أصبحت رحلة الحج هذا العام تتطلب جهادا من نوع آخر؛ جهادا لتأمين كلفة باتت تفوق قدرة الكثيرين بعد أن تغيرت الأرقام بشكل صادم، فبعد أن كانت كلفة الحج في سنوات مضت تقارب 1500 دولار، قفزت هذا العام لتتجاوز عتبة 5000 دولار، وجاء هذا الارتفاع الجنوني نتيجة للانهيار المستمر للعملة المحلية، وموجة الغلاء العالمي والمحلي، وكذلك تداعيات الحرب الدائرة في لبنان والمنطقة، والتي فرضت أعباء إضافية على حركة السفر والخدمات.
وبحسب مصطفى عدنان، وهو صاحب إحدى حملات الحج، فإن الفارق الشاسع في تكاليف الحج يعود إلى الغلاء العام واختلاف مستويات البرامج المقدمة، مؤكدا أن "لكل برنامج سعره وخدماته"، لكنه يقر في الوقت نفسه بأن التكلفة هذا العام باتت تشكل عبئا حقيقيا مقارنة بالماضي.
وقد انعكس هذا الواقع المالي المعقد بشكل مباشر على أعداد المتوجهين إلى الديار المقدسة، إذ يشير المختار محمد البعاصيري إلى تراجع أعداد الحجاج مقارنة بالعام الماضي، ويعزو هذا التراجع إلى "الوضع الاقتصادي الخانق والمخاوف الأمنية الناتجة عن الحرب"، وهي ظروف أجبرت عائلات كثيرة على إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية وتأجيل حلم الحج.
وفي السياق ذاته، يختصر المواطن محمد بديع لسان حال شريحة واسعة من اللبنانيين بقوله إن الأسعار الحالية جعلت أداء المناسك أمرا بعيد المنال في الوقت الراهن، مستدركا بأسى "لكنها تبقى الفريضة التي يتمناها كل مؤمن ويسعى إليها مهما طال الزمن".
"إذا كانت تكاليف السياحة والترفيه قد ارتفعت بشكل جنوني، فلماذا نستكثر الإنفاق على الحج؟"، بهذا التساؤل العفوي والمفعم بالإيمان، تختزل الحاجة ماريا الجعفيل مشاعر تفوق لغة الحسابات المادية، تؤكد ماريا أنها اختارت ألا تفكر في الأرقام، بل في لحظة الوصول الشريفة التي انتظرتها لسنوات طويلة، معتبرة أن هذه الرحلة الروحية لا يمكن أن تقاس بالمال.
تشاركها الرأي ريما الرشيدي، التي تحمل في قلبها أمنية بسيطة تختصر مشهد الشوق اللبناني؛ إذ تتمنى أن تكون قريبا بين "ضيوف الرحمن"، مؤكدة أن التجربة -رغم كلفتها الباهظة وصعوبة تأمينها- تظل استثمارا روحيا لا يقدر بثمن، وتستحق فعلا لقب "رحلة العمر".
المصدر:
الجزيرة