بعد مرور ما يقرب من ثلاثة أشهر على شن حرب قامت على افتراضات مضللة وتوقعات غير واقعية، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وكبار القادة الأمريكيين أنفسهم في مواجهة سلسلة من الخيارات الصعبة التي لن تتحسن مع استمرار حالة الجمود.
وفي وقت سابق من الأسبوع الماضي، اعترف ترمب على مضض بأن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، والذي كان قائما إلى حد كبير بالاسم فقط، بات الآن على "أجهزة الإنعاش".
ويرفض النظام الإيراني بعناد التراجع عن سلسلة من القضايا التي يعدها خطوطا حمراء، والتي يسعى البيت الأبيض إلى تسويتها بموجب اتفاق شامل واحد.
وبناء على ذلك، يتعين على ترمب أن يقرر قريبا ما إذا كان سيستأنف حملة عسكرية، ربما مع إشراك قوات برية أمريكية، رغم المخاطر العالية، وحالة عدم اليقين المرتبطة بمثل هذا الخيار.
وعلى الرغم من المخاطر الجسيمة، يبدو أن قيادة البنتاغون- ولا سيما كبار القادة- منشغلون بمشتتات ذات دوافع سياسية وتصفية حسابات داخلية، التي باتت مادة ثابتة في العناوين الإخبارية.
إن استمرار هذا الوضع خلال زمن الحرب لن يؤدي إلا إلى تعميق المخاوف بشأن التركيز الإستراتيجي، كما يقوض مصداقية التهديدات الرئاسية المتكررة باستئناف العمليات العسكرية وقدرتها الردعية، في ظل غياب المرونة السياسية من جانب طهران.
كما أن الانطباع بغياب التركيز لدى كبار قادة الدفاع الأمريكيين يبعث برسالة مربكة إلى الحلفاء والشركاء الإقليميين الذين يتطلعون إلى سياسة واضحة ومتسقة من واشنطن.
وأخيرا، عندما وُضع كبار مسؤولي وزارة الحرب تحت ضغط، واجهوا صعوبة في تقديم أدلة موثوقة على إحراز تقدم نحو تحقيق نتائج إستراتيجية شاملة في الحرب على إيران.
ولا تستطيع الولايات المتحدة تحسين فرصها في التوصل إلى تسوية مرضية للحرب على إيران دون تغيير ملموس في الذهنية والخطاب.
ومنذ المصادقة على تعيينه من قبل الكونغرس، أقال وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث عددا من كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين في الوزارة بموجب ذرائع مثيرة للشكوك.
وشملت الدفعة الأولى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال تشارلز براون، ورئيسة العمليات البحرية الأدميرال ليزا فرانشيتي، وقد ارتفع هذا العدد الآن إلى ما لا يقل عن 24 جنرالا وأدميرالا.
ومع بقاء الحرب على إيران بعيدة كل البعد عن التسوية في الآونة الأخيرة، واصل هيغسيث هذا النهج على نحو يثير الاستغراب. ففي 2 أبريل/ نيسان الماضي، أقال بشكل مفاجئ رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، رغم التقارير التي أشارت إلى دراسة احتمال تنفيذ عملية برية أمريكية داخل إيران.
وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، أقال هيغسيث وزير البحرية جون فيلان، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تسعى إلى فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية.
وكما هو الحال مع جميع الإقالات رفيعة المستوى في عهد هيغسيث، لم تُقدَّم أي مبررات مرتبطة بالأداء، فيما تشير التكهنات الواسعة إلى دوافع سياسية. وفي زمن الحرب تتضاعف المخاطر وتزداد أهمية الإشارات السياسية.
وفي ظل هذه الظروف، فإن الخلاصة الواضحة لكل من الصديق والعدو هي أن هذه الإدارة مستعدة لتعريض فرص النصر للخطر من أجل تصفية حسابات شخصية.
وبالإضافة إلى حملة التطهير التي استهدفت كبار المسؤولين داخل وزارته، انخرط هيغسيث أيضا في سجالات صدامية مع عدد من الجهات الخارجية.
فبعد وقت قصير من توليه منصبه، طُرد الصحفيون المخضرمون المعتمدون لدى البنتاغون من مكاتبهم، لصالح مراسلين أكثر تجاوبا ينتمون إلى مؤسسات مقربة سياسيا، وإن كانت أقل شهرة.
ورغم ذلك، أبدى هيغسيث انزعاجه بشدة في أكثر من مناسبة من الأسئلة المتعلقة بالحرب على إيران، حتى تلك التي طرحها هؤلاء الصحفيون "المهادنون".
كما شنّ هجوما على عدد من المشرعين الديمقراطيين الذين شاركوا في مقطع مصور يذكّر مسؤولي الدفاع والاستخبارات الأمريكية بأن رفض تنفيذ الأوامر غير القانونية أمر مشروع.
وهذا المبدأ، المنصوص عليه بوضوح في القانون والذي يُدرس على نطاق واسع في الأكاديميات العسكرية الأمريكية، تطور إلى دعوى قضائية واهية ضد السيناتور مارك كيلي وسرعان ما أسقطتها المحكمة.
وبدلا من تجاوز هذه المحاولة الفاشلة، عاد هيغسيث لاستهداف السيناتور كيلي، وهذه المرة باتهامه بتسريب معلومات سرية، على خلفية تعبيره عن قلقه بشأن توفر الذخائر الحيوية مع تطاول أمد الحرب على إيران.
وسرعان ما سقطت هذه الاتهامات مجددا، بعدما ذكّر السيناتور كيلي الوزير هيغسيث بأنه كان يقتبس ببساطة تصريحا أدلى به هيغسيث نفسه في شهادته أمام الكونغرس قبل أيام قليلة.
ولم تُسهم الشهادة الأخيرة للوزير هيغسيث، التي أدلى بها في 12 مايو/أيار الجاري أمام الكونغرس، إلا بقدر محدود في تهدئة المخاوف بشأن تركيز البنتاغون وأولوياته في السعي إلى تسوية مناسبة للحرب على إيران.
وعندما سُئل عن خطته لإعادة فتح مضيق هرمز، اتخذ نهجا تصادميا، واتهم السائل بالمراوغة دون تقديم أي تفاصيل. كما أصر هيغسيث، رغم التقارير الموثوقة الأخيرة التي تفيد بعكس ذلك، على أن الجيش الأمريكي لا يزال يحتفظ بمخزون وافر من الذخائر، وأن هذه المسألة "جرى تضخيمها بشكل أحمق وغير مفيد".
وبعيدا عن الحرب نفسها، يطلب البنتاغون الآن زيادة في الميزانية بنحو 500 مليار دولار (نصف تريليون دولار). لكن عند الضغط عليه لتبرير هذه الزيادة خلال جلسة الاستماع، ولا سيما في غياب خطة إنفاق مفصلة، لم يقدم هيغسيث تبريرا مقنعا، واكتفى بالقول إن الشرق الأوسط "منطقة ديناميكية بها العديد من العوامل الديناميكية".
وبحسب جميع المؤشرات، لم تسر عملية "الغضب الملحمي" وفقا للخطة، وتسعى إدارة ترمب بشكل يائس إلى التوصل إلى تسوية تسمح لها بإعلان النصر، أو على الأقل النجاح، مع حفظ ماء وجهها. بيد أن تحقيق ذلك يصبح أكثر صعوبة بمراحل إذا بدت قيادة البنتاغون مشتتة أو متجاهلة للحقائق الواضحة.
إن الخلافات الدورية حول نقاط معينة في السياسة أمر متوقع، لا سيما في زمن الحرب. لكن عندما يختار الوزير هيغسيث الدخول في سجالات مع أي شخص يتحدى رؤيته- سواء كانوا من مؤيديه السياسيين أو خصومه- ويُظهر استعدادا لإقالة قادة بارزين بشكل فجّ دون اكتراث يُذكر بتأثير ذلك على العمليات العسكرية، فإنه لا يعكس صورة قوة.
بل على العكس، يقدّم الوزير صورة توحي باهتزاز الثقة وسرعة الانفعال، وهي صورة أخفقت حتى الآن في بناء توافق بين الحلفاء والشركاء، كما أنها تضعف مصداقية أي تهديدات باستئناف العمليات العسكرية إذا ما استمرت طهران في تعنتها.
ومع تزايد خطورة التداعيات الاقتصادية العالمية الناجمة عن الإغلاق المطول لمضيق هرمز يوما بعد يوم، تصبح الخيارات العسكرية المتاحة لإدارة ترمب أكثر محدودية، بينما ترتفع للأسف احتمالات القبول بتسوية سياسية غير مرضية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة