آخر الأخبار

تداعيات العتمة الرقمية بإيران.. إنترنت للنخبة ورفض الشارع لربط الخدمة بالاغتيالات

شارك

طهران- بعد مرور أكثر من شهرين على قطع الإنترنت الدولي في إيران، لم يعد الجدل محصوراً في تداعيات القرار على الحياة اليومية، بل يتحول إلى مواجهة علنية بين رواية أمنية تزعم أن سياسة الحجب تحمي البلاد، وأخرى مجتمعية تعزف على فشل الفرضية السابقة، مستحضرة الاغتيالات التي تمت خلال حربي الـ12 يوماً ورمضان الماضي في ظل عتمة رقمية شبه كاملة.

وكان الرئيس مسعود بزشكيان قد جاء بشعار "لا لتقييد الإنترنت"، ويقول مساعده ووزير اتصالاته ستار هاشمي، إنهم ما زالوا يعارضون سياسة تقييد الشبكة العنكبوتية، ما دفع النائب المحافظ علي رضا سليمي إلى السخرية العلنية؛ إذ تساءل: "إذا كان الرئيس ووزير اتصالاته يعارضان الإنترنت الطبقي، فمن الذي اتخذ القرار؟ رئيس بوركينا فاسو؟".

وبعد سماح الحكومة -خلال الأسابيع الماضية- بفتح الإنترنت العالمي لفئات محددة مثل الصحفيين وأساتذة الجامعات، أطلقت كبرى شركات الهواتف النقالة في إيران خدمة جديدة تحت عنوان "إنترنت برو" لإتاحة وصول محدود للشبكة العالمية ولفئات محددة مقابل دفع أموال، ما أثار جدلاً في الشارع الإيراني حول "ازدواجية التعامل مع هذا الملف والاتجاه الرسمي لتكريس إنترنت طبقي"، يهدد بتعميق الشرخ بين الدولة والناس.

مصدر الصورة رغم التعتيم الرقمي نفذت اختراقات في أنظمة المراقبة (ذكاء اصصناعي- للجزيرة)

آراء الشارع

وفي خضم هذا الجدل المحتدم، استطلعت الجزيرة نت آراء عدد من المواطنين الإيرانيين في طهران حيث تبين أن انقطاع الإنترنت يشكل أحد أعمق مظاهر التفاوت الاجتماعي؛ فينقسمون بين منتقد لسياسة التقييد بحق الشبكة العنكبوتية وتحويلها من حق يومي إلى سلعة نادرة، وآخرين يتفهمون حساسية المرحلة الراهنة ويطالبون بضرورة وضع حد لاستغلال جهات أمنية أجنبية الفضاء الرقمي داخل البلاد.

من جانبها، تعارض باران (25 عاماً) وهي طالبة علم الاجتماع بجامعة طهران، فرض أي قيود على شبكة الإنترنت، متهمة بعض الجهات المتنفذة في بلادها "بالعمل على تشكيل نظام أبارتايد رقمي تنعم خلاله قلة من النخب الموالية بإنترنت دون قيود، تليها فئة تدفع تكاليف باهظة لقاء وصول مقيد ومشروط، في حين يُترك السواد الأعظم من الناس رهينة لاتصالات بطيئة ومكلفة عبر أدوات تخطي الحجب"، كما اتهمت في حديثها للجزيرة نت الأجهزة الأمنية في بلادها بالتغطية على عجزها لمواجهة الخرق الأمني.

إعلان

أما الشاب زكريا (28 عاماً – صاحب محل لبيع الهواتف النقالة)، فيؤكد أنه يعارض سياسة تقييد الإنترنت على المستوى الشخصي، لكنه يرحب بها في المرحلة الراهنة، موضحاً للجزيرة نت -أن "المحل صار أشبه بورشة لتركيب برامج تخطي الحجب، لأن كل زبون يشتري هاتفاً جديداً يقع في الفخ؛ الجهاز لا يعمل حتى يُفعل بحساب إلكتروني لا يعمل على الإنترنت الوطني فيضطر لدفع مبالغ إضافية لتفعيله".

في المقابل، يدافع الحاج رضا (64 عاماً) عن سياسة حجب الإنترنت انطلاقاً من مبدأ "الإنترنت المفتوح يمثل خطراً، وأن العدو يستخدم الشبكة لزرع الفتن والتجسس من أجل القضاء على العقول الإيرانية"، موضحاً للجزيرة نت "بالنسبة لإيران فإن الشبكة العالمية لم تجلب لنا إلا المصائب"، متسائلاً "من قال إن الإنترنت حق مثل الخبز والماء؟ نحن في حالة حرب، والعدو يتربص بنا من كل جانب".

إستراتيجية أمنية

وفي السياق، يصر التيار المحافظ على أن تقييد الإنترنت ليس نزوة بيروقراطية، بل إستراتيجية أمنية متكاملة تمنع نفوذ العدو وسد طريق الاغتيالات، فيستذكر الناشط السياسي محمد حسن قديري أبيانه "أحداث حرب رمضان الأليمة عندما كانت الشبكة العالمية مفتوحة نسبياً وتم اغتيال عدد من القادة السياسيين والعسكريين"، مؤكداً أن التحقيقات أثبتت أن العدو استخدم الإنترنت الدولي لإرسال إحداثيات المواقع. هذه ليست فرضية، بل خلاصة أمنية دامغة.

مصدر الصورة محمد حسن قديري أبيانه يعتبر أن الإنترنت الدولي هو شريان عمليات عناصر العدو (الصحافة الإيرانية)

وفي حديثه للجزيرة نت، يوضح أبيانه أنه خلال الاحتجاجات السابقة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي الغربية إلى غرف عمليات حقيقية لعناصر العدو لتوجيه المتظاهرين وإثارة الفوضى الممنهجة، مشدداً على أن قطع الإنترنت كان لقطع اليد الأجنبية التي تحرك الشارع عن بُعد، لا لتكميم الأفواه كما يزعم البعض.

وتابع، أن اعترافات الموقوفين خلال الحرب الأخيرة والاحتجاجات السابقة تقدم دليلاً لا يقبل التأويل، حيث أقرّ هؤلاء بتواصلهم مع أجهزة استخبارات أجنبية عبر الإنترنت وتلقي تعليمات أمنية.. ولنسأل أنفسنا: إذا كان الإنترنت الدولي غير مؤثر في العمليات الأمنية، فلماذا يهرّب العدو أجهزة "ستارلينك" إلى الداخل الإيراني ويخصص ميزانيات ضخمة لتزويد عناصره بها؟.

واعتبر المتحدث نفسه، أن الإنترنت الدولي هو شريان عمليات عناصر العدو بالداخل، متسائلاً "هل نمنحهم هذا الشريان بذريعة الحق الرقمي؟"، مؤكداً أنه لا يدعو إلى عتمة أبدية، بل إلى تقييد ذكي ومضبوط لتحييد الأخطار الأمنية عن البلد، مشيراً إلى أن خيارنا محسوم وهو عبارة عن الأمن أولاً، والأمن آخراً، والأمن دائماً.

فرضية فاشلة

في المقابل، يفند بوريا آستركي، الباحث في الإعلام الرقمي والشبكة العالمية، الحجة الأمنية التي يسوقها مؤيدو الحجب، بالعودة إلى وقائع حرب رمضان، فيقول "لنحتكم إلى ما جرى على الأرض، ففي الأسابيع الثانية والثالثة والرابعة من الحرب، ومع استمرار سياسة قطع الإنترنت التي لم ترفع أصلاً منذ احتجاجات مطلع العام الجاري، وقعت اغتيالات طالت أعلى القيادات الأمنية".

مصدر الصورة الباحث بوريا آستركي يفند الحجة الأمنية التي يسوقها مؤيدو سياسة قطع الإنترنت (الجزيرة)

وفي حديثه للجزيرة نت، يتساءل آستركي "إذا كان قطع الإنترنت هو الدرع الذي يحمي القادة، فكيف اخترق العدو هذا الدرع ووصل إلى أهدافه بهذه الدقة؟"، مضيفاً أن الجواب يكمن في أن الفرضية الأمنية "لم تصمد أمام الاختبار العملي"، مما يجعل الاستناد إليها لتبرير استمرار العتمة الرقمية "تسويغاً لا يستقيم مع حقائق الميدان".

إعلان

ويضيف بُعداً أكثر عمقاً في تحليله، مفرّقاً بين دور الشبكة كبنية تحتية ودور "العامل البشري" كعامل حاسم في الاختراقات الكبرى، ويكشف أن "الاختراقات المهمة التي حدثت في هذه الفترة لم تكن في جوهرها نتيجة ثغرات في الإنترنت الدولي، بل تعود إلى أسباب مختلفة تماماً، أبرزها العامل البشري"، مضيفاً أن تحميل الشبكة مسؤولية الاختراقات هو تجاهل للمشكلة الحقيقية، وتحويل للأنظار عن الإخفاق في تأمين العنصر البشري داخل المؤسسات".

كما يوجه آستركي نقداً لاذعاً للحكومة التي تقف، حسب وصفه، في موقع المتناقض: المثير للسخرية أن الحكومة تتبنى خطاب دعم الاقتصاد الرقمي والحديث عن أضرار الحجب، في حين تطرح الشركات التابعة لها "إنترنت برو"، مشدداً على أن هذا التناقض يكشف عن "ضعف الحكومة وعجزها عن مواجهة مجموعات المافيا والنفوذ التي باتت تتحكم بملف الإنترنت".

خسائر مادية

وفي ختام تحليله، يتوقع الباحث الإيراني أنه "إذا ما وصلت البلاد إلى مرحلة من الاستقرار والهدوء الأمني، فإن استمرار سياسة القطع بهذا الشكل سيكون صعباً للغاية، لأن الضغوط الاجتماعية والتبعات الاقتصادية ستفوق أي قدرة على الاحتمال".

وفي الصحافة الإيرانية تتكشف أبعاد جديدة للعتمة الرقمية التي تحولت إلى نزيف اقتصادي صامت ينهش ما تبقى من جسد الاقتصاد الإيراني المنهك بالحرب والعقوبات.

وجراء قطع الإنترنت، تصل الخسائر اليومية المباشرة 30 مليون دولار، بينما تصل الخسائر غير المباشرة 80 مليون دولار، وفق ما صرح به أفشين كلاهي، رئيس لجنة الاقتصاد المعرفي في غرفة التجارة الإيرانية.

أما وزير الاتصالات ستار هاشمي، فقد قدّر الكلفة اليومية على الاقتصاد الكلي بنحو 50 ألف مليار ريال (نحو 28.2 مليون دولار)، وفق ما نقلته وكالة أنباء خبر أونلاين.

وبعد مضي أكثر من 70 يوماً من القطع الكامل للإنترنت، لم تعد القضية تدور حول "الأمن القومي" بقدر ما باتت تتمحور حول سؤال يعجز صانع القرار عن الإجابة عنه: إذا كان قطع الإنترنت ضرورياً لمواجهة التهديدات الأمنية، فكيف يزول هذا التهديد حين يدفع المواطن مبلغاً طائلاً للحصول على "إنترنت برو"؟.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا