في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بدت جزيرة توتي في قلب العاصمة السودانية الخرطوم، وكأنها تفتح ذراعيها لأبنائها العائدين من المنافي القسرية، في مشهد اختلطت فيه الدموع بالابتسامات، والحنين بمرارة الفقد، لتتحول العودة إلى لحظة انتصار صغيرة في وجه الخراب.
فعلى الجسر المؤدي إلى الجزيرة، لم يكن الطريق مجرد معبر جغرافي، بل بوابة لعبور المشاعر الثقيلة التي تراكمت خلال سنوات النزوح. هناك، وكما رصد تقرير أعده مراسل الجزيرة الطاهر المرضي من الخرطوم، وقف العائدون يتنفسون هواء المكان الذي حرموا منه طويلا، ويبحثون في الوجوه عن ملامح الأهل والأصدقاء الذين فرقتهم الحرب.
أحد العائدين وصف اللحظة بصوت اختنق بالتأثر قائلا إنهم حين وصلوا إلى الجسر لم يكونوا قادرين حتى على الكلام أو التقاط أنفاسهم، مضيفا أنهم استنشقوا هواء توتي ومياهها والتقوا أهلها الذين وجدوهم بخير بعد غياب امتد لسنوات.
وفي الجزيرة التي تحولت خلال الحرب إلى مساحة للغياب والخوف، صار كل عناق يحمل حكاية نجاة، وكل دمعة تختزن وجع سنوات النزوح. فالعائدون لا يرجعون فقط إلى بيوت تركوها خلفهم، بل يعودون لاستعادة جزء من حياتهم التي سلبتها الحرب.
مواطن آخر عاد إلى توتي بعد غياب طويل قال إنه عاجز عن وصف شعوره، وإنه يريد احتضان الجميع والجلوس معهم بعدما أبعدته الحرب عنهم ثلاث سنوات كاملة.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 15 ألف شخص عادوا بالفعل إلى الجزيرة، من أصل 38 ألفا اضطروا لمغادرتها قسرا مع اشتداد المعارك. وبين هؤلاء كانت سوسن، التي عادت إلى منزلها للمرة الأولى منذ نزوحها، تفتح الأبواب ببطء، وتلامس الجدران كما لو أنها تستعيد عمرا ضائعا.
سوسن قالت وهي تحاول حبس دموعها إنها لم تتخيل يوما أنها ستعود إلى بيتها مجددا، مضيفة أن أكثر ما يخفف عنها ألم السنوات الماضية هو أنها عادت سالمة ووجدت إخوتها بخير.
وتحمل جزيرة توتي رمزية خاصة في قلب العاصمة السودانية، فهي تقع عند ملتقى النيلين الأزرق والأبيض، وتتوسط الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان، حتى باتت توصف بأنها "عاصمة العاصمة". ولهذا تبدو عودتها إلى الحياة صورة مصغرة لمحاولات الخرطوم بأكملها النهوض من تحت الركام.
وفي شوارع العاصمة المنهكة، بدأت ملامح الحياة تعود تدريجيا؛ أسواق استعادت ازدحامها، وورش تعمل على ترميم ما دمرته الحرب، بينما تواصل الجهات الحكومية جهودها لإعادة الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية.
وأكد والي ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة أن معدلات العودة فاقت التوقعات، مشيرا إلى أن الأوضاع الأمنية تحسنت بشكل كبير، وأن الخدمات الأساسية والأسواق وحركة المواصلات بدأت تعود تدريجيا إلى طبيعتها.
لكن أكثر المشاهد تأثيرا لم يكن في المباني التي يجري ترميمها، بل في الأطفال الذين عادوا للعب بين آثار الرصاص والخراب. فهؤلاء الصغار، الذين كبروا على أصوات القذائف والطائرات المسيّرة، يحاولون اليوم انتزاع حقهم في الفرح، لتعلو ضحكاتهم فوق صدى الحرب.
وفي الخرطوم التي ما تزال تحمل آثار المعارك في كل زاوية، يبدو الناس وكأنهم قرروا ألا ينتظروا اكتمال التعافي كي يعيشوا، بل أن يبدأوا الحياة من جديد، ولو وسط النقص والخسارات والذكريات الثقيلة. هنا، على أنقاض الموت، يكتب السودانيون فصلا جديدا عنوانه: العودة رغم كل شيء.
المصدر:
الجزيرة