الفارق الزمني بين إعلان حركة فتح في مؤتمرها الثامن، انتخاب السيد محمود عباس بالإجماع رئيسا لها، وقرار حركة حماس الذهاب إلى جولة ثانية لانتخاب رئيس لمكتبها السياسي، لا يتعدى الساعات الثماني والأربعين بحسابات الوقت.. بيد أن لحسابات السياسة والتنظيم، قولا آخر.
انتخاب هنا، معروفة نتائجه سلفا، أقرب لمفهوم البيعة والولاء منه إلى معنى الانتخاب ومضامينه.. وانتخاب هناك، على المقلب الآخر، يأخذ طابع التنافس الحاد، الذي يملي اللجوء إلى جولة إعادة، بعد أن تعذر الحسم من الجولة الأولى، والأرجح أن ارتفاع حرارة التنافس، عائد- ربما- لاختلاف القراءات والتوجهات، وإن كان محملا بالطبع، بالحسابات والطموحات الشخصية كذلك.
فتح المستقرة والآمنة في ملاذها "الانتقالي" في رام الله والضفة، لا تعقد مؤتمراتها بانتظام، بينما حماس، الملاحقة والمطاردة، تميل لعقد مؤتمراتها، وتجديد قياداتها بانتظام، والاستثناء هنا، كما في قرار تأجيل مؤتمرها الأخير، يؤكد القاعدة، بدل أن ينفيها.
"ذات مرحلة"، وعندما كانت فتح قاطرة كبرى تجر وراءها حركة التحرر الوطني الفلسطينية بمختلف مشاربها، وفي معظم الأحيان، بمختلف فصائلها، كانت قيادة فتح تتجدد بالشهادة غالبا وبـ"التشبيب" أحيانا، حتى إن زعيمها ومؤسسها قضى في محبسه في المقاطعة "شهيدا.. شهيدا.. شهيدا"، ومنذ ذلك اليوم، لم تعرف الحركة رئيسا لها سوى محمود عباس، ثاني اثنين شغلا هذا الموقع على امتداد ستة عقود أو أزيد قليلا.
حماس، وإن جاءت متأخرة عقدين من الزمان على انطلاق أول الرصاص، إلا أنها تولت حمل رايات الشهادة، وكان لرصاص الاغتيال وعبواته وصواريخه، دور حاسم في القضاء على جيلين من قياداتها، ومن بقي منهم على قيد الحياة، خضع بسلاسة لمفاعيل قانون "تبادل القيادة" داخل التنظيم، وعبر صناديق الاقتراع، من دون أن تشهد اندلاع "حروب أهلية صغيرة"، كما في فصائل وأحزاب عدة على الساحتين العربية والإسلامية.
وفي تعبير واضح عن حيوية تنظيمية ومرونة هيكلية منقطعة النظير، تجلت فصولها على نحو خاص، في حرب الأعوام الثلاثة على غزة وفلسطين: حرب التطهير والإبادة والاغتيالات المنهجية المنظمة التي لم تضع أوزارها بعد.
أذكر ذات لقاء أعقب هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول مع قيادة حماس في الدوحة، أن ثلاثة من رؤساء المكتب السياسي للحركة، كانوا في عداد المجتمعين في مقر الراحل إسماعيل هنية، منهم اثنان، حالي (في حينها) وسابق وأسبق.. مثل هذا المشهد، لم نعتد عليه، نحن أبناء تجربة في القيادة والزعامة، تمتد من "المهد إلى اللحد".
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإنني أدعو الباحثين للوقوف أمام تميز تجارب الإسلاميين في العالم العربي في هذا المجال، فالظاهرة ليست محصورة بحماس وحدها، بل تمتد إلى كثرة من الفصائل الإسلامية، وتكاد تمتنع عن فصائل تصف نفسها بالديمقراطية دونما حاجة للبرهنة على ذلك.
نهاية مطاف وبداية آخر
قيل وكتب الكثير عن مؤتمر فتح الثامن، إن لجهة جرعته السياسية "قليلة الدسم"، أو لجهة اعتباره خطوة على مسار التماهي بالسلطة القائمة في رام الله، وقيل وكتب أكثر من ذلك، لجهة النظر إلى نتائجه ارتباطا بملف "الخلافة"، وبوصفها توطئة لـ"مرحلة ما بعد عباس"، الرجل الذي يدخل مع المؤتمر عقده العاشر.
وسالت أحبار كثيرة في وصف "هندسة الانتخابات" والعمليات التحضرية التي سبقت المؤتمر ورافقته، وتوقف مراقبون كثر، عند تأخير إعلان نتائج فرز وعد 2500 صوت فقط، وما إذا كانت تستلزم كل هذا الوقت، قبل أن تظهر بصورتها النهائية والرسمية، أم إن وراء الأكمة ما وراءها، لا سيما بعد تصريحات قدورة فارس المشككة بنتائج العد والفرز.
لكن ما يستوقفنا بشكل خاص، أن المؤتمر لم يجر أي مراجعات نقدية شاملة، جدية وجذرية، لتجربة تتعثر وتبلغ طريقا مسدودا، كان من أهم محطاتها التوقيع على اتفاق أوسلو، وما أعقب ذلك من تحولات وتطورات، أفضت إلى تآكل سلطة الحكم الذاتي المحدود بدل أن تكون نواة دولة مستقلة وسيدة.
لكن كما اتضح، فإن قيادة الحركة، آثرت الاكتفاء بـ"السخرية" من طوفان الأقصى، متجاهلة طوفان الاستيطان الذي يسرق الأرض من تحت أقدامها (بما في ذلك مناطق أ و ب)، ويشتت شعبها ويقتل أبناءها ويشرد عشرات الألوف من أهل الضفة، إلى جانب الكارثة المحدقة بغزة وأهلها.
كنا نود التعرف على رؤية قيادة الشعب، لمستقبله وكيفية الحفاظ على مشروعه الوطني، في لحظة تاريخية غير مسبوقة في صراع المئة عام مع الغزوة الصهيونية المدعومة من إمبرياليات عالمية طاغية ومهيمنة.
كنا نود أن نقرأ "نقدا ذاتيا" أو -على أقل تقدير- تفسيرا مقنعا واحدا، للفجوة الهائلة التي تباعد ما بين السلطة وقيادتها من جهة، والرأي العام الفلسطيني من جهة ثانية، بدلالة كل استطلاع جرى نشره منذ سنوات طوال، ومن دون استثناء.
كنا نود أن يتساءل أحد المجتمعين في "مراكز المؤتمر الأربعة"، عن مغزى المفارقة في انتخاب بالإجماع، لرئيس لم تتخط شعبيته منذ سنوات حاجز 10%، فهل صارت فتح في واد، وشعبها في واد آخر؟
وكيف يمكن تفسير هذا الإجماع الفتحاوي على شخص الرئيس وقيادته، في الوقت الذي يذهب فيه الإجماع الشعبي في اتجاه آخر؟.. لا أحد يكترث لهذه الأسئلة، فقد كنا أمام "مهرجان بيعة وولاء" وبحث لا يتعب عن اقتسام كعكعة ما تبقى من السلطة، وما تبقى من الثروة.
لقد راهن شرفاء فتح والشعب الفلسطيني، على أن يكون المؤتمر بداية مطاف، ولحظة استنهاض لفتح والحركة الوطنية والشعب الفلسطيني من ورائهما، لكن يبدو أن نتائج المؤتمر، خيبت رهانات هؤلاء، ودفعت بعضهم للقول: "هنا ترقد الحركة التي كنا نعرف".
لقد نجح المؤتمرون في مؤتمرهم الثامن، في تجديد نصف لجنتهم المركزية، وهذه نسبة محرمة جدا في ظروف العمل الحزبي والتنظيمي الطبيعية.
لكن ما يقلقنا وأقلق غيرنا، أن هذا التجديد جاء من "القماشة ذاتها"، وكحصيلة لهندسة انتخابية دقيقة، غاب السياسيون والمفكرون عن الموقع القيادي الأول، وحل الأمنيون، القدامى والجدد، وكل من هم موضع ثقة وولاء شخصي، وربما، يمكن اللجوء إليهم حين تشتد الحاجة لهم، في لعبة "الخلافة" "والوراثة".
غاب "الخارج" والشتات، وبقي بعض الداخل، لكأن فتح دخلت في لعبة اختزال الشعب الفلسطيني إلى "شعب" الضفة وغزة، واختصار الأرض الفلسطينية بما تبقى منهما.
الابنة التي ولدت والديها
ذهبت فتح في مؤتمر "الصبر" الثامن، بعيدا في مشوار التكيف مع مخرجات وإكراهات الحل المفروض على الفلسطينيين أمريكيا وإسرائيليا.
قلما تجد من بين أعضاء المؤتمر، وبالأخص من تم اختيارهم لقيادة الحركة، من هم خارج السلطة ومؤسساتها، وفي مواقع قيادية رفيعة مسؤولة عن السياسات والخيارات الكبرى و"التنسيق الأمني المقدس"، حتى بات ممكنا القول اليوم؛ إن السلطة ابتلعت فتح بشهادة المؤتمر ووقائعه ومخرجاته وعضويته، تماما مثلما كانت قد ابتلعت منظمة التحرير الفلسطينية، وأحالتها إلى ملحق ثانوي بدوائرها، لا يستحضر إلا عندما تمس الحاجة لـ"خاتم الممثل الشرعي الوحيد"، لكأننا بخلاف الطبيعة وبالضد من نواميسها.
فالابنة هنا هي من أنجبت والديها، وهي تعيد تشكيلهما على صورتها وشاكلتها، بوصفها كيانا وظيفيا، في خدمة الاحتلال، يرفع الكلف الباهظة عن كاهله، مع الوهم بمسار السياسة والتفاوض و"حل الدولتين"، إلى بقية مفردات المعزوفة الممجوجة ذاتها.
فتح هي من أنشأت السلطة، بخلاف جنرالات عرب وصلوا للحكم على ظهور دباباتهم، ليعودوا بعد أن "استووا على العرش"، إلى تشكيل ديكورات أحزاب لتغطية عوراتهم، وتجميل صورهم القبيحة.
لكن من أسف، يندر أن تجد، حتى في تجربة الأحزاب المصنعة على مقاس الجنرالات، تماهيا بين الحزب الحاكم وسلطته، كما هو الحال بين الحزب الحاكم الفلسطيني وسلطته التي لا سلطة لها.
يفسر ذلك، جزئيا على الأقل، كيف تمكن قادة أمنيون وسياسيون في مواقع متقدمة في السلطة، من تصدر قائمة الفائزين في مؤتمر فتح الثامن، فالسلطة لها أنياب ومخالب، ولديها الكثير من الجزر والأعطيات في المقابل، والتنافس بين غير متساويين، تصبح نتيجته محسومة سلفا، وتصبح معه استخدامات الترغيب والترهيب و"المال السياسي" أمرا مقررا، دع عنك نظام "الكولسات" الذي ميز العمل السياسي الفلسطيني أكثر من غيره.
التوريث بعد التمديد والتجديد
هو ثالوث غير مقدس، ميز الحياة السياسية العربية طيلة عقود ما قبل عشرية الربيع العربي، وما زال يطل برأسه البشع، حتى في الدول التي شهدت ثورات وانقلابات حادة في المشهد الوطني.. كنا نظن أن الساحة الفلسطينية محصنة من تأثيراته ومفاعليه، وإذا بنا مخطئون.
لقد استأثرت الحملة الانتخابية لنجل الرئيس محمود عباس وترتيبات ترشيحه عن إقليمي سوريا ولبنان، وهبوطه بـ"البراشوت" على قيادة فتح، باهتمام سياسي وإعلامي استثنائي، كاد أن يغطي على بقية مخرجات المؤتمر.
إذ كان واضحا منذ عدة سنوات، أن الرئيس بصدد إعداد نجله- رجل الأعمال، الذي لم يعرف في ميادين السياسة والتنظيم والنضال- لأدوار سياسية لاحقة، لا نعرف حتى الآن، ما هي حدودها وسقوفها، وما إذا كان سينجح في تحقيق مراده أم لا؟
لكن ما حصل في المؤتمر الثامن، أن عباس الابن، اجتاز عتبة مهمة على هذا الطريق، ويتعين أن ننتظر كيف سيصعد بقية سلالم السلطة والمنظمة، لا سيما أن ثمة "شواغر" قد تفتحها إخفاقات بعض القيادات "التاريخية" التي سقطت سهوا، أو أسقطت عمدا؛ لتعبيد طريق الوراثة والخلافة.
الرئيس عباس، هو الرئيس "الشرعي" لفتح والسلطة والمنظمة والقائد العام، ولا ندري أي مناصب أخرى يتولاها، رغم أن الانتخابات معطلة في فتح منذ عشر سنوات، وفي السلطة منذ عشرين عاما، وفي المنظمة لا انتخابات ولا من ينتخبون.. رئاسة بالتمديد والتجديد، بمراسيم رئاسية، ومن دون حاجة حتى لإجراءات شكلية، من النوع الذي شهدنا مع افتتاح المؤتمر الأخير: إجماع وبيعة وحفلة تصفيق حار وقوفا.
هذا لا يليق بشعب "الجبارين" ولا بكفاحه الموصول وتضحياته الجسام، هذا لا يليق بفتح والمنظمة، ولا حتى بالسلطة الهزيلة، فهل كتب على الشعب الفلسطيني أن يختبر هذا الثالوث بكل أضلاعه؟
ألا يتعظ "القوم" بالنتائج الوخيمة لمفاعيل هذا الثالوث، في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها، وقديما قيل: العاقل من اتعظ بتجربة غيره، أما المجنون فهو من لا يتعظ إلا بتجربته ويجعل من نفسه حقل تجارب.. فهل غادرنا مربع العقل لنستقر في مربع الجنون؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة