آخر الأخبار

سمكة بثلاثة أديان ورصاصة في وجه الموج.. البحر فلسطيني أيضا

شارك

نابلس- في ليلة من ليالي قرية "طيرة اللوز" (طيرة الكرمل) جنوب مدينة حيفا قبل النكبة، جلس ثلاثة شبان من البلدة على شاطئ المتوسط يحتسون "العرَق"، هاج البحر تلك الليلة، فاستفزّتهم حركة الموج، فنهروه أن يهدأ، فلمّا تواصل صخبه، أشهروا "طبنجاتهم" (مسدساتهم) وأطلقوا الرصاص في وجهه.

حكاية يرويها الفلسطيني جمال أبو غيدة (60 عاماً) عن جده وأبيه اللاجئَيْن من القرية، عام 1948، وظلت ملازمة لسمعة أهل الطيرة في الشتات، يُعرَّفون بها كلما لقوا فلسطينيين من قرى أخرى: "أنتم الذين أطلقتم النار على البحر".

تبدو القصة طريفة وعابرة، لكنها تكشف عن طبقة كاملة من العلاقة الفلسطينية بالماء قبل عام 1948.

عادةً تُروى النكبة عبر مفردات الجبل، الكوفية، الفِلاحة، الزيتون، المقام، الصبار، لكن خلف هذا الخطاب البصري المتراكم، ثمة "نصف آخر" من فلسطين يكاد يكون مغيباً تماماً: فلسطين البحر والنهر والبحيرة، فلسطين الصيادين وزارعي الأرز، وأصحاب الطواحين على ضفاف الأنهار، هذا ما يسميه الباحث في التاريخ الاجتماعي الفلسطيني علي حبيب الله "جفاف شرايين الماء في الذاكرة".

مصدر الصورة لم تكن بحار وأنهار وبحيرات فلسطين مجرد معطى جغرافي بل مكوناً اجتماعياً وثقافياً وتاريخياً قبل النكبة (الجزيرة)

البيئات المائية نسيج الحياة

يقول حبيب الله للجزيرة نت: "أقصد بـشرايين الماء البيئات المائية النهرية والبحرية في فلسطين، في الساحل وفي الداخل، هذه البيئة لم تكن مجرد معطى إيكولوجي وجغرافي، بل كانت مكوناً اجتماعياً وسوسيولوجياً وثقافياً وتربوياً وتاريخياً موجوداً هناك".

نهر الأردن، نهر العوجا في يافا، نهر المقطع، نهر النعامين، نهر الزرقاء، عيون القرى الصغيرة… شرايين كانت "تنحر بطن الساحل باتجاه البحر" وتشكل، في الوقت نفسه، نسيج الحياة اليومية لقرى لا تكاد تُذكر اليوم.

في قراءته للتاريخ الاجتماعي للمكان، يرى الباحث أن النكبة لم تكن مجرد هدم للمباني، بل ضربت "أركيولوجيا المعنى" في أدق تفاصيل الحياة اليومية التي ربطت الفلسطيني بالماء.

إعلان

ويستحضر كيف كانت سمكة "البربوت" في بحيرة طبريا تختزل تعايش الأديان بأسماء ثلاثة: (البلطي للمسلمين، ومار بطرس للمسيحيين، وموسى لليهود الطبرانيين الأصليين)، في لغة يومية عفوية قبل الاقتلاع.

ويشير إلى طقوس قرية الزيب الساحلية حيث كان البحر شريكاً في الفرح عبر طقس "البُقبق"، حين يُسكب أول قِدرِ أرزٍ في العرس داخل الموج لإطعام السمك؛ في نوع من "العيش والملح" الرمزي بين الإنسان والماء.

كما يصف حبيب الله مشهداً غائباً لصناعة شباك الصيد يدوياً من شعر الخيل تحت ظلال أشجار "الزنزلكت"، في ممارسة تقنية معقدة ربطت بين نبات الأرض وكائنات البحر، قبل أن يمزق التهجير خيوط تلك الشباك ويجفف حكاياها.

مصدر الصورة حبيب الله: حتى عندما اقترب الفلسطيني قبل النكبة من الحرب ظلّ فلاحاً ولم يتحول إلى ملاح (الجزيرة)

"بحر الألوهيات"

يقول حبيب الله إن البحر المتوسط في الوعي الفلسطيني التاريخي ظل، حتى عام 1948، يُدرك بوصفه "بحر الألوهيات"؛ مكاناً ميتافيزيقياً مجهولاً يخاف منه الإنسان قبل أن يفهمه فهماً علمياً.

ويوضح "بنى الفلسطيني شكلاً من العلاقة مع البحر يدل على هذا الإرباك والخوف حتى لما اقترب منه، ظل فلاحاً فيه، لم يتحول إلى ملاح".

ويضيف أن هذه العلاقة "الفلاحية" بالبحر أنتجت إرثاً من التمائم والأهازيج التي تعكس توتر الإنسان الفلسطيني مع هذا "المجهول"، تماماً كما تعكسها قصص من قبيل "قوصة البحر" في الطيرة.

شهادة جمال أبو غيدة تتقاطع مع هذا التوصيف من زاوية مختلفة، ورغم أن طيرة الكرمل قرية سهلية لا تبعد عن حيفا سوى كيلومترات قليلة، فإن كثيراً من أبناء القرى المحيطة بحيفا "لم يترددوا كثيراً على البحر" لانشغالهم بالأرض والفلاحة، وفق ما يقول.

لكن المطبخ البحري كان يصل إلى الطيرة، ويستعيد أبو غيدة ذاكرة والدته: "كانت الصياديّة (طبق سمك بأرز ملوّن) دائماً موجودة عندنا في البيت، أما السلطان إبراهيم فكان نادراً في الأردن، وكان أهلنا وأصحابنا من سائقي الشاحنات يجلبونه من الخليج، لأن جدي وجدتي كانا يتذكرانه من حيفا ويشتهيانه".

علاقة مائدة وذاكرة لسانية

علاقةٌ لم تكن علاقة بحّارة مع البحر، ولا علاقة سياحة، بل علاقة مائدة وذاكرة لسانية، ويتطرق أبو غيدة إلى أهزوجة شهيرة لا يزال يرددها أهالي الطيرة تقول: "قرقع بابور الطيرة.. قرقع سمعت زعيقه من قاع الواد".

ويوضح أبو غيدة -للجزيرة نت- أن مصطلح "البابور" في الثقافة الفلسطينية يحمل دلالات متعددة؛ لكنه يرجح أنها تشير إلى مطحنة القمح الكبيرة، أو حتى السفن والقوارب.

وبناءً على سياق الأغنية وموقع القرية، يرجح أن المقصود هو إما هدير مطاحن القمح التي كانت تعج بها المنطقة، أو زمامير السفن التي كان يُسمع صداها من الوديان المحيطة، مما يربط هوية القرية بالبيئة المائية والبحر.

مصدر الصورة حبيب الله: تجفيف بحيرة الحولة لم يكن مجرد عملية هندسية بيئية، بل كان اقتلاعاً لنمط حياة بأكمله (مواقع التواصل)

"حُرمة النهر"

إذا كان البحر "ألوهية" مخيفة، فإن النهر في فلسطين كان شأناً مغايراً تماماً؛ كان نظاماً اجتماعياً قائماً بذاته.

يشرح حبيب الله أن سكان ضفاف الأنهار -من نهر الأردن إلى العوجا في يافا، مروراً بالمقطّع والنعامين والزرقاء- كانوا يلتزمون بعرفٍ غير مكتوب، أطلقوا عليه "حُرمة النهر".

إعلان

ويقول "كان مفهوماً تعاقدياً متعارفاً عليه بين سكان المنطقة المحيطة بالنهر، يحدد كيفية التعامل معه ومع مائه، ولذلك اعتُبر تدخل الاستعمار في مجرى الماء، سواء لسحبه أو لتحويله، انتهاكاً مزدوجاً للنهر ولمصدر معيشة موصول به".

ولشرح هذا "العُرف"، يستحضر الباحث قصة رحالة ألماني قرر جوب نهر الأردن بقارب من نقطة تشكله في سهل الحولة، فاختطفه "غوارنة الحولة" (سكان محليون) في منطقة الخالصة ولم يُفرَج عنه إلا بوساطة من بكوات (عائلات نافذة) جنوب لبنان. وحين سُئلوا لاحقاً عن سبب فعلهم، كان جوابهم "أنتَ انتهكتَ حُرمة النهر".

ويلفت إلى أن مشاريع سحب مياه نهر العوجا إلى القدس، ومياه نهر الأردن إلى مستوطنات بيسان، شكلت بداية الاحتكاك الواسع بين المجتمع الفلسطيني الزراعي ومشروع السيطرة الاستعمارية على المياه.

كانت من أولى ضحايا هذا التدخل طواحين القمح المسماة "البابور"، التي كانت تشتغل بقوة دفع الماء قبل أن يدخل البخار، ومنها قرية "الجريشة" قضاء يافا التي حملت اسمها من جرش القمح، وصارت لاحقاً منطقة استجمام لأهل يافا في الربيع.

مصدر الصورة يرى حبيب الله أن الماء ما يزال مغيباً من ذاكرة الفلسطينيين (الجزيرة)

أرز فلسطيني

في الحولة، التي سيُعاد تصنيفها لاحقاً في الخطاب الاستعماري بوصفها "مستنقعاً" يجب تجفيفه، كانت تنبت "شجرة البابير" -نبتة شبيهة بالقصب يُصنع منها الحصير-، ويُربَّى الجاموس على ضفاف برك المياه كما يُربَّى على ضفاف النيل، وتُمارَس مهنة صيد السمك، وتُزرع حقول الأرز.

ويقول حبيب الله إن السردية الحديثة التي تجعل من الأرز محصولاً مستورداً إلى فلسطين من مصر "هيمنت وغيبت السرديةَ الأصيلة لزراعة الأرز التاريخية في فلسطين، التي يتحدث عنها حتى الرحالة المسلمون منذ أيام الحروب الصليبية، أي زراعته في منطقة بيسان والحولة، كل شهرة "رز بانياس" في الأدبيات العربية الإسلامية، يُقصد بها رز الحولة، رز نهر الأردن".

ويرى أن تجفيف الحولة لاحقاً لم يكن مجرد عملية هندسية بيئية، بل كان "اقتلاعاً لنمط حياة بأكمله" ارتبطت فيه القرية بالماء "كما ترتبط الشجرة بجذعها".

الجبل يبتلع البحر

السؤال الذي يطرحه حبيب الله هو لماذا لا يحضر هذا الإرث المائي الواسع في الذاكرة الفلسطينية الجمعية اليوم؟ لماذا غاب الزيّ الساحلي مقابل حضور الزي التلحمي والنصراوي والحيفاوي الجبلي؟ ولماذا اختفى فولكلور الصيادين والغوارنة، فيما تضخم فولكلور الفلاح وشجرة الزيتون؟

يقدم الباحث تفسيراً مزدوجاً؛ الأول جغرافي-سكاني، إذ يقول إن "شكل بقائنا، نحن الباقين، شكل بقاء جبلي، من الخليل إلى الجليل باستثناء غزة الساحلية، فإن شكل وجود الباقي من العرب الفلسطينيين هو شكل داخلي جبلي، فننتج فولكلور جبل في الغناء والمطبخ والأهازيج والزيّ".

أما الثاني فسياسي، ويرى حبيب الله أن مشاريع التحرر الفلسطينية أعادت "ترميز" المدينة الساحلية بشروط الشعر الحديث، لا بشروط ناسها الذين عاشوا الماء، ويقول "حضور البحر والنهر في القصيدة الفلسطينية ظل حضوراً رمزياً مشعرناً، لا حضور الناس الذين بنوا حياتهم على الضفاف ومارسوا الماء يومياً".

مصدر الصورة حضور البحر والنهر في القصيدة الفلسطينية ظل حضوراً رمزياً وفق الباحث حبيب الله (الجزيرة)

ضياع فئات فلسطينية بأكملها

ضمن هذا التغييب، يقول حبيب الله، ضاعت فئات فلسطينية بأكملها، أبرزها "الغوارنة"، وهم سكان الأغوار الذين كانوا في الصيف يهربون من حر الغور إلى ضفاف الأنهار قرب الساحل، فيصلون إلى نهر الزرقاء وإلى محيط حيفا وعكا وغزة.

ويوضح أن جيرانهم في الجليل كانوا يسمونهم باستهجان "مصيفي الغور"، وأن كلمة "غوارنة" كانت تُلقى في وجوههم بمعنى تحقيري، كما تُلقى كلمة "نَوَر".

بعد النكبة انقلب المعنى، يضيف، إذ صار "الغوارنة" يعتزون بهويتهم بوصفها "دليلاً على حقهم في أرض بعينها". غير أن الحركة الصهيونية، نظرت إلى هذه الفئة من سكان البيئة المائية "نظرة الهنود الحمر، حرفياً"، أي بوصفهم سكاناً أصليين لبيئة يجب تجفيفها واستيطانها.

ذاكرة لا تاريخ

يميز حبيب الله بين كتابة التاريخ وإحياء الذاكرة، ويقول "للتاريخ شروطه العلمية والعلمانية في الكتابة، أما الذاكرة فمطلقة، وتركز على المكان لا على الزمن، وكل صراعنا يتعلق بالأرض والمكان".

إعلان

ضمن هذا التمييز، يصف الباحث عمله بأنه "إعادة ري للذاكرة المجففة" لا تأريخاً صرفاً، ويضرب مثلاً بقرية الشجرة (قضاء طبريا)، إذ بحث في "عين ماء الشجرة" وكيف كان عميان القرية يديرون الدواليب لسحب الماء، ليكتب تاريخ المكان "عبر شيء هامشي في حياته"، بدلاً من الإحصاء الإنسيكلوبيدي للسكان والدونمات.

ويشدد على أن القضية ليست رومانسية ولا حنينية، بل هي إعادة اعتبار للجغرافيا "بوصفها فاعلاً لا مفعولاً به"، أي بوصفها "فاعلة في تشكيل الإنسان الفلسطيني في معيشته وعلاقاته الاجتماعية والوجدانية مع المكان".

ويختم الباحث بالقول "لا يزال الماء مغيباً من ذاكرتنا نحن الفلسطينيين، وحضور البحر والنهر مع شعرائنا حضور بشروطهم هم، لا بشروط الناس الذين عاشوا الماء، وهذا يحتاج إلى عمل وجهد جماعي".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا