تناولت الكاتبة سيلفي كوفمان التحولات العميقة التي أحدثتها التكنولوجيا الحديثة في الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، معتبرة أن الصراع الحالي يكشف عن ولادة شكل جديد من الحروب يعتمد أساسا على الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، لكنه في الوقت نفسه يعيد إنتاج مستويات الدموية والاستنزاف التي عرفتها الحروب الكبرى في القرن العشرين.
وأشارت الكاتبة -في مقال بصحيفة فايننشال تايمز – إلى أن الحرب الأوكرانية بدأت عام 2022، وكان الاعتقاد السائد أن التقنيات الحديثة ستجعلها أكثر دقة وأقل كلفة بشرية، ولكن ما حدث كان العكس تماما، إذ امتزجت في هذه الحرب عناصر من حروب الخنادق القديمة مع تقنيات القرن الـ21، لتنتج نمطا قتاليا جديدا شديد القسوة.
وأوضح المقال أن الدبابات التي كانت رمز الحروب البرية لعقود، تراجعت أهميتها تدريجيا لصالح المسيّرات والروبوتات العسكرية، فأصبحت المسيّرات تؤدي معظم المهام في ساحة المعركة، بدءا من نقل الإمدادات والطعام والذخيرة، مرورا بالاستطلاع والتوجيه، وصولا إلى تنفيذ الضربات المباشرة وقتل الجنود.
وفي هذا السياق نبهت الكاتبة إلى تطور غير مسبوق تمثل في استسلام جنود روس لطائرات مسيّرة في أرض المعركة، في مشهد يعكس تغير العلاقة التقليدية بين الإنسان والسلاح.
ورغم هذا التقدم التقني، يؤكد التقرير أن التكنولوجيا لم تجعل الحرب "أنظف" ولا أقل فتكا، بل ساهمت في تحويل الجبهة إلى ما يشبه "منطقة قتل شفافة"، حيث يمكن رصد التحركات بدقة عالية واستهداف أي جسم متحرك تقريبا.
واستعرض المقال شهادات لأطباء ومؤرخين عسكريين تؤكد أن نسب القتلى إلى الجرحى في الحرب الأوكرانية اقتربت مجددا من مستويات الحرب العالمية الأولى، بعدما كانت التطورات الطبية والعسكرية قد خفضت هذه النسب بشكل كبير خلال العقود الماضية.
أما على مستوى البعد النفسي والإنساني للحرب الحديثة، فأوضح المقال أن الجنود أصبحوا يقضون فترات طويلة داخل ملاجئ وخنادق تحت الأرض خوفا من مراقبة المسيّرات الدائمة، مما أدى إلى نوع جديد من "نزع الإنسانية" عن الحرب، حيث يعيش الجنود في عزلة وضغط نفسي مستمر مع اعتماد شبه كامل على الأنظمة الآلية في الإمداد والحماية.
ويشير التقرير إلى مفارقة لافتة، وهي أن هذا التحول نحو الحرب المعتمدة على المسيّرات جاء جزئيا بسبب عجز أو تردد الدول الغربية عن تزويد أوكرانيا بكميات كافية من الذخائر التقليدية، مما دفع الأوكرانيين إلى تطوير حلول قتالية مبتكرة منخفضة الكلفة وسريعة التكيف.
واستشهد المقال بتصريحات مسؤولين في حلف شمال الأطلسي ( الناتو)، أكدوا فيها أن الروبوتات والطائرات المسيّرة رفعت بشكل كبير من فتك الجبهات القتالية، وأعادت معدلات الاستنزاف البشري إلى مستويات تشبه ما حدث قبل أكثر من قرن.
وفي ختام التقرير، أكدت الكاتبة أن الحرب الأوكرانية كشفت مفارقة عميقة في طبيعة الحروب الحديثة، وهي أن زيادة تطور التكنولوجيا لم تجعل الحروب أكثر إنسانية، بل ربما أكثر قسوة وفتكا.
ورغم الانبهار العالمي بالتقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة، فإن النتيجة على الأرض -حسب المقال- ما تزال حربا "قذرة ومرعبة"، تُنتج أعدادا هائلة من القتلى والجرحى وتعيد البشرية إلى أشكال من الدمار كان يُعتقد أنها أصبحت جزءا من الماضي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة