريكي القوي لا يكفي وحده لضمان النظام العالمي، فإن القوة الاقتصادية الهائلة التي وصلت إليها الصين لا تكفي هي الأخرى لتأسيس نظام دولي.

وتاريخيا، لم تكن الصين راغبة يوما في دور صانع قواعد اللعبة في النظام العالمي، ولم تكن لديها أي نية لذلك. وفي الحقيقة إن سور الصين العظيم الذي أحاطت به نفسها يمكن أن يفسر لنا منهجية بكين وفلسفتها بعدم الرغبة في الانخراط في أي شكل من أشكال الصراعات.

لكن الصين سلكت طريقا آخر تمثل في الاندماج بالاقتصاد العالمي وتحقيق معدلات نمو سريعة وعالية تتماشى مع ارتفاع معدلات نمو السكان الضخم، لذا فإن بكين خرجت من محيطها لتتمدد اقتصاديا في أرجاء الكرة الأرضية، لتحقيق أهدافها الاقتصادية، لخدمة شعبها، ولذلك تركزت جميع تصريحات الرئيس شي على ضمان استمرار التجارة، وتجنب الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة، لتأمين احتياجات هذا العدد الضخم من السكان.

وباستثناء ملف تايوان، لم نر في التصريحات الرسمية مواقف حادة، بينما كانت الأطروحات المدافعة عن نظام عالمي متعدد الأقطاب بدلا من نظام عالمي أحادي القطب حاضرة في كل الخطابات.

وكما التزمت الصين الصمت تجاه الاضطرابات الجيوسياسية التي دمرت أجزاء واسعة من الشرق الأوسط، فهي لم تقدم حتى اللحظة مقاربات سياسية أو جيوسياسية واضحة لمعالجة تلك الأزمات.

فالصين لم تسع لتقديم تصور جاد لإرساء نظام في المنطقة خارج حدود شراء النفط من دولها وبيع البضائع لها. وعلى نطاق أعم وأشمل، لا تقترح أي منظومة أو ثقافة بديلة لمعالجة التوزيع غير العادل للدخل.

ولهذا السبب تحديدا، لا يمكن للصين- إذا لم تغير نهجها- ضمان النظام العالمي. ولعلها بدافع سياسة "الصبر الإستراتيجي" الشهيرة التي تنتهجها قد تنتظر مئة عام أخرى من أجل تحقيق ذلك، لست أدري.

الدخول في عهد الفترة
أما أوروبا، فحالها يُرثى لها؛ إذ تعجز دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) حتى عن التوافق فيما بينها بشأن الجهود الرامية إلى منع التفكك، أو صياغة عقل جمعي مشترك أو إيجاد أي مخرج لأزماتهم.

كما أنها تكاد تكون قد انسحبت من سباق التكنولوجيا، في حين تواصل اقتصاداتها التراجع، وأصبحت غير قادرة على حماية بلادها عسكريا دون دعم الولايات المتحدة.

وأجزم بأن الجميع أدرك أنه من غير الواقعي التعويل على دور أوروبي مؤثر في السياسة الدولية. وفي ظل تراجع القوة الأمريكية، وخروج أوروبا من اللعبة، وبقاء الصين بعيدة عن الاضطلاع بدور الضامن للنظام، كيف سينجو العالم من هذا الاضطراب الذي سقط في جوفه؟

ويبدو أن العالم قد دخل بالفعل في عهد الفترة تمهيدا لصياغة نظامه الجديد، ويمكن تسمية هذه المرحلة أيضا بعصر الغموض واللايقين.

فلا أحد يملك القدرة على التنبؤ، ولا أحد يجد مخرجا، ولا يمكن لأحد تخمين ما سيحدث بدقة، ولذلك سيمر العالم بما يسمى بعهد الاضطراب، وبعدها ستبني البشرية لنفسها نظاما جديدا.

إعلان

ولعل الذكاء الاصطناعي سيهرع لنجدتنا حينها، لست أدري. وفي هذا السياق، فلنطرح سؤالا أخيرا على أنفسنا: ماذا ستفعل الدول المسلمة خلال هذه المرحلة؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا